د. ابراهيم ابراش
وأخيرا صدر تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون وهي اللجنة التي أُسست بقانون من الكونغرس في آذار (مارس) 2005، حيث كان الجدل محتدما حول الوجود الأمريكي في العراق وخصوصا مع تصاعد الانتقادات للممارسات غير الانسانية التي يتعرض لها المعتقلون والمدنيون العراقيون نتيجة الحرب الدائرة هناك، ومن هنا حدد المشرعون للجنة هدفا واضحا يتمثل في اعطاء تقييم متبصر للحالة الراهنة والمستقبلية في العراق، بما في ذلك تقديم الاقتراحات والمشورة بخصوص الموضوع. اذن فان تشكيل اللجنة كان نتيجة امتعاض ونقد لممارسات الجيش الأمريكي وتدهور الأوضاع الأمنية في العراق والسمعة السيئة التي بدأت تروج عن ممارسات الجيش والادارة التابعة له وهو ما اعتبره نواب في الكونغرس الأمريكي بمثابة اهانة لهيبة وسمعة الأمة.
بالرغم من أهمية موقع معدي التقرير وهما جيمس بيكر ولي هاملتون الا أن المهمة التي أسندت لهما كانت أقرب الي محاولة لتهدئة المشاعر وسحب البساط من تحت اقدام المنتقدين لممارسات الجيش الأمريكي أكثر مما كانت مهمة جادة لتغيير الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وحتي في العراق، فللجنة وتقريرها دور استشاري فقط يمكن للرئيس بوش أن يأخذ به أو لا، وقد ذكر الرئيس بوش تعقيبا له علي التقرير وفي مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء البريطاني بلير أن التقرير يستحق الاهتمام ولكنه غير ملزم، أيضا يجب التنويه أن القضايا الاستراتيجية للدول جميعها، وبالأحري الدول العظمي، لا يُعلن عنها في تقارير تناقش أمام الفضائيات وفي مؤتمرات صحافية وحتي في الجلسات العلنية للمؤسسة التشريعية أو التنفيذية، فهناك أمور علي درجة من السرية والخطورة لا يطلع عليها الا قلة من أصحاب القرار، وعليه عندما يقول الرئيس بوش ان ما جاء به التقرير غير ملزم للادارة الأمريكية فهو يقصد ما يقول ويمكن الزعم بان معدي التقرير أنفسهم يدركون ذلك. وبالرغم من أن كثيرا مما ورد في التقرير كان متوقعا وتحدث عنه المهتمون بالأمر قبل صدور التقرير رسميا، وبالرغم من أهمية التلميحات الواردة فيه سواء فيما يتعلق بالوضع بالعراق أو فلسطين، الا ان هناك مبالغة من البعض في ساحتنا العربية والاسلامية في قراءة التقرير بل وصل الأمر بالبعض للحديث عن أن التقرير هو اعلان واعتراف بفشل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وما علي العرب والمسلمين الا رفع رايات النصر علي الشرفات والخروج للشارع في مظاهرات عارمة فرحا بالهزيمة النكراء التي اعترفت بها أمريكا بعد طول مكابرة! ولنعد لمضمون التقرير وباختصار لا يخل بالجوهر، فبالنسبة للوضع في العراق والذي هو الموضوع الرئيسي للتقرير فالتقرير لا يشكك ولا يثير شرعية العدوان علي العراق ولا يحمل المسؤولية عن مقتل حوالي مليون عراقي للقتلة الحقيقيين، ولا يقول صراحة من المسؤول عن نهب ملايين الدولارات وتفتيت البلد طائفيا وعرقيا. نعم انه ينتقد الحكومة الحالية ويقول برفض تقسيم العراق ولكنه لا يقول صراحة من هم المسؤولون عن صيرورة الأوضاع علي خلاف ذلك. وعندما يطالب باعادة انتشار الجيش الأمريكي في حدود سنة 2008 فانه ينصح بترك 20000 ألفا فقط من المارينز! أليس هذا العدد هو جيش احتلال وستكون مهمته حماية حكومة خاضعة بالمطلق لأمريكا؟ وحتي لو انسحبت كل الجيوش الأمريكية ومن يتحالف معها من العراق، فهل العراق المتروك سيكون أفضل حالا من عراق ما قبل الغزو سواء تعلق الأمر بوحدة الدولة أو بالوضع الاقتصادي أو الوضع الأمني؟ وهل خروج الجيش من العراق حسب تصور التقرير يعني هزيمة الاستراتيجية والمصالح الأمريكية في ذلك البلد؟
أيضا فالتواجد العسكري الأمريكي لا يقتصر علي العراق بالرغم من أن القوة الرئيسية متمركزة هناك، فماذا بالنسبة للقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج العربي وغيرها من دول المنطقة وعشرات الاتفاقات الأمنية، هذا ما لم يتطرق اليه التقرير، لأن التقرير يريد خدمة الاستراتيجية الأمريكية وترسيخ المصالح الأمريكية في المنطقة وليس المس بهذه الاستراتيجية والمصالح، ربما بخروج قوات التحالف من العراق سينتهي الاحتلال العنيف والدموي للعراق ولكن ستستمر القواعد العسكرية في الخليج العربي وستكون الذريعة في هذه الحالة هي التهديد الجديد من ايران الشيعية الفارسية.
أما بالنسبة لاشراك ايران وسورية في الحوارات بشأن العراق، فقبل أن يقدم التقرير نصيحته فقد حاولت الادارة الأمريكية فعل ذلك بل نجحت في احراز تقدم بعضه معروف وهناك أمور غير معروفة لأنها تدخل في القضايا الاستراتيجية الأمنية التي تتوافق كل الأطراف علي عدم التصريح بها، فبالنسبة لايران فهناك تواطؤ غير معلن بدأ منذ 1990 بين ايران وأمريكا علي تدمير العراق كدولة موحدة ذات هوية عربية اسلامية، وأعظم انجاز مشترك للبلدين هو تفجير الصراع الطائفي بين السنة والشيعة سواء في العراق أو لبنان وهو الصراع الذي يخدم ايران بقدر ما يخدم الاستراتيجية الأمريكية الساعية لبلقنة وتفتيت المنطقة العربية. بالنسبة لسورية وبالرغم مما يبدو علي السطح من علاقات غير ودية بين البلدين، وهي كذلك بالنسبة لبعض القضايا، الا أن تفاهمات واتفاقات موقعة بين البلدين وجدت لها تطبيقا علي الأرض فيما يتعلق بمحاربة الارهاب وضبط الحدود العراقية ـ السورية، ونعتقد أن الاستراتيجية الأمريكية تحتاج لهاتين الدولتين كأعداء أكثر مما تحتاج لهما كحلفاء أو أصدقاء. الا أن أخطر ما نستنتجه من مطالبة معدي التقرير باشراك دول الجوار بالمفاوضات حول العراق هو تحميل هذه الدول وخصوصا ايران وسورية مسؤولية ما يجري بالعراق بدلا من تحميل النخبة السياسية العراقية والجيش الأمريكي هذه المسؤولية، فعند القول بان مشاركة هذه الدول ستحل المشكلة أو تساعد علي حلها فهذا يعني أنها السبب في عدم حل المشكلة. أما بخصوص القضية الفلسطينية فان اشارة التقرير لتداخل المشاكل في المنطقة هو أمر ايجابي لأنه اعتراف بأنه ما لم تحل القضية الفلسطينية حلا عادلا فلن تعرف المنطقة الهدوء والاستقرار، فتذكير التقرير بمؤتمر مدريد وقراري 242 و338 وبمشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومطالبته بعقد مؤتمر دولي للسلام انما يبلغ رسالة لاسرائيل وللادارة الأمريكية التي تدعمها دون تحفظ، بأن الحلول القائمة علي التصرف المنفرد من اسرائيل والزعم بغياب شريك للسلام أو التلاعب بالمسارات كلها أمور لا تخدم الاستقرار بالمنطقة. الا أن هذا الجانب من التقرير وان كان يتوافق مع تحركات أوروبية في هذا الاتجاه الا أن صدور التقرير تزامن مع بداية نهاية حكم بوش وربما الحزب الجمهوري والاستعداد للانتخابات مما يجعل المرشحين من الحزبين خاضعين لأصوات اليهود ولضغوط اللوبي الصهيوني واليمين الأمريكي الداعم لاسرائيل، كما أن الحزب الديمقراطي المرشح للفوز له مواقف أكثر تأييدا لاسرائيل ورفضا للحقوق الفلسطينية المشروعة حتي في اطار الشرعية الدولية.
نخلص للقول ان علينا قراءة تقرير بيكر ـ هاملتون بتمعن ولكن يجب علينا أكثر من ذلك قراءة وفهم العقلية السياسية الأمريكية وآليات اشتغال النظام السياسي الأمريكي، وادراك الأبعاد الحقيقية لتشكيل اللجنة ولتقرير اللجنة، التقرير في رأينا لا يستحق كل هذه الضجة التي أثيرت حوله وهي ضجة لا تفيد المتضررين من السياسة الأمريكية بقدر ما تخدم السياسة الأمريكية حيث تضفي طابعا أخلاقيا عليها بالزعم بان الأمريكيين يرفضون الخطأ وانهم يتداركونه ولديهم استعداد لتصحيحه ولكن ضمن نفس الادارة والاستراتيجية الكلية، أو بمعني آخر يريد القول بأنه حتي لو كانت الادارة الأمريكية هي المسؤولة عن الأخطاء فهي أيضا المسؤولة عن تصحيح هذه الأخطاء، ونعتقد انه بعد أيام أو أسابيع علي أبعد تقدير سينسي الجميع التقرير وتبقي الوقائع علي الأرض كما هي مع تغييرات طفيفة، وهنا يجب التذكير بتقرير ميتشل عام 2001 حول الصراع العربي ـ الاسرائيلي وما آل اليه.
كاتب من فلسطين[email protected]