رشاد أبوشاور
علي يمين شارع اليرموك، في مخيّم اليرموك، إذا كنتم تتجهون إلي نهاية الشارع باتجاه مقبرة الشهداء الجديدة، سترون تزاحماً لرجال ونساء ينتظرون دورهم أمام فرن، ثمّ يغادر واحدهم وقد تراكمت فوق راحة يده، أو بين كلتي يديه أرغفة ساخنة، تشوي اليدين، بينما البخار يندفع من الأفواه التي تمضغ بتلذذ كسراً ساخنةً.
هذا فرن أبي فؤاد يرحمه الله.
أنا وقفت هنا علي (الدور) كثيراً، وأبوفؤاد كان يعاملني علي انني (الأستاذ)، مكرّراً عبارة ترحيب من كلمتين:
ـ أهلاً أستاذ.. والأستاذ هو كّل من لا يعمل شغيّلاً كما شغيّلته في الفرن، أو في مهنة يدويّة ما. الاحترام عند أبي فؤاد لا يعني أن لا تقف علي الدور، فهو لا يميّزك عن غيرك، ولذا لن تأخذ (خبزاتك) إلاّ عندما يأتي دورك. ولأنني أقمت قبالة الفرن بضعة أشهر في غرفة صغيرة انحشرت فيها أنا وزوجتي وابني البكر، فقد نشأت بيني وبين أبي فؤاد صلة جيرة، نمت بعد أن رأي صورتي في الجريدة، فعرف أنني (صحافي)، وكان ذلك في عام 71. أبو فؤاد مربوع القامة، أميل للامتلاء، شعره متدرّج يمشّطه إلي الخلف، يتداخل في شعره الغزير البياض بالسواد، وجهه بشوش، يبدو من لطف تعامله مع الزبائن وكأنه لا يبيع الخبز، وإنما يرحّب بضيوف أعزّاء.
منذ الفجر يقف أمام الفرن، يسوّي الطابور، ويحفظ دور كّل واحد، مع مراعاة النساء اللواتي لا يليق أن ينحشرن بين الرجال، واللواتي ينبغي أن يعدن إلي بيوتهن ليعددن الطعام لأبنائهن وبناتهن، وللأزواج الذين يعودون من العمل منهكين.. أم أنّ كلامي غلط يا حبايبي؟! … قبل وفاته بساعات أوصي أبوفؤاد أبناءه أن لا يغلقوا باب الفرن حداداً عليه، وأن يوزّعوا الخبز علي المقبرة عن (روحه)، ولا يحدّوا عليه لأنه حرام أن يتوقّفوا عن تقديم الخبز للناس، حتي يترحّم الناس علي روحه، ويتذكّروه بالخير، وهذا ما فعله أبناؤه يوم دفنه.
ما زال أهل مخيّم اليرموك، زبائن أبي فؤاد ومعارفه، كلّما مرّت سيرته في كلامهم يتلون الفاتحة علي روحه، مستذكرين وصيّته لأبنائه.
مضت سنوات لم أقف فيها علي الدور أمام فرن أبي فؤاد الذي سمعت وأنا في (تونس) أنه انتقل إلي رحمة الله.
شوقاً للمخيّم وناسه، نزلت من سيّارة التاكسي في مدخل المخيّم، ومشيت متأمّلاً ما طرأ من تغير علي الأبنية التي ارتفعت في السنوات الأخيرة بعد أن ازدهرت الحركة التجاريّة، مما دفع بكثير من أصحاب البيوت الواقعة علي الشارع إلي بيعها لقاء ثمن لم يحلموا به، أو فتحوا أبواباً للغرف التي تقع علي الشارع لتتحوّل إلي مصدر دخل يساعدهم في تحمّل أعباء الحياة. عندما حاذيت فرن أبي فؤاد، رأيت شخصاً يرتدي نفس سترة أبي فؤاد المخمليّة العسليّة المغطاة بغشاء من الطـــحين، وقد وخط الشيب شعره الأسود المتموّج، وقد انهمك في توزيـــع الخـــبز، وبين فترة وأخري تراه يدس كســـرة في فمـــــه الذي ينفــتح ليخرج منه البخار الساخن.
لوهلة حسبت أن أبا فؤاد لم يمت، ولكنني سمعت صوتاً يعلو:
ـ يا سيّد فؤاد خلّصنا، نحن نقف علي الدور منذ ساعة.
دخنا من التعب… عندما لحظني أقف وأنا أتأمّله، وقد تأكّدت من أنه فؤاد الإبن الأكبر، ابتسم، وناولني رغيفاً ساخناً، وهو يرحّب بي:
ـ أهلين بالأستاذ.. زمان ما شفناك! دائماً نتذكّر عبارتك: من أكل من خبز فرن أبي فؤاد لا بدّ أن يعود له! . ـ وها أنا ذا قد عدت.. يرحم الله أبا فؤاد.
لمّا أدار ظهره منشغلاً بمناولة الزبائن كميّات الخبز التي يطلبونها، تحرّكت ببطء مبتعداً، متأمّلاً المحال التجاريّة التي نشأت في السنوات الأخيرة. وضعت لقمات في فمي، أخذت في الاستمتاع بذوبانها بين أسناني، وفوق لساني، وأنا أنفخ الهواء الساخن اللاسع من فمي المفتوح، مثلما كنت أفعل أيّام زمان… التفت خلفي وقد هيّء لي بأنني أسمع صوت أبي فؤاد:
ـ أهلين أستاذ… هززت رأسي مندهشاً من وضوح صوت أبي فؤاد، وغبت في زحام الناس الذين تكتظ بهم الأرصفة، والذين يتقافز كثيرون منهم بين سيل السيّارات المتزاحمة التي تطلق أبواقها منبهةً بلا توقّف…