عالق بين الحلم والكابوس. تعتريني مرارتي، فأختلي بنفسي.. أوغل في الصمت الفاحم.. وأكتفي بما تأتي به عصارة الأيام. هذه أوراقي مشرعة البياض كالأكفان.. مركونة هنا وهناك.. نأي عنها القلم وجافتها الأنامل وساورتها الأحزان. من خصاص النافذة المطلة علي البحر، تتسلل ثلة من الأشعة الباهتة المحتقنة بالغبار. ومن خلف الباب تتصادي أصوات طفلة رائقة المزاج. تنادي أمها بدلال. لكن لا صوت يصدر عن الأم و لا جواب. ترفع الطفلة عقيرتها بنشيج يشبه العواء… تتسارع خطوات خفيفة قادمة من الجهة المقابلة.. تتوقف الطفلة فجأة عن البكاء ويسود الصمت من جديد. أعود لوحدتي، أسلمها نفسي وأستلم منها ثقل اللحظات. لا شيء ينذر بالحركة. حتي الزمن تحول الي مجرد كتلة بهماء عمياء ملبدة بلطخات الساعات المارقة بتثاؤب ونفور. صبيب الحر يمدد رطوبة الجو ويبعث في فضاء الغرفة غمرة السأم والملالة. قميئة هي الحياة حين تتجرد من فتنتها اللجوجة، وتتلبس شحوب الأيام الممتقعة الغبراء. الي حدود الأمس، لم أكن ما أنا عليه الآن. خلقت شرها مفعما بحب المتعة والعز والمال. ارتدت كل السبل المتاحة والمنيعة. لم أشغل نفسي يوما بقياس المسافة الفاصلة بين الرجحان والبطلان. الحياة قصيرة وسراديب المتع لا يحدها الحصر ولا يضنيها كثرة السالكين. لم أكن أمعن كثيرا في طرح الأسئلة، لأنني لم أشك يوما من عطالة أو فراغ. وحدها اللحظات الفارغة الجوفاء تعلم صاحبـــــها الانشغال بالأسئلة، وتولد في النفوس الغافية وهم الايمان بأن لكل شيء تفسير أو جواب. هذا علي الأقل ما توصلت اليه بعد أن تأبطتني رغبة غريبة غامقة وغامضة في الاختلاء بنفسي، بعيدا عن الناس، قريبا من أناي التي يبدو أنني ما تنبهت لوجودها من قبل، ما دمت لم أتجشم يوما عناء تفحصها عن قرب ومهل. بالأمس كتبت بعض السطور وركنت الورقة جانبا، كأنني أريد التخلص مما فيها من زبالة الكلمات. أتناول الورقة برخاوة وفتور.. وأقرأ: … هائم أنت كالسندباد. متقوقع في كربة هذا الجري اللاهث خلف الأيام. تجاهد التعب وتقتات من أوهامك اللابدة في جفون النساء وقيعان الكؤوس ومقالب الأسفار. تطوي السنين وتنهك ما لديك من عمر تافه في تصيد المغانم والمغارم ومستسهل الصبوات. ها أنت قد أتيت هنا، اكتريت غرفة باذخة وألقيت بنفسك في مهاوي التأمل والحنين والحسرات. وأحطت نفسك بأسباب الخمول والعطالة. لشد ما أكرهك الآن. أكره فيك صمتك المطبق وهامتك المقوسة وسجائرك المزدانة بالدخان. ما الذي تبتغيه في الوحدة والوحشة؟ أتحزن وأنت القائل: الحزن جرم لا يقترفه من كان حقا من طينة الرجال؟… لا أنت أنا، ولا أنا ما أراه فيك الآن… ابق حيث أنت ودعني أجلل صبوتي بما اعتاده مني الناس وألفته مني الأيام… . أتساءل ان كنت أنا حقا من كتب هذا الهذيان. أبدو فيه متحاملا علي نفسي، مضرجا بضغينة كئيبة، مخضبا بما يشبه المس أو خائب العنفوان. لشد ما أكره هذه المرآة الداخلية التي ترينا حقيقتنا علي غير ما هي عليه في أعيننا وفي أعين الناس. في انشغالنا بالآخرين، نجد الفرصة سانحة للانشغال بهم عن أنفسنا، فيخف القلــــق وتهمد المخاوف ونتعايش مع الذات مهما كانت كهيبة اللون كريهة. أنا من طينة الناس الذين لا يطيقون الخلوة وزفرة الهمهمات المتأسية الخافتة. أغرق نفسي في يم المهرولين والسالكين والعابرين بابتسامة عريضة نحو الأيام. سعيد أراقأكادير ـ المغرب6