مع بناء الجدار الفاصل في القدس طرأت تغيرات ليس فقط علي نسيج العلاقات بين العاصمة والضواحي، وانما ايضا في داخل المدينة نفسها: نحو 60 ألفا من سكانها الذين يقطنون داخل حدود المدينة البلدية أصبحوا الآن خارج الجدار. الوصول الي المدرسة واماكن العمل والعيادات الطبية، أو مجرد الزيارات لأقارب العائلة في حي آخر، يضطرهم الي اجتياز حواجز الجيش الاسرائيلي.
غياب المؤسسات العامة في أحياء شمال ـ شرق القدس يضطر الناس هناك الي تلبية احتياجاتهم اليومية في وسط المدينة، ولكن الآن أصبحت المسافة تستغرق أكثر من ضعف الوقت بسبب الحاجز متسببة بالاحباط واحيانا تتحول الي مسألة مستحيلة كليا عندما يتم اغلاق الحاجز في وجه العابرين.
في شهر تموز (يوليو) 2005 قررت الحكومة تشكيل جسم يوفر استجابة لاحتياجات السكان الذين تم عزلهم عن القدس إثر بناء الجدار. ادارة جماهيرية لغلاف القدس، وهي موجودة تحت مظلة شركة المراكز والادارات الجماهيرية في القدس م.
ض، وتحت رقابة واشراف البلدية، مع الخضوع ايضا لديوان رئيس الوزراء. في الاسبوع الماضي نشرت النتائج التي توصل اليها تقرير انتقادي أعدته الادارة حول وضع الأحياء الواسعة خارج الجدار.
الحل الذي تقترحه الادارة لمشكلة توفير الخدمات هو الزج بتلك الخدمات في الأحياء. أي يتوجب الآن الشروع في اقامة المدارس والعيادات في تلك الأحياء اذا لم تكن متوفرة فيها. واذا لم تكن هناك مؤسسات حكومية ايضا مثل البريد فهناك تخطيط لانشاء محطات بريد ومؤسسات حكومية مختلفة في تلك الأحياء حتي لا يضطر الناس للمرور من الحواجز للحصول علي احتياجاتهم. بهذه الطريقة يخططون لاقامة مجمع حكومي في كفر عقب بجانب حاجز قلندية، وآخر في رأس خميس / شعفاط بجانب حاجز عناتا المخطط.
الادارة شرعت في العمل قبل عدة اشهر، والنتائج علي الارض مختلطة. السلطات وبلدية القدس توقفت من جهة عن إمداد الأحياء التي تقع ضمن مسؤوليتها: في رأس خميس مثلا توقفوا كليا عن إزالة القمامة، ومشاريع شق الشوارع توقفت. المكاتب الحكومية لم تُبنَ بعد والناس ينتظرون ساعات طويلة أمام الحاجز حتي يخرجوا من المنطقة، ولكن من الناحية الاخري، ولاول مرة منذ اربعين سنة، بدأت البلدية بأداء مهمتها التي يفرضها القانون بتوفير سفريات لطلاب المدارس من تلك الأحياء. فهل يتوجب أن نفهم من ذلك ان حكومة اسرائيل مستعدة لتحسين جودة الحياة في شرقي القدس ـ ولكن شريطة أن يتم فصل السكان عن المدينة؟.
في كل الاحوال، تؤدي الخدمات الادارية التي تقترحها الدولة والجدار الفاصل معها، الي إبعاد السكان عن مركز حياتهم. هذا الفصل يصبح أكثر خطورة في ظل سياسة نسيج الحياة التي تتبعها اسرائيل والتي تشترط اعطاء الخدمات والحفاظ علي مكانة الاقامة الدائمة (أي بطاقات الهوية الاسرائيلية) بالبرهنة التفصيلية والبيروقراطية عن وجود مركز الحياة داخل القدس نفسها.
اقامة الجدار في منطقة شعفاط تترافق مع إزالة الحواجز بين المنطقة ورام الله. اي ان الحكومة فتحت الباب أمام الناس للتوجه الي رام الله بينما منعتهم من الدخول الي مركز مدينتهم، ومعني ذلك أنها تشجعهم علي اعتبار رام الله مركزا جديدا لحياتهم. ولكن رام الله ليست القدس ـ لا من الناحية البلدية ولا من الناحية الثقافية والاقتصادية، والعلاقات والأواصر العائلية والاجتماعية تتضرر بصورة قوية من محاولة الفصل المصطنع هذه. الادارة الجماهيرية لا تنفي هذه العملية، بل انها تقوم بتشجيعها.
يتوجب ان نذكر ان اسرائيل هي التي تتحمل مسؤولية هؤلاء الناس مثل باقي سكان أحياء شرقي القدس الذين تتدهور الخدمات البلدية والرسمية المقدمة لهم شيئا فشيئا.
دانييلا ينايمحامية وباحثة في جمعية عير شاليم (هآرتس) 13/12/2006