المواطن لا يعرف اذا كانت ضرورة أم أنها مجرد تساهل في الضغط علي الزناد
الاخفاق في عدم التقاط المعلومات الاستخبارية في حرب يوم الغفران ادي الي عدم اتخاذ قرار باستدعاء الاحتياط رغم المؤشرات المتزايدة حول الهجوم الوشيك.
قادة الدولة في تلك الايام ارتدعوا عن إدخالها في حالة مزاجية حربية، خصوصا ان التوقعات باندلاع الحرب قبل ذلك بعدة اشهر كانت قد تبددت. افتراضهم كان ان اسرائيل واقعة تحت تهديداتهم وان مواجهة هذا التهديد تتم من خلال الردع وليس باستدعاء الاحتياط بصورة متواصلة، الأمر الذي يحول دون اتباع نهج حياة طبيعية.
خلافا للحذر الذي اتبعه قادة الدولة في تلك الايام (والذي ظهر علي أنه خطأ مصيري) يقوم القادة الحاليون بالتحذير من الحرب منذ لحظة انتهاء الحرب الأخيرة في لبنان. اذا كان صانعو القرار في تشرين الاوؤل (اكتوبر) 1973 قد فضلوا زيادة التأهب علي الجبهة الشمالية والجنوبية من دون فرض أجواء حرب علي الدولة، يقوم اهود اولمرت وعمير بيرتس ودان حلوتس الآن بقرع طبول الحرب علي رؤوس الأشهاد وكأنها قريبة من الأبواب.
فور التوصل الي اتفاق وقف اطلاق النار في لبنان في منتصف آب (اغسطس)، عبرت أطراف في الجيش الاسرائيلي عن رأيها بأن جولة من الحرب ستنشب مع حزب الله خلال اشهر معدودات. بعض التصريحات الحماسية التي أطلقها بشار الأسد ونبيه بري ومعها بعض تصريحات احمدي نجاد، حفزت غدد الحماسة لدي بعض قادة الدولة في القدس. رئيس الوزراء صرح بأن سورية تعرف القوة الاستراتيجية الاسرائيلية التي ستُستخدم عندما نرفع القيود التي وضعناها علي أنفسنا في حرب لبنان، وفي هيئة الاركان جرت سلسلة مداولات أدت في تشرين الثاني (نوفمبر) الي الاستخلاص بأن سورية وحزب الله قد يشنان الحرب علي اسرائيل في صيف 2007. هذا التوقع تُرجم علي مستوي التدريبات وخطط التسلح. المزاج الحربجي في الجيش الاسرائيلي والتأهب المشتق منه تحول في الايام الأخيرة الي توجه عام وحصل علي مصادقة رسمية من خلال سلسلة تقييمات متناقضة بشرت الجمهور بأن الدولة تسير علي طريق الحرب القادمة.
من المقلق أن نري التساهل الذي تجر فيه الحكومة وهيئة الاركان هذه الدولة الي الحرب، او علي الأقل كيف يفرضون عليها أجواء من الحصار. قبل خمسة اشهر فقط كانوا قد أدخلونا في فوضي أمنية، وها هم الآن يطلقون صفارات الحرب مرة اخري وكأن الاعلان عن حالات الطواريء العسكرية هو مسألة يومية موجودة ضمن رزمة اعمالهم الاعتيادية، بينما كان يتوجب عليهم أن يتعاملوا مع الخيار العسكري بحذر مفرط وضبط عال للنفس، أضف الي ذلك أن إدخال الدولة في ديناميكية الحرب يُكلف ثمنا معنويا واقتصاديا عاليا جدا وليس من المؤكد بالمرة اذا كان هناك مبرر لدفعه.
ليس واضحا اذا كانت دعوات الحرب الصادرة عن الحكومة وهيئة الاركان خطوات تكتيكية فقط أم أنها تعبر عن خطة عمل فعلية. تقديرات الوضع المتناقضة التي صدرت في نهاية الاسبوع عن ممثلي شعبة الاستخبارات العسكرية أمان من جهة، وعن قادة كبار في القيادة الشمالية من جهة ثانية، لا تساعد الجمهور في الثقة بقادة الدولة. التوضيحات التي صدرت عن رئيس الوزراء ووزير الدفاع لم تؤدِ إلا الي زيادة الغموض علي حقل الرؤية ذلك لان تصريحات اولمرت في هذا الاسبوع لا تتساوق مع تحذيراته في شهر ايلول (سبتمبر)، وبيرتس في هذا الاسبوع هو نفس بيرتس الذي فقد مصداقيته في شهري تموز (يوليو) وآب (اغسطس). يضاف الي ذلك انه يسود التساؤل: كيف سيقوم الجمهور بالتمييز بين استفادة الجيش مجددا كما يفترض من عبر حرب لبنان الثانية وبين الخطوات أو التصريحات الهادفة التي ترمي الي تحقيق أهداف سياسية بالأساس (الردع) أو اقتصادية (زيادة ميزانية الدفاع) أو شخصية حتي (تغطية المؤخرات)؟.
الجنود يتدربون منذ الآن فعليا (وكذلك الاحتياط) استعدادا للحرب في الشمال، والمواطن العادي لا يعرف اذا كانت هذه ضرورة لا مناص منها أم أنها مجرد تساهل في الضغط علي الزناد. كما ان من حقه ان يتساءل اذا كانت النظرية ستؤدي الي تحقيق النبوءة لنفسها.
عوزي بنزيمانمحلل دائم في الصحيفة(هآرتس) 13/12/2006