لا يمكن اعادة الخط الاخضر الي سابق عهده لان التاريخ تغير كثيرا

حجم الخط
0

اليوم أصبحت دافنا تُدرس في الجامعة، لكنها عندما كانت طالبة في الصف الرابع ـ قبل أكثر من 25 سنة ـ أعطت المعلمة درسا في موضوع حصار القدس في حرب 1948 ، تحدثت فيه عن الجوع الشديد الذي ساد المدينة التي كانت محاصرة يحيط بها الأعداء من كل جانب. أكدت المعلمة أن الشارع من تل ابيب الي القدس كان مسدودا في عدد من الاماكن ـ من باب الواد حتي قمة جبل القسطل ـ وبسبب ذلك مُنع المسؤولون عن الأمن من نقل الاغذية والعتاد الي العاصمة. رفعت دافنا اصبعها وسألت المعلمة: اذا كان الشارع من تل ابيب مسدودا، فلماذا لم يستعمل المحاصرون شارع أريحا ـ القدس؟.

بعد وقت قصير من حرب الايام الستة بدأ الطمس العمد علي الخط الاخضر، الذي كان حتي ذلك الحين الخط الحدودي بين اسرائيل وجاراتها. أصبحت حدود جديدة لدولة اسرائيل الكاملة، التي سيطرت آراء مؤيديها علي كل شيء، وذلك في الأساس في فترة النشوة التي تلت الانتصارات الخفيفة في حرب 1967 الخاطفة. مع اقامة المستوطنات الاولي في هضبة الجولان، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، بدأت عملية محو الخط القديم ـ الاخضر ـ من الخرائط، الي أن أصبح من الصعب في السبعينيات أن تجد خرائط يُطبع فيها هذا الخط. في الايام التي شبهنا فيها أنفسنا بامبراطورية عظيمة، في الأساس في الفترة حتي هزيمة يوم الغفران في 1973، نما بين اسرائيليين كثيرين وهم أن الحدود الجديدة في المناطق التي احتُلت هي الحدود الدائمة التي ستبقي أبدا، وأن الشعب المحتل سيقنط من كل أمل ويتعود علي هذه الحدود.

كلما تغير الواقع في الميدان ـ مئات المستوطنات أُقيمت في المناطق وصودرت مئات آلاف الدونمات من السكان المحليين ـ تمسك اليسار الاسرائيلي بالخريطة القديمة وبالحدود القديمة، وكأن مجرد تكرار تعبير الخط الاخضر شعار سيعيد الوضع الي سابقه. وهكذا أصبحت هاتان الكلمتان نوعا من الهمس السري، يتمسك بهما كل طرف لتقديم نضاله للطرف الآخر: فطرف يمحو ويطمس، والطرف الثاني يتحدث ممتدحا ويطبع خرائط جديدة يؤكَّد فيها هذا الخط. في اطار عملية القضاء علي الخط الاخضر مُحي كل ذِكر للخط الحدودي ذاك في القدس، من اجل تجسيد مبلغ كون عاصمة اسرائيل موحدة. ولكن هنا وهناك، في اماكن نائية مثل قرية بيت صفافا مثلا، ما تزال توجد علامات الجدار السلكي الصديء للخط القديم، رغم جهود المحو.

أشعل اعلان وزيرة التربية، البروفيسورة يولي تامير، بأن وزارتها ستطبع خريطة الدولة التي يُرسم فيها الخط الاخضر مرة ثانية، الاختلاف بين الصقور من جديد. وكأن مجرد الطبع من جديد للخط الاخضر يعيد الدولة الي الجدران السلكية والألغام التي وُضعت بجانب هذا الخط قبل 1967. بعد حرب الايام الستة بنحو اربعين سنة، الخط الاخضر خط مجهول، موجود في الأساس في خيال بالغين وشيوخ من اليمين واليسار. الواقع علي الارض مخالف تماما: سيضطر من يريد اعادة الخط الاخضر واقعيا الي اجلاء أكثر من ربع مليون اسرائيلي عن بيوتهم في المستوطنات. سيوافق غير قليل علي أن اجلاء كهذا نظريا مسألة مناسبة ومهمة، لكن هل هو عملي؟ بعد الجرح العميق الذي فُتح بعد اخلاء قطاع غزة أصبح اولئك الأكثر حماسة ايضا لاعادة الخط الاخضر يدركون أنه لا يوجد الآن امكان حقيقي لهذا الاجلاء. واذا كان الحاضر غامضا، وأليما ومليئا بالمقامرات، فلماذا لا نتمسك بأحلام الماضي، التي يعيشها كل شعب تحت جفنته وتحت تيهته والخط الاخضر يفصل بينهما؟.

يهودا ليطانيكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 14/12/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية