عناية جابر
ان يكون سكني في طابق علوي، معلّقا في فضاء بيروت المجنونة، لهو امر لا طاقة لي علي رده، وفات اوان معالجته علي كل حال. مع ذلك، منهمكة علي قدر لا بأس به، بدراسة المواقع الاستراتيجية الفُضلي للاحتماء، بُغية تجنب تقديرات سابقة مضحكة كلفتني الكثير، في تتالي حروبنا اللبنانية. وقعت للحرب المقبلة، علي خطة اكثر بساطة تقضي بعدم اجراء تعديل علي مكان نومي في غرفتي المعتادة، ومشرعة هذه علي المحاور كافة. قدرية لطيفة تحكم استعداداتي، بانتظار ما يسفر عنه قرار النزول الي الشارع عند هؤلاء وأولئك، الفخ الذي واقعين في براثن مفاعيله وتردداته. من جهتي، ممسوسة بفكرة الشارع من دون ناسه. انتمي للاضلاع الحجرية والأعمدة والاسفلت، واصص الزهور التي تزين واجهات بعض المباني. انتمي للشرفات، وللغة الاشارة التي يتبادلها خدم البيوت، ولقوة العالم الثقيل الذي تمثله هذه الكائنات. انتمي لغبار الشارع، بلاطاته واتنكر للتجمعات ولا تعني لي هذه شيئا. ينقصني الاحساس بالمسرات الجماعية، والان وانا يائسة تماما من التظاهرات ارجو لناسها ان تختفي تماما وتؤوب الي بيوتها.
سر الافكار الجيدة هو صمتها، وتبدأ هذه تنزاح الي غير حقيقتها حين يعلو صوتها. منتبهة الي فخ الهتاف، اخنقه فيّ ليكون انعكاسي، ولأعبر عنه بنظامي الأخلاقي الخاص، وأحرره بالتالي من خزيه.
ينتابني الخوف في ظل الجموع الهاتفة، حيث كل كلمة هي حادثة قتل. حين رغبت يوما الي التآلف مع فكرة الحشد، اجبرت نفسي علي المشاركة في احدي التظاهرات، واجهل حتي اللحظة سببها وغايتها. رددنا يومها بقليل من الشر وتفاصيل كريهة، كلمات لا حصر لها حتي اصابني الغثيان. من ذلك الغثيان شيدت عزلتي الضخمة من اعتقادي بأن الهتاف الجيد شيء مخبوء في اعماقنا، وتقوّضه الاصوات الحاسرة في علنية الشوارع، تحت شمس لاهبة او سماء ماطرة.
اتململ ما زلت، حيال مطلق دعوة الي التظاهر. لست احب للجموع خضوعها المفرط. اتحمل بقسوة فكرة التعبير عن مطلب ما، قضية ما، بالصورة التي يختارها الآخرون. اريد ان اشع بتعبيري وحدي. أعد فكرتي وأرسمها علي ضوء رؤيتي الخاصة، كفيلة بايصالها بأكثر الطرق سلمية وانفتاحا.
فكرة الحشد، التجمهر، ترعبني وباختصار فكرة تواجدي مع اكثر من شخصين اثنين او ثلاثة علي اكثر تعديل، تُسقطني مريضة. لا ابذل اي جهد من اجل تلبية دعوات الافرقاء للنزول الي الشارع علي ما يُقال عندنا، ليس من يقيني من عدمية الشارع، بل من خوفي من الفريق الواحد، والمكان الواحد، وفئة الجموع الواحدة في الهتاف الواحد والنبرة الواحدة، والاستخدام الواحد. لا احب ان ابدو اقل جمالا، ولا لحظة واحدة.
اقدم كما قد يتبدي للبعض، وصفا ناقصا لكيفية رعبي من الانمحاء في الجموع. وحاولت لآلية ذلك بصدق، كي احقق المزيد عن الموضوع هنا، أؤكد علي احترامي لكافة الوسائط التعبيرية، مع ميلي الي الانتصار علي الصراخ، وعدم الارتماء علي اسفلت الشوارع تحت اليافطات، مسحوقة بالأفكار الكبيرة، وبالمزاج الشعوري الساخن للمتظاهرين.
قابليتي للتوضيح، تميل هنا الي وصف البذخ الشهواني المُرعب الذي تبذله كاميرات التلفزة للعالم، ليس لتصوير جمال وأبهة هذه الحشود بالمعني الانساني، والسياسي المطلبي، بل للنيل من خدعة انسابها، واظهارها ككنوز من الرياء والكراهية والفوضي والقسوة.
تحكمني الدهشة ويدهمني خرس ورغبة الي البيت، والي العزلة الكلية، بما هي حياة حقيقية يؤذيها الكشف والتظاهر. لا اعرف صورة لمتظاهرين في أي مكان في العالم، لا يبدو فيها هؤلاء لاعبين في لعبة مجانية وكأن حاجة عبثية جمعتهم هكذا طائعين للكاميرا، يبذلون لها اشكال ذواتهم وحناجرهم، مهتدين بوقاحتها وعصبية تنقلها علي الوجوه، في بحثها عن كومبارس لمسلسلات فكاهية عربية.