في الذكري الأربعين لرحيل الناقد عبدالعزيز حمودة:

حجم الخط
0

أسئلة مفتوحة أثارها كتاباه المرايا المحدبة و المرايا المقعرة واتهامات فكرية وأخلاقية للحداثة العربية

القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من ـ محمود قرني: قبل حوالي شهر ونصف الشهر رحل عن عالمنا الدكتور عبدالعزيز حمودة عن عمر يناهز الخامسة والستين، بعد رحلة طويلة من العطاء في مجال الدراسات النقدية والترجمة والتأليف المسرحي، فقد حصل حمودة علي درجة الماجستير والدكتوراه في الأدب الانكليزي من جامعة كورنيل بالولايات المتحدة عامي 1965، 1968 وعمل طيلة حياته بكلية الآداب جامعة القاهرة وترقي فيها حتي صار أستاذا للأدب الانكليزي بها، وكان يشغل حتي قبل وفاته نائبا لرئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، وقد عمل حمودة مستشارا ثقافيا لمصر لدي الولايات المتحدة، وعميدا لكلية الآداب بجامعة القاهرة، وأصدر عددا من الدراسات النقدية المهمة التي يأتي علي رأسها، “علم الجمال والنقد الحديث، المسرح السياسي، البناء الدرامي، المسرح الأمريكي، الحلم الأمريكي، المرايا المحدبة، والمرايا المقعرة، والكتابان الأخيران أثارا جدلا واسعا في الأوساط الثقافية لما يحملان من آراء جريئة في انتقاد الحداثة العربية وتشوهاتها، وبمناسبة ذكري الأربعين لرحيل الدكتور عبدالعزيز حمودة نتوقف هنا أمام أهم آرائه التي تعكس قناعاته الفكرية والأيديولوجية.

في البداية لا بد من الاشارة الي المعركة الشرسة التي أثارها كتاب حمودة المرايا المحدبة وكان طرفها الدكتور جابر عصفور علي أثر الانتقادات اللاذعة التي وجهها الكتاب للحداثيين العرب وبينهم عصفور نفسه، غير أن المعركة التي شهدتها صفحات أسبوعية أخبار الأدب وصفت بأنها معركة مدرسية تباري فيها طرفا الخصومة حول أخطاء بائسة لا تليق بأكاديميين ونقاد كبار، فضلا عن الدوافع الشخصية التي يعتقد البعض أنها كانت جوهر هذه المعركة، غير أن المؤكد أن الجهد الذي قدمه الدكتور حمودة في كتابه المرايا المحدبة نال تقديرا كبيرا من قطاع لا بأس به من المثقفين والباحثين رغم كل الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ علي الكتاب.

وقد استكمل حمودة في كتابه المرايا المقعرة ما بدأه في المرايا المحدبة، وكان شغله الشاغل الاجابة علي سؤال: ماذا بعد نفي الحداثة الغربية؟.

يعترف حمودة بأن المعركة التي أثارها كتابه فتح عينه علي ما أسماه بالكارثة الحقيقية التي حلت بالعقل العربي أمام التبعية الثقافية التي يتم تكريسها علي كل المستويات بداية من المصطلح النقدي مرورا بالنظرية وتجلياتها لذلك فهو يقول ما أفعله في الدراسة الحالية ليس أكثر من محاولة لانصاف البلاغة العربية والعقل العربي، أردت بها أن أستبدل بالمرايا المقعرة مرايا عادية، ليست محدبة تضخم من حجم تلك البلاغة وانجازاتها، كما أنها ليست مقعرة تقلل من شأنها وتصغر من حجمها.

وفي تصنيفه لأسباب تراجع العقل العربي والفصام الذي اعتراه يؤكد حمودة أن ذلك يرجع بشكل مباشر الي غياب المشروع الثقافي القومي أو العربي، وهو الأمر المفتقد فعليا علي المستوي الاقليمي أو علي المستوي العربي العام، مؤكدا أن التغييرات التي يشهدها العالم العربي ـ ومنه مصر ـ هي تغييرات تفرضها السلطة السياسية بقرارات سيادية دون نمط ثابت ودون رؤية واضحة، وأن الكارثة الحقيقية بدأت علي المستوي الثقافي بترويج مقولة القطيعة المعرفية مع الماضي، علي أساس أن الحداثة لا تتحقق الا بالقطيعة المعرفية مع التراث، وهو ما يراه المؤلف احتقارا غير مفهوم للعقل العربي وتنكرا لمنجزه، ورغم أن حمودة يفترض حسن النية في كل الباحثين الذين تبنوا وجهة نظر الحداثة الغربية، الا أنه يري أن هؤلاء الباحثين لم يدركوا أنهم يضعون رقبة الثقافة العربية تحت مطرقة الهيمنة الغربية، وهو حسن النية نفسه الذي أعمي هؤلاء الباحثين عن حقيقة أكثر ايلاما ـ حسب حمودة ـ وهي أن المخابرات الأمريكية كانت تمول أنشطة ثقافية مختلفة ومتباينة أحيانا، ومن بينها مدارس الحداثة المختلفة، في دول عديدة من العالم، ويري حمودة أن التعلل بعدم العلم في مثل هذه الحالات لن يكون لائقا بعقول تطمح لقيادة أمتها، ويؤكد أن الشواهد كانت موجودة ومعلنة في الجامعات الأمريكية منذ أواخر الستينيات، أي قبل صدور الدراسة المطولة والموثقة للباحثة البريطانية فرانسيس سوندرز تحت عنوان من الذي دفع أجر العازف؟

، دور المخابرات الأمريكية في الثورة الثقافية.

ويناقش عبدالعزيز حمودة عددا من المقولات التي تؤسس مشروع بعض الحداثيين العرب ويري أن درجة الانبهار التي وصلت اليها هذه العقول بالغة الدهشة، ويتابع مسيرة بعض هؤلاء بداية من ميخائيل نعيمة مرورا بالعقاد والمازني ومدرسة الديوان وصولا الي جابر عصفور وعبدالله الغذامي، ويري حمودة أن الكارثة لم تطل العقل العربي فحسب، بل ان الأمر امتد حتي طال نظام اللغة نفسه باتهامها بالقصور اذ يتهمها بعض العرب وغير العرب بالفقر اللغوي، لأن نظامها ـ حسب زعمهم ـ يخلو من الفئات التركيبية الموجودة في اللغات الأخري، ولا سيما الأوروبية منها، ويتبع هذا الاتهام ـ بطبيعة الحال ـ اتهام فكري ومعرفي بتخلف العقل العربي لغة وفكرا.

خلافات جذرية بين الثقافتينيرصد عبدالعزيز حمودة في كتابه المرايا المقعرة عددا من الخلافات التي يراها جذرية بين الثقافتين العربية والغربية بعيدا عن أحكام القيمة التي يمكنها أن تضم هذه أو تلك بالأهمية أو الدونية.

ويري أن الحداثة الغربية ذات وجوه عديدة، فهناك حداثة اليسار الاشتراكي حتي ما قبل سقوط الحلم بتفكك الاتحاد السوفييتي، وهناك حداثة اليمين الغربي وحداثة يسار الوسط الفرنسي وهي حداثة تختلف عن الحداثة الأنغلو أمريكية، وكذلك الشيء نفسه داخل ما بعد الحداثة، ويقول حمودة مردفا: ان دريدا يختلف عن مدرسة بيل، ومدرسة بيل نفسها لا تخلو من بعض الاختلافات الجوهرية بين أقطابها الأربعة: بلوم، دي مان، هارتمام، وميللر.

ويري حمودة أن تأثيرات هذه الحداثة علي العرب كانت مختلفة ومتباينة حسب نوع الثقافة وما يتلقاه كل باحث علي حدة، وكذلك يري أن هذه الحداثة هي افراز أنظمة ثقافية مختلفة علي كل المستويات وينقل عن شكري عياد تحذيرا من الاختلافات بين الثقافتين وهو ما يشير اليه الياس خوري في قوله: لم تطرح الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة الا ضمن اشكالية خاصة بها، فهي لم تكن صورة عن الحداثة الغربية، بل كانت محاولة عربية لصياغة الحداثة داخل مبني ثقافي له خصوصياته التاريخية، ويعيش مشكلات نهضة الحداثة العربية هي محاولة بحث عن شرعية المستقبل، بعد أن فقد الماضي شرعيته التاريخية في عالم توحده الرأسمالية الغربية بالقوة غير أن حمودة يري أن مقدمة خوري تتناقض مع النتائج وهو ما يعني ـ في رأيه ـ أنها محاولة مستمرة لتحقيق تزاوج زائف بين مقدمات ثقافة ونتائج ثقافة أخري.

ويري حمودة أن التحول من التعلم الي الالتحام في علاقاتنا بالغرب الثقافي شهد تأثرا ذكيا في بداية القرن العشرين، وشهد عناية شديدة في انتقاء المذاهب النقدية ومنتجات العقل العربي، أما المرحلة الثانية والتي بدأت في تواريخ مختلفة، وبدرجات متفاوتة من التركيز، فهي مرحلة الالتحام الكامل التي تهدد بانمحاء الهوية الثقافية العربية وهو ما تشهد به الحياة الأدبية والنقدية في العقدين الأخيرين من ذلك القرن.

واستمرارا لتصوره أن هناك مؤامرة غير بريئة يصوغها العقل العربي وتقدمها لنا حداثته.

يناقش المؤلف البحث المطول الذي نشرته الباحثة الانكليزية فرانسيس ستوبر سوندرز عام 1999 الصادر تحت عنوان من دفع أجرة العازف؟ وهو جزء من مثل شعبي انكليزي يقول من دفع أجرة العازف يختر اللحن وهي دراسة مطولة تبدأ بعد الحرب العالمية الثانية للبحث في دور المخابرات الأمريكية في تمويل الأنشطة الثقافية في العالم.

والكتاب يوضح الوثائق التي استطاعت الباحثة الاطلاع عليها، كذلك التقت المؤلفة مع بعض الأعضاء النشطين في جهاز الـ سي، آي، ايه وقد ذكر أحد هؤلاء الذين لعبوا دورا نشطا في رابطة حرية الثقافة أنهم نجحوا في يوم ما في تمويل مؤتمر شيوعي رسمي، الدفع لأحد أقطابه. وأنهي الرجل لقاءه مع سوندرز مخاطبا القطب الشيوعي الذي كان قد رحل: تقلب في قبرك فقد دفعت لك المخابرات الأمريكية.

ويشير عبدالعزيز حمودة في كتابه المرايا المقعرة الي أن التوقف أمام هذا البحث لا يعني بحال من الأحوال اتهام أي مثقف مصري أو عربي بالعمالة لا تلميحا ولا تصريحا، وذلك لأن العشرات من المصريين والعرب الذين حصلوا علي أموال من المخابرات الأمريكية دون علمهم بالتأكيد كما حدث مع القطب الشيوعي الراحل وغيره في آسيا وأمريكا الجنوبية.

من دفع أجرة العازف؟!

يتابع عبدالعزيز حمودة ما رصدته سوندرز في كتابها من دفع أجرة العازف؟ عن دور المخابرات الأمريكية والبريطانية في السيطرة علي الثقافة العالمية المناهضة.

ويستعرض المؤلف ما يقدمه الكتاب حول دور المخابرات الأمريكية في تقديم الثقافة الجديدة والمرتبطة بمفهوم حرية التعبير في مواجهة القوي الشرقية التي وصفتها الثقافة الأمريكية بالديكتاتورية والشمولية، أما عن دور هذا الجهاز في العالم العربي فيشير المؤلف الي رابطة حرية الثقافة المدعومة كليا من المخابرات الأمريكية والبريطانية باعتراف كبار رجال المخابرات مثل توم برادن وقد استطاعت الرابطة بعد غزو الغرب كله أن تنتشر في أرجاء العالم، وقد افتتح للرابطة مقر في القاهرة في مرحلة لاحقة من الخمسينيات، أما الخطوة المهمة التي تزامنت مع افتتاح تلك المقار فكانت تمويل واصدار المجلات الثقافية لجماعات سميث أبواق التعبير الحر بتمويل كامل من أجهزة المخابرات بهدف تمكين هذه الجماعات من التنفيس.

ويشير حمودة الي قضية مجلة حوار التي افتتحت في القاهرة كنسخة عربية مقابلة للمجلة اللندنية المبكرة Encounter في أوائل الستينيات الي أن اضطرت لاغلاق أبوابها بعد افتضاح أمرها، وهذه قصة معروفة للمثقفين المصريين منذ زمن طويل، كما يشير حمودة بأصابع الاتهام الي مجلة شعر البيروتية والتي لا يكلّ الحداثيون العرب ـ حسب تعبيره ـ عن تذكيرنا بأن الحداثة العربية الحقيقية بدأت معها، ويؤسس الكاتب اتهامه لـ شعر علي عدد من الاعتبارات أولها أن الظروف التي أحاطت بها تشي بعلاقة وثيقة برابطة حرية الثقافة لأنها ظهرت بعدما يقرب من عقد من بداية نشاط الرابطة المشبوهة فضلا عن أن مؤسسها يوسف الخال ـ حسب الناقد جمال باروت ـ كما يري حمودة ـ الذي يؤكد علي الموقف المعتدل ليوسف الخال من الثقافة العربية غير أنه يري ذلك الموقف لا يعكس الا دعوة مضمرة للتماهي الكلي في الثقافة الغربية.

ورغم تحفظاتنا الكثيرة علي استنتاجات الدكتور حمودة فيما يخص مجلة شعر وتعسفه في استنباط الحقائق من مقدمات غير مؤكدة، الا أن ما يعنينا ذلك الشرخ الذي يؤكده الكتاب بين الحداثة العربية والحداثة الغربية التي لم تكن شرا كلها بطبيعة الحال.

هل يملك العرب نظرية أدبية؟

كان ذلك هو الهم الذي يجري خلف سرابه عبدالعزيز حمودة وعدد من النقاد المصريين لكنهم لم يبذلوا في سبيله الكثير، لذلك لم يكن أمامهم سوي العودة الي نظرية البلاغة أو ما سماه حمودة النظرية اللغوية العربية ويردها حمودة الي جذرها الذي يراه سابقا علي كتاب دروس في علم اللغة لـ فرديناند دي سوسير الأب الشرعي لعلم اللسانيات الذي فرعت عنه نظرية اللغة في أوروبا كلها.

ويعرض حمودة لنظرية دي سوسير ويري أنها في كل أركانها الأساسية لم تقدم جديدا يذكر في الدراسات المحورية لعلم اللغة القول أن اللغة نظام اجتماعي يكتسب قوة العرف الاجتماعي مثلا حدد الاتجاه الأساسي للدراسات البنيوية اللغوية والأدبية فيما بعد، باعتباره البحث في النظام وطريقة أدائه، أي أن البحث في هذين المجالين انطلقا من اعتبار اللغة نظام علامات، يركز علي كيفية حدوث الدلالة أو المعني وليس علي ماهية الدلالة أو المعني، وعلي شبكة العلاقات الداخلية للنص اللغوي والتي تمكنه من الدلالة.

ورغم أن جوناثان كللر يري أن هذا الجزء من النظرية يعطي لسوسير أهمية غاليليو، الا أن عبدالعزيز حمودة يري علي جانب آخر أن طفرات سوسير لا تتجاوز بحال من الأحوال النظرية العربية التي لم يكتب لها أن تتنامي لأسباب معروفة، ويري حمودة أن نظرية الجرجاني في النظام النظام أو النسق تقول: معلوم أن النظام ليس سوي تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض ـ وبرغم هذا الايجاز ـ يري حمودة ان التعرف يقدم أسبابا لنظرية متكاملة وهي النظرية التي فصلها الجرجاني في كتابيه دلائل الاعجاز و أسرار البلاغة ويورد المؤلف في نفس الوقت مفهوم النظم اللغوي ليس وجودا محسوسا، ان أي نظام انساني لكي يصبح علما يجب أن ينتقل من الظواهر التي يسجلها الي النسق الذي يحكمها، من الكلام الي اللغة، وفي اللغة بالطبع لا معني لأي صوت بالنسبة لمتحدث ينقصه النسق اللغوي الذي يحكم معناه، وما يعنيه هذا بالنسبة للأدب بالغ الأهمية، اذ لا يمكن لمنطوق أدبي، لعمل أدبي، أن يكون له معني اذا افتقدنا الاحساس بالنسق الأدبي الذي ينتمي اليه. وهنا يشير حمودة الي أن النسق الحداثي هو في جوهره مضمون نظرية الجرجاني، ويتوقف المؤلف عند التصويت اللغوي لشولز ويري أنه يعني تحقيق الدلالة أو المعني الذي لا يتم الا بوجود نسق لغوي هو قانون الارسال والتلقي الذي يتفق عليه المتلفظ والمستمع، ثم كيفية تخليق النسق أو الوصول اليه ثم يكفيه عمله، وهو لا يختلف عند شولز عن جمهرة اللغويين.

ويشير حمودة بوضوح الي أن أزمة النظرية النقدية العربية تبدأ من فوضي المصطلحات التي تصل في رأيه الي حد التخمة مما خلق حالة من الفوضي والارباك، لكن حمودة عندما يحاول الدخول الي نظرية النقد العربي يدخلها من باب الشعر كما فعل أسلافه عبر الزوايا التي تتري علي نظرية الانشاء والتلقي باعتبارهما عنصرين أساسيين في النظرية العربية، ثم ينتقل الي تعريف الشعر، وكذلك يتناول نظرية المحاكاة والابداع الذي طوره البيانيون العرب بعد مفهوم المحاكاة الأرسطي، ثم يتناول الشكل والمضمون والتناص، ومفهوم الصدق والكذب والفوارق بين الموهبة والصنعة حسب المفهوم العربي، وهذه أهم الأفكار التي يطرحها الكتاب.

لقد رحل عبدالعزيز حمودة دون أن يقيم نظرية للنقد العربي، ويبدو أنه لم يكن مطالبا بذلك من الأساس، السؤال ذاته محل شك كبير، هل لا بد لنا من نظرية للنقد بعد أن توقفت نظرية علم المعاني بتوقف أزمنة انتاج الأفكار؟!.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية