د. عماد فوزي شعيبي
بالرغم من كل الدعايات والتصريحات النارية المستمرة من بوش، ومع تقرير بيكر ـ هاملتون، يكون الانتظار السوري وتحمل الضغوط منذ سقوط بغداد مبنياً علي سياسة واقعية تعتمد علي الاعتبارات الجغرافية باعتبارها لا تستشير أحداً، وعلي أن المغامرة الايديولوجية التي رسمها المحافظون الجدد وتفاعل معها جورج بوش بما يشبه التطهر ويقارب عقدة قتل الأب، قد أثبتت أنها قد وضعت الولايات المتحدة في أهم مأزق استراتيجي منذ فييتنام، وهو ما يؤكده بيكر وهاميلتون. التقرير يمكن وصفه علي النحو التالي: 1ـ هنالك ما يشبه حالة طوارئ في الولايات المتحدة للخروج من المأزق وعليه فلا بد من اجراء عاجل يتجاوز العطالة الايديولوجية لشخص الرئيس الأمريكي وبما يضعه في حالة تشبه الوصاية من الحزب الجمهوري.2 ـ ان التقرير أعد من قبل المحافظين القدامي في الحزب الجمهوري والواقعيين في الحزب الديمقراطي، بمعني أنه يشكل اجماعا في الأمة الأمريكية علي ايجاد (استراتيجية خروج) من المستنقع العراقي. 3 ـ لن يكون تقرير بيكر- هاملتون مجرد استشارة؛ انه قرار الأمة الأمريكية من أجل تصحيح الخطأ المستمر منذ تبني سياسة ايديولوجيا المحافظين الجدد في الحرب الاستباقية وسياسة انهيارات الأنظمة (بالدومينو) واعتماد الديمقراطية هوية عامة منقولة بالدبابات….. وتقرير بيكر ـ هاملتون هو اتفاق مؤسساتي من قبل الحزبين الحاكمين الوحيدين في الولايات المتحدة الأمريكية علي ايجاد مخرج لمأزق جيش لا تجوز التضحية به لا بسبب سياسة ايديولوجية ولا حتي بسبب تنافس حزبي. اللافت أن قراراً قد اتخذ في الحزب الجمهوري بوضع الوصاية علي جورج بوش الابن خلال السنتين المقبلتين وصولاً الي الانتخابات الرئاسية حتي لا تتحول المصيبة المترتبة علي سياسة بوش الايديولوجية خلال خمس أو ست سنوات، والتي ظهرت في خسارة الحزب الجمهوري في مجلس النواب ومجلس الشيوخ وحكام الولايات، الي كارثة بخسارة الرئاسة أيضاً. رغم أننا كنا نشكك في مدي قدرة الرئيس الأمريكي علي تجاوز (عطالته) الايديولوجية والشخصية، والتي لا تزال ماثلة في اللغة المتعجرفة والرافضة للاعتراف بالهزيمة في العراق ومحاولات الاستمرار بلغة الاملاءات. الا أن أحد زائرينا من المسؤولين في الحزب الجمهوري، يؤكد أن القرار اتخذ بأن علي بوش أن يلتزم بقرار لجنة الوصاية من الحزب الجمهوري ممثلة بصديق العائلة جيمس بيكر الممثل الأبرز للمحافظين القدامي الذين يتبنون السياسة الواقعية، وأن أمثل ما يدل علي ذلك أنه أقال رامسفيلد ووعد بإزالة جون بولتون (وهو ما قد حدث) ….. لكن لغة الرئيس الأمريكي يمكن استخدامها كوسيلة للضغط الاعلامي فيما سيلتزم عند اللزوم بما تمليه السياسة المفروضة من لجنة (الوصاية). دخل المسؤول الأمريكي مكتبي، في نفس اليوم الذي اغتيل فيه بيار الجميل. وكانت صدفة اللقاء أن الاغتيال حدث والمسؤول لا يزال يتحدث عن ضرورة ألا ينزل الناس في لبنان الي الشارع، ويحاول أن يرغي ويزبد ويلوح تارة بالجزرة التي ستضيع سورية وتارة بالعصا التي أسقطوها منذ زمن!
نُخبر باغتيال الجميل… انبري غاضباً: فعلوها جماعتكم، أنتم من لا تريدون الاستقرار في لبنان… يكتفي زائري بتسجيل ملاحظتي.
هذه الحكومة موالية لنا وأي نزول الي الشارع لاسقاطها هو أمر يعتبر ضدنا.
لم تكن كلمات هذا المسؤول من النوع الذي يمكن أن يتعامل معها المرء بدون خشونة. هو آتٍ من الزمن الضائع. يريد أن يبلغ رسائل من هو في موضع الضعيف. تستطيع أن تفهم أنه لا يريد خسارة اضافية عن جبهة العراق، وأن هذه الجرعة العالية ليست أكثر من استهلاك للوقت لتحسين الموقع التفاوضي مع سورية بعد قليل، لكنك لن تتفهم هذا اذا كان درجاً علي السياسة الايديولوجية لبوش متأثرة بفلسفة المحافظين الجدد، لأن الانقلاب الذي جاء بالسنيورة وصحبه جاء عملياً علي أساس خطة المحافظين الجدد. أذكره بأنني مختص بالمحافظين الجدد وطلابي يعدون رسائل دكتوراه حول ليو شتراوس وآلان بلوم وأنني كسياسي أعرف أن الفلسفة لا يمكن أن تستمر طويلا في التأثير علي مجريات العمل السياسي، وانه لا بد من العودة الي السياسة الواقعية. يقر الرجل هذا ويؤكد علي العودة الي سياسة كيسنجر وسكوكروفت. أتابع: أما وقد تم الانقلاب علي المحافظين الجدد الآن، فان الاستمرار بالنتائج المترتبة علي سياسة يعلن الأمريكيون أنهم باتوا يصححونها، يعتبر – عملياً- بمثابة استغباء للآخرين، أو استمراراً في الاندراج في سياسة قديمة يُراد تغيير الجزء الأهم منها وهو العراق تسجيلاً لاستراتيجية خروج عسكرية وسياسية، والأهم هي الثانية لأن تسجيل استراتيجية الخروج السياسي من ايديولوجيا المحافظين الجدد تستدعي الخروج السياسي من لبنان أيضاً والعودة الي السياسة الواقعية التي أمطرني زائري بأنهم قرروا فعلياً اعتمادها.
ليس هذا فحسب، بل ان زائري يقرّ بمعني ما بأن حزب الله انتصر. وهنالك قاعدة تقول: المنتصر هو الذي يرسم الآخرين علي هويته. والواضح أن المنتصر في المعادلة اللبنانية هو ائتلاف من حزب الله وعون والقوي الوطنية الأخري التي آزرت الحرب وان بوسائل أخري، وأهمها أنها حمت ظهر المقاومة.
كان الجدال عقيماً رغم الطرافة التي تخللته. ومع ذلك كان الرجل كمن يريد أن يحارب حتي آخر جندي لديه في لبنان، وهو يعرف تماماً أنه يضحي بهم ويستخدم وسيلة (الاستخدام ثم الرمي). يوميء من طرف أنهم يريدون التفاهم والتوافق، وتشعر من أسلوب حديثه أنه يدرك أنه لا بد من اتفاق، لكنهم -كالعادة- يحاولون ألا يخرجوا عن أسلوب هذه الادارة التي تبدأ برفع الجرعة ثم تطلب الأذي. اللغة التي اعتمدتها تلك الادارة واجهتها سورية بصرامة ويبدو أن النجاح قد حالف الديبلوماسية السورية التي يمكن تسميتها ديبلوماسية (سد التنازلات). نعم، هم يطلقون آخر طــــــلقة ايديولوجية وقودهــــا الســـنيورة وصحبه. لأن سيــــاستهم الحالية تقوم علي أن يدفعوا باتجاه وقائع جديدة علي الأرض.
لا تنازلات لدي سورية منذ البداية فيما لغة الايديولوجية (المحافظية الجديدة) سرعان ما انحدرت من اسقاط النظام فتغيير سلوكه، فمحاصرته… الي اشراكه في العملية السياسية في العراق والمنطقة.
سورية التي لم تعتد في ذروة القوة الأمريكية الظاهرية والآنية في العراق بعد انهيار النظام وفي ذروة الهجوم بسياسة الدومينو عبر لبنان من القرار 1559 الي اغتيال رفيق الحريري وصولاً الي لجنة التحقيق الدولية، أن تستجيب للضغوط الأمريكية، لن تستجيب أبداً للغة جورج بوش القادمة من الماضي أي من ماضي المحافظين الجدد، والمستمرة حالياً كشروط أولية تعتمد أقله اعلاميا، وان كان السلوك السياسي لن يكون مشروطا. ولهذا فاننا نتوقع أن الحوار السوري ـ الأمريكي لن يكون ناجعاً الا اذا كان وسيطه شخص من نوع بيكر وليس من نوع جورج بوش، بحيث يكون لأي حوار أمريكي ـ سوري يمكن أن ينتهي الي نتائج ملزماً للرئيس من بوابة لجنة الوصاية باعتبارها تفهم وتريد أن تلتزم السياسة الواقعية، وهي اللغة المشتركة مع سورية.
السياسة الواقعية هي التي دفعت بيكر وهاملتون لتشبيه الحوار مع سورية وايران بالحوار الذي تم مع الاتحاد السوفييتي رغم أن السوفييت كانوا يريدون مسح الأمريكيين من الخارطة السياسية. لكن اللعبة مستمرة أقله حتي شهر شباط/ فبراير المقبل علي نفس آليات اللغة السياسية السابقة، أي لحين تشكيل لجان الكونغرس المنتخب الجديد، ولن يكون هذا الا لكسب نقاط سياسية، يكون التفاوض مع سورية بناءً علي نتائجها علي الأرض….. وهذا ما يفسر الثقل الكبير الذي تزجه (لمرحلة مؤقتة حتي شباط) الولايات المتحدة خلف حكومة السنيورة وذلك لكي تبقي سيف القرار 1559 والمحكمة الدولية مسلطاً علي السوريين حتي الانتهاء من ترتيب التفاهمات علي المسألة العراقية؛ أي أن التفاوض مع سورية يُراد له أن يكون من موقع أقل ضعفاً مما يمكن أن يكون في حال الاطاحة المبكرة بحكومة السنيورة.
المعروف أن دولة عظمي بحجم الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تخرج من العراق بطريقة سريعة تفتحها علي احتمالات غير مقدّرة، ولهذا فسيناريو فييتنام سيتكرر، حيث أن القرار بالانسحاب منها اتخذ عام 1968 ولم ينفذ الا عام 1973. لا يعني هذا بأن زمنا بهذا الطول يحتاجه الأمريكيون للانسحاب من العراق. فالمؤكد أنهم سيبدأون بالانسحاب علي القواعد وفك الاشتباك مع العراقيين بعد أشهر قليلة وسيتبع ذلك تخفيض سريع لعديد القوات الأمريكية في العراق.
عصا من الماضي وجزرة من المستقبل هذا هو عنوان الحوار السوري ـ الأمريكي، وهي استراتيجية لا يبدو أن سورية من النوع الذي يستجيب لها في اطار لعبة التوازن الاقليمي. فهي ترفض الانتقائية التي تطالبها بدور مانع لنزول حزب الله والمعارضة الي الشارع وصولاً الي منع سقوط حكومة فيما كانت تطالبها بالكف عن أي دور اقليمي. مرة أخري يبدو أن دمشق ستستمر في سياسة قضم الوقت لربح الزمن فهي علي قناعة أنه لا بد من العودة اليها مرة ثانية وثالثة ورابعة….. لأن الجغرافيا لا تستشير أحداًَ.
ہ رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية8