د. يوسف نور عوض
الحقيقة الواضحة هي أن السياسة والأخلاق نقيضان متعارضان ليس لان السياسة تخلو في كل الأحوال من الأخلاق بل لأنه إذا كان الخيار بين الذرائعية والأخلاق في المفهومات الغربية، فإن الغلبة ستكون للذرائعية، ولكن السياسيين يحاولون دائما أن يكسبوا من جميع المواقف حتي يكونوا في مركز الأحداث وحتي ينظر إليهم العالم نظرة تقدير وإجلال. ولا ينطبق هذا القول بصورة كاملة علي موقف كما ينطبق علي منظمة الأمم المتحدة التي من المفروض أن تكون منظمة دولية ترعي حقوق الإنسان ومصالح الدول ولكنها علي عكس ذلك تحولت لتكون منظمة قومية تحقق فيها بعض الدول مصالحها الوطنية علي حساب مصالح بقية شعوب العالم.
ولا شك أن الأمم المتحدة كانت خلال الحرب الباردة أفضل حالا منها اليوم، ذلك أنه خلال تلك الفترة كان هناك توازن للقوي إلا أنه منذ نهاية تلك الفترة إختل التوازن وأصبحت المؤسسة الدولية مطية في يد الولايات المتحدة وحلفائها وكان لسوء حظ الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان انه أتي في مرحلة من أكثر مراحل الأمم المتحدة سوءا ولم يقدر خلال مرحلة أمانته أن يتخذ أي موقف إيجابي ما أثار حفيظة كثير من الدول عليه حتي رأي البعض انه مجرد أداة لتمرير السياسات الأمريكية علي الرغم من أنه كان في أوقات قليلة يجهر برأي فيه شيء من الصدق حين تكون الظروف مواتية لقد صمت عنان كثيرا علي جرائم الاحتلال في العراق ولم يعلق علي مواقف مجلس الأمن من القضية الفلسطينية وكان يتبني مواقف الولايات المتحدة في دارفور كما يساندها في مواقفها من إيران وكوريا الشمالية تحت ذريعة أنه يؤدي واجبه كأمين عام، ولم يواصل مسيرة إصلاح مجلس الأمن عندما وقفت الولايات المتحدة في طريق هذا الإصلاح، ولكن الأمين العام للأمم المتحدة لم يشأ أن يغادر المنظمة الدولية وحوله علامات استفهام بل أراد الخروج خروج الأبطال والمنظرين وذلك ما جعل خليفته الكوري يقول إنه لا يستطيع أن يقف فوق أحذية كوفي عنان وكأن هذا الأخير قد أنجز ما لم يستطع أن ينجزه أحد خلال فترة أمانته، مع أن كل ما خرج به كوفي عنان هو وصايا خمس تتحدث بطريق غير مباشر عن أن بعض الدول تختطف مجلس الأمن لتحقيق سياساتها الوطنية وانه يجب أن تكون هناك مشاركة عالمية في اتخاذ القرار وأن يكون هناك إصلاح في مجلس الأمن ومساءلة للدول عما تقوم به وهي جميعها توصيات يسأل عنها عنان نفسه ولماذا لم يقم بها أو يركز عليها بدل صمته المريب، ولم يشأ أن يخرج من الأمم المتحدة إلا وهو مستجد للعطف الأمريكي عندما قرر أن يلقي خطبته الأخيرة في متحف ومكتبة الرئيس ترومان في ميسوري وكان يعتبر تلك مبادرة ذكية لأنه يستطيع من خلال توجيه النقد الخفيف للرئيس بوش أن يكيل المدح للرئيس ترومان الذي دعم الأمم المتحدة ورفع راية حقوق الإنسان دون أن يدرك أن اختياره لموقع الخطبة لم يكن موفقا لأن الرئيس ترومان هو الذي أمر بإسقاط قنبلتي هيروشيما و ناغازاكي اللتين راح ضحيتهما مئات الآلاف من اليابانيين وهكذا لطخت يدا هذا الرئيس بالدماء وقدم نموذجا متكاملا للمنهج الأمريكي الذي يعتمد في الأساس علي رفع القيم الإنسانية الكبري في الوقت الذي تستند فيه سياسات الولايات المتحدة علي فلسفة ذرائعية بغيضة لا تحترم مصالح الشعوب أو إنسانيتها إذا تعارضت مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ولعل الموقف الذي مر به الأمين العام للأمم المتحدة شبيه بموقف الرئيس كارتر الذي فقد منصبه علي الرغم من أنه سعي لإيجاد حل للقضية الفلسطينية ولكن جهوده كانت وبالا عليه واضطر أخيرا أن يقول كلمة الحق وهي كلمة كانت عنده أكثر وضوحا كما ظهر في كتابه: فلسطين: سلام لا فصل عنصري. ولم يقتصر الوضع علي الوضوح فقد استوجب شجاعة كبيرة كي ينطق كارتر بكلمة الحق في مجتمع تحاصر فيه كلمة الحق علي الرغم من أنه يروج لنفسه بأنه مجتمع الحرية والانفتاح، ولعل الوقوف عند كتاب كارتر يفسح أمامنا كثيرا من الرؤي في المشهد السياسي الأمريكي، خاصة ذلك الجانب المتعلق بقضايا الشرق الأوسط.
والملاحظ أنه منذ أن نشرت ملخصات الكتاب قبل صدوره بدأت وسائل الإعلام الأمريكية المحاصرة تركز علي أن الكتاب يستهدف أن يظهر وجه الحزب الديمقراطي المعارض في الولايات المتحدة لإسرائيل وذلك اتهام غير صحيح لأن الحزب الديمقراطي ساند بصورة مستمرة المواقف الإسرائيلية وهكذا يبدو أن الهدف من هذه الحملة هو دعم إدارة الرئيس بوش الحالية الخاضعة بشكل كامل لليمين المحافظ الذي يظهر ولاء لإسرائيل يفوق ما يظهره للولايات المتحدة، وقد أظهرت وسائل الإعلام الأمريكية فزعها من قول الرئيس كارتر إن ما تمارسه إسرائيل هو نظام ابارثيد أكثر فظاعة مما كانت تمارسه الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا وبالتأكيد لم يكن الرئيس كارتر يتحدث عما يجري في داخل إسرائيل بل كان يتحدث عما تمارسه إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث تسمح لقلة من اليهود باحتلال المستعمرات وتتعامل بقسوة مع الفلسطينيين الذين يدافعون عن حقوقهم، ويقول الرئيس كارتر إن مثل هذه الحقائق محاصرة في الإعلام الأمريكي بسبب السيطرة الصهيونية علي هذا الإعلام وشكا من أن كتابه لم يجد حظه من المراجعة في الصحف الأمريكية بينما تناولته بعض الصحف بالنقد علي أنه كتاب يروج لمواقف ضد إسرائيل.
ولا يمكننا في الواقع أن نلوم الرئيس كارتر لأن صحوته جاءت متأخرة، فهو كان في وضع تفرض عليه فيه قيود تفوق قيود كوفي عنان وتوافرت له معلومات تفوق ما هي متوافرة للامين العام، وكان يعلم أن مجرد النطق بها سوف يثير عليه غضب اللوبي الصهيوني ولكنه لم يكترث لذلك واستمر في قول كلمة الحق التي هي غائبة في العالم الغربي.
وقد رأينا أخيرا كيف أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قد حمل إيران في أعقاب مؤتمرها عن الهولوكوست مسؤولية كثير من الاضطراب في منطقة الشرق الأوسط ولكنه لم يتحدث عن إسرائيل أو برنامجها النووي الذي اعترفت به، ويعني ذلك أن القوي الكبري في العالم الغربي لا تريد أن تتفهم حقائق العالم وتتعامل معها من منطلقات سليمة ولا يعني ذلك أنها جاهلة بما يدور في هذه المنطقة بل هي تمارس سياسات تعيد تدويرها دون أن تحاول تغييرها مع أن الحلول لكل القضايا سواء كانت إرهابا أو خلافات سياسية هي في متناول اليد إذا ما اتبع الطريق السليم لحلها.
ويجب هنا أن تدرك سائر الدول الغربية أن مشكلة السياسات في الشرق الأوسط هي إسرائيل لأنه علي الرغم من تغير المناخ السياسي وقبول كثير من الدول بوجودها فهي لم تحفل بذلك وتصر علي أن تحقق مزيدا من المكاسب من خلال اللجوء لسياسة القوة التي أثبتت المواجهة مع حزب الله أنها لن تكون مجدية وذلك ما جعل أيهود أولمرت يلمح أخيرا بالسلاح النووي الذي لن تتردد إسرائيل في استخدامه إذا ما أحست بالخطر، ولكن الإستراتيجية التي تتبعها إسرائيل تقوم علي الخطأ لان السلاح النووي لن يحمي إسرائيل بسبب صغر مساحتها وإذا ما استطاعت الدول المعادية لها امتلاك هذه السلاح فلا أمل لإسرائيل حتي لو امتلكت السلاح النووي وتلك حقيقة يجب أن تدركها إسرائيل والقوي التي تقف خلفها وأهمها الولايات المتحدة وبريطانيا لان إسرائيل لا يمكنها أن تعتمد علي قوتها العسكرية إلي ما لا نهاية وكل ما يمكن أن تعتمد عليه هو قبول شعوب المنطقة لها للعيش بسلام في إطار تفاعل وتبادل للمصالح، ولكن إسرائيل لا تعتبر نفسها جزءا من شعوب المنطقة وتعتبر نفسها امتدادا لواقع غربي وهنا تكمن الخطورة التي يجب أن تلتفت إليها الدول الغربية التي تدعم إسرائيل من أجل صياغة سياسة جديدة فيها احترام لشعوب المنطقة ورؤية سليمة، سيكون الاستمرار بروح التحدي وفرض حالة الضعف علي الشعوب العربية لن يكون أسلوبا مستقيما في إنهاء المشاكل الدولية، وهنا يجب أن تدرك الولايات المتحدة انه بدلا من أن تخوض مواجهة مع إيران من أجل إسرائيل فإن عليها أن ترفع الظلم عن الآخرين وذلك أقصر السبل لتحقيق الأمن والسلام. 9