تناول روائي لمشكلة السلطة بتقنيات سينمائية

حجم الخط
0

قراءة في رواية يد الوزير لمحمد صوف:

بوشعيب الساوري

تشكل رواية يد الوزير ہہ الصادرة عن منشورات دار أزمنة بعمان (الأردن، 2005) إضافة نوعية إلي الأعمال الإبداعية السابقة للروائي والقاص المغربي محمد صوف. وهي الرواية السابعة في مساره الإبداعي بعد رحال ولد المكي (1980)، الموت مدي الحياة (1984)، السنوات العجاف (1985)، كازابلانكا (1990)، حتي إشعار آخر (1995) ودعها تسير (1997). تعالج رواية يد الوزير، برؤية جمالية علاقة السلطة بالأخلاق من خلال شخصية وزير متسلط يفعل ما يشاء بمن يشاء وفي أي مكان وزمان، له نفوذ مطلق. نستشف ذلك انطلاقا من عنوان الرواية (يد الوزير) فاليد تحيل علي السلطة، يد طويلة تطال كل شيء بما فيها مؤخرة امرأة لا يعرفها برفقة زوجها في مكان عمومي بمصعد عمارة. لتؤكد الرواية من خلال هذا الحدث المثير أن الشخص المتسلط يفعل ما يشاء وما لا يخطر علي بال. وزير يتدخل في كل شيء. يقول: الحرية! لا توفرها سوي السلطة.. كلما كنت ذا نفوذ استطعت أن تفعل ما تشاء متي وأينما وأني تشاء (ص.17). مما يجعل رواية يد الوزير قراءة من منظور روائي لمرحلة من تاريخ المغرب المعاصر انطبعت بغياب الحريات وتسلط ذوي النفوذ، الذي كان يصل أحيانا إلي حد التدخل في حياة المواطنين البسطاء من أجل إرضاء نزوات ورغبات تافهة.

هناك حدث أو حبكة سينمائية فرضت ذاتها علي مسار وشخصيات رواية يد الوزير، وغيرت مجري حياتها (امتداد يد الوزير إلي مؤخرة امرأة أمام مرأي من أعين زوجها). يمكن أن نعتبر ذلك الحدث بؤرة ناظمة لخيوط الرواية؛ إذ انطبعت به كل المكونات الروائية من شخصيات وسرد وزمان ومكان. مما يجعل يد الوزير رواية حدث بامتياز.1 ـ الحدث والشخصياتانعكس الحدث بشكل مباشر علي الزوجين سلمان وخديجة وأربك حياتهما الزوجية وأحاطها بالفتور والصمت. تقول خديجة: حتي وقوفي أمام اللوحة أصبح يرعبني (…) أجدني خائفة ومفتونة في ذات الوقت (ص.8). كما أدي إلي فتور علاقة سلمان بخديجة. تقول هذه الأخيرة: ولم تعد عيناه تجرؤان علي النظر إلي. (ص.15). فتحول الزوجان إلي غريبين يجمعهما مكان واحد. يقول سلمان: لقد أحالنا معاليه إلي غريبين في سقف واحد (ص.57). الحدث الذي أربك العلاقة الزوجية، وجمّد مشاعر الزوجين وأطبق الصمت علي حياتهما، وانتقلت آثاره إلي شخصيات أخري فاكتوت بناره، فأرغم كل الشخصيات القريبة والبعيدة علي التفاعل معه. وكان من تبعات انتشار آثار الحدث أن دفع حليم ودافيدوف (صديقا سلمان) إلي التفكير في الانتقام. يقول: كل منهما الآن يفكر بجد في الموضوع.. لأن كُلاً منهما تلقي الضربات منذ الأزل. (ص.44). لتصير لكل شخصيات الرواية علاقة من قريب أو من بعيد بالحدث، أي انفعلت به؛ انطلاقا من الزوجين، ومرورا بالأصدقاء ووصولا إلي الوزير ذاته. فيؤدي بوح الزوجين لأصدقائهما إلي الزج بهم في الحيرة والارتباك. فتنتقل آثار فعل يد الوزير إلي شخصيات أخري. يقول سلمان (الزوج): واليوم ها أنا أزج بأصدقائي في الكابوس (ص 57). تركز الرواية علي انفعال الشخصيات مع الحدث ذلك الجحيم الذي حشرتهم فيه يد الوزير إرضاء لنزوة تافهة بانتقال الحيرة والارتباك والحزن إلي أصدقاء الزوجين. يقول حليم في رسالة موجهة لسلمان: فقد اعتراني نفس الشعور بمجرد قراءة رسالتك (ص.25). حتي الأصدقاء أصبحوا عاجزين عن أداء واجب الصداقة بانتقال الأزمة إليهم. يقول حليم: أريد أن أسدي لك نصيحة تخرجك من شرنقة الهم التي تحكم الطوق حولك، فأجدني أدخل الشرنقة معك (ص.26). ما وقع لخديجة يؤرق صديقتها زينب، وكأنه أصبح مشكل كل النساء وأدخلها في هلوسة وحيرة. تقول: حكايتك تؤرقني منذ أن تلقيت رسالتك الأولي ورسالتك الثانية زادتني أرقا (ص.50). يتعلق الأمر بمسألة ميكروفيزياء السلطة بلغة ميشال فوكو، والانتشار المعنوي للسلطة بتناسل عدد الضحايا وسرعة انتشار العدوي بين اصدقاء الزوجين. وهذا النوع هو أخطر أنواع السلطة، إذ يجد المرء نفسه ضحية لها وإن كان بعيدا عنها.

تؤدي رغبة سلمان في الانتقام من الوزير إلي اكتشاف أنه ليس الوحيد الذي كان ضحية للوزير. فيجد أن أحد زملائه في العمل يفكر في الانتقام من الوزير. يقول: التفكير في رسم بصمة علي جسد هذا الرجل أصبح إحدي هواياتي. (ص.35). وهذه الرغبة ناتجة في الغالب عن إهانة مماثلة من الوزير. وكذا لنادل المقهي بدوره حكاية مع معاليه. مما يبرز أن سلمان ليس الوحيد الذي أساء له الوزير. ويؤكد تعدد ضحايا الوزير، فلا حدود لسلطته ونفوذه ونزواته، ليصير مجتمع بأكمله ضحية له؛ إذ كان للحدث آثار علي جل شخصيات الرواية القريبة والبعيدة، لتضعنا الرواية أمام مشكلة كبري يعانيها المجتمع بأكمله، انطلاقا من الزوجين إلي نادل المقهي. لقد شكل الحدث أيضا منعطفا في حياة الوزير، وكان في مرحلة أولي إعلانا عن بداية تراجع سلطته، وأدخله مرحلة الشك والارتباك وأصبح عرضة للوساوس والاستيهامات التي تراوده عندما يخلد إلي نفسه، في حالتي اليقظة والشرود. يقول: لم أستطع أن أنام ليلة البارحة (..) كانت صورة المرأة تعود إلي مخيلتي (…) أنا الذي لا يرعبه أحد أصبحت أرعبُني. (ص.16). علي العكس تماما عندما يكون مع الآخرين، فيجسّد التسلط والقوة، وعندما يكون وحيدا تهاجمه الهواجس والوساوس. فيحاوره شخص آخر (ظله) الذي يعد بمثابة ضمير يؤنبه ويحاسبه علي أفعاله. يقول: أنا أيها الوزير المحترم عقوبتك التي لم يجرؤ علي إنزالها بك قاض.. (ص.21). وهي تقنية عادة ما توظف في السينما إذ تظهر الشخصية وهي تحاور ظلها. ذلك الحوار الذي يظهر ارتباك الشخصية واختلال توازنها النفسي مما يضعنا أمام ازدواج في شخصية الوزير؛ فعندما يكون مع الناس يظهر تسلطه، وعندما يخلد إلي نفسه تهاجمه الوساوس والكوابيس. ولا يحقق توازنه إلا عن طريق شرب الخمر الذي يجد فيه ملاذا من تلك الوساوس والكوابيس. وفي مرحلة ثانية سيعتريه إحساس بأنه مهدد من قبل شخصين. يقول: قد يكون الشخصان اللذان يؤرقانك الآن من ضحاياك.. (ص 55). فتزداد كوابيسه ووساوسه.

وفي مرحلة أخيرة يدخل فترة الجزاء والعقاب بتحقق نبوءة يزيد وزينب: يبدو لي أن السيد عامر قد دخل مرحلة الجزاء (ص.95). وذلك بإصابته بالشلل الذي فرض عليه العزلة والتهميش والركون إلي الصمت وزوال السلطة والنفوذ واختفاءه التدريجي من الحياة العامة، بما فيها التلفزيون الذي يعد أحد أدوات السلطة. وكذا تناقص الزيارات، تجاهل الناس له. أكثر من ذلك أصبح عاجزا عن الكلام فنابت عنه ساردة هي مساعدته في الفصل الأخير من الرواية، التي ستتخلي عنه علي الرغم من الأجر الضخم الذي خصصه لها. يحاول القيام بطقوسه القديمة علي الرغم من عجزه من علي كرسيه المتحرك بمعونة من مساعدته، بالخروج إلي شارع الحسن الثاني بالدار البيضاء، ثم الدخول إلي المقهي، ثم العمارة، فالمصعد، وأخيرا محاولة الاقتراب من امرأة لكنه يعجز عن ذلك. لقد تباينت ردود أفعال الشخصيات تجاه فعل الوزير: فخديجة الزوجة الضحية التي طالتها يد الوزير، حولت أزمتها إلي لوحة التي كانت أداة للتعبير عن عدم الرضي والاحتجاج ونوعا من المقاومة النفسية. تقول صديقتها زينب: فضيلة هذه المعاناة أنها أنتجت هذه اللوحة الفريدة (ص.71). أما يزيد صديق خديجة فرأي أن أفعال الوزير هي عقابه. وكان دائما يتنبأ بسوء عاقبة الوزير، وهو ما حدث إذ أصيب بالشلل. وتشاركه في هذا الموقف زينب التي تقول: لست أدري لماذا يخامرني إحساس بأننا قريبا سنسمع عن معالي الوزير.. وأن هذا الخبز الملوث الذي يأكل منه سيتوقف يوما في حلقومه.. (ص 82). أما سلمان وصديقاه حليم ودافيدوف فقد فكروا في الانتقام، لكنهم عجزوا عن ذلك. يقول: نحن لن نفلح لا في التخطيط ولا في التنفيذ. (ص.93). لكن الانتقام يتحقق بفعل اللعنة علي شاكلة الأساطير والخطاب الديني فاليد التي امتدت إلي مؤخرة زينب أصيبت بالشلل. ليضعنا الروائي أمام شكل هرمي للسلطة انطلاقا من طول يد الوزير التي طالت كل شيء، ثم انحدارها وتقلصها بل شللها، مؤكدة أن لكل متسلط نهاية، والظلم والتسلط لا يدوم.2 ـ الحدث والسردالحدث هو مولد السرد في رواية يد الوزير بل الشرارة التي دفعت إلي السرد، وأرغمت الشخصيات علي البوح، مما أدي إلي تعدد الساردين وإلي تنويع في المنظور السردي.

بعد أن أربك الحدث الشخصيات (خصوصا زينب وسلمان) وأدخلها في حيرة وأخلدها إلي الصمت، وأفقد الحياة الزوجية دفئها، لم يكن أمام الزوجين سوي البوح لأصدقائهما؛ بوح سليمان لصديقه حليم و بوح خديجة لصديقتها زينب. وذلك عبر تبادل الرسائل، التي عملت علي إشراك الأصدقاء في الأزمة. كانت الرسالة هي الوسيلة الأنجع لبوح الشخصيات، خصوصا بعد الصدمة التي أحدثها حدث المصعد، الذي أدي إلي تعميق الهوة بين الزوجين وأغرق كل واحد في عزلته وصمته. فوجد كل واحد منهما نفسه مضطرا لأن يتحدث إلي صديق يشاركه مشكلته، مما جعل مجموعة من فصول الرواية علي شكل رسائل. فانعكس ذلك علي السرد فجاء متناوبا بين عدة ساردين يناقشون مشكلة واحدة، إما علي شكل رسائل متبادلة (زينب خديجة، سلمان، حليم) أو استيهامات وتداعيات (زينب، سلمان، الوزير). والحكي بالنيابة (مساعدة الوزير في الفصل الاخير من الرواية). كل ذلك من أجل تقريبنا من آثار الحدث علي نفسية كل شخصية علي حدة، وإظهار تعدد وجهات النظر تجاه الحدث. فحاول كل سارد إبراز تفاعله مع الحدث. كما أن هناك تعددا وتنويعا في المنظور السردي؛ السرد بضمير المتكلم، ضمير الغائب وضمير المخاطب. بالإضافة إلي تقطيع المشاهد الروائية وتوليفها بالانتقال من مشهد إلي آخر بالتعاقب وفق تقنية المونتاج السينمائية إذ يتم تواصل المشاهد في الرواية الواحد تلو الآخر وفق تنقلات الشخصيات من مكان إلي آخر وحسب وضعياتها. (الصمت، التفكير في الانتقام..). فيغدو السرد سينمائيا تتناوب فيه عدة لقطات. يقول مثلا: عليه أن ينهض.. أن يحشر نفسه تحت الرشاش. أن يقف أمام المرآة.. أن يسوي ربطة العنق. أن يخرج من البيت. أن يصل إلي عمله في الميعاد (ص.35). فهناك تناوب بين عدة مشاهد خاضعة لتقنية المونتاج؛ البيت، العمل، المقصف، بيت الوزير. ويقول كذلك: داخل المقصف.. ينحني الحارس علي الفتاة يهمس لها (…) خارج المقصف. داخل السيارة.. يقول دافيدوف: لنفرض جدلا أنه سيذهب إلي الشقة في العمارة قرب مقهي السقيفة.. (ص83 ـ 84). إذ يضعنا الروائي أمام لقطات متناوبة انطلاقا من ثلاثة مشـاهد: في السيارة، داخل المقصف، أمامه… انتقال شبيه بانتقال الكاميرا وعمل المونتاج، انتقال من لقطة إلي أخري، ومن مشهد إلي آخر.3 ـ الحدث والزمان والمكان يعد يوم المصعد علامة زمنية فارقة وفاصلة بين زمنين متناقضين؛ زمن ما قبل حدث المصعد وزمن ما بعد. الأول يتميز بالهدوء النفسي والحياة الاعتيادية للزوجين، بينما الزمن الثاني يتميز بالحيرة والارتباك. يقول: أعرف أن زوجتك لم تعد زوجتك التي عشقت وعاشرت حتي يوم المصعد (ص.27). كما أثر الحدث علي المكان، وخصوصا بيت الزوجين إذ طاله التحول، فحوله الحدث من مكان حميم إلي مكان للنفور والجمود والشرود الذهني وخلود الزوجين إلي الصمت والحرج. يقول: أنت في بيتك وتشعر بأنك في منفي صقيعي. والضباب يلفك.. تمد يدك إلي الأمام.. تبحث عن شيء تتكئ عليه (ص93). تركيبهكذا، تكون رواية يد الوزير إضافة نوعية للمتن الروائي لمحمد صوف، بمعالجتها الجمالية لقضية المرأة في علاقتها بالسلطة، بعيدا عن التناول الأطروحي المباشر، عبر سرد تناوبي أساسه البوح والاعتراف في تفاعل مع حدث مثير يجعل الرواية تركز علي الانفعال بدل الفعل في سياق سلطوي. سرد يتوسل بتقنيات السينما، خصوصا الرؤية المشهدية المستمدة من تقنية المونتاج السينمائية وذلك بتقطيع السرد إلي لقطات، في قالب ساخر موجه بنبرة احتجاجية واضحة، يمنح الرواية جاذبية ويغري بمتابعة قراءتها.

ہ ناقد من المغربہہ محمد صوف، يد الوزير، منشورات دار أزمنة، عمان، الأردن، 2005.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية