المغولي الاخير: نهاية الامبراطورية وتاريخ مدينة دلهي في زمن العصيان: عن الامبراطور الذي حاول انقاذ تاريخ آبائه.. واثر الاستعمار والتبشير علي مدينة النور

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

من المشاهد التي حفرت في الذاكرة العربية وتخيلها الفنانون والشعراء، وتمت استعادتها من كل الزوار مشهد آخر ملوك العرب في غرناطة وهو يسلم مفاتيح مملكته للمنتصرين الاسبانيين فرديناند وايزابيلا الاراغونية، وما حفر في الذاكرة هي كلمات والدة ابي عبدالله الصغير وهي تعنف ابنها، تلومه وتعزيه علي ضياع الملك الذي لم يحافظ عليه مثل الرجال، ولكن مشهد ملك او حاكم وهو يسلم مدينته، مملكته او يقع في قبضة الاعداء ويتعرض للاهانة، فالرومان كانوا يسوقون اعداءهم من الملوك غير المحظوظين بالاغلال ويطاف بهم في احياء وشوارع روما، وزنوبيا الملكة العربية اقتيدت بالاغلال، وانتحرت فيما بعد، وكذا كليوباترا المصرية، ولكن هناك ملوك يقبلون اسرهم مثل ابو عبدالله ويتكيفون مع واقعهم الجديد، كما حدث مع ابن عباد الذي سجنه ابن تاشفين في اغمات وتذكر ايام العز في الاندلس وهو يري بناته يغزلن للناس لا يملكن قطميرا، الغازي او المنتصر في الغالب يحرص علي ايقاع الاهانة القصوي للملك الذي سقط من علوه. وقصة اخر ملوك المغول الامبراطور بهادور شاه ظفر (175 ـ 1862) هي تجسيد لما حدث للملك الشاعر والصوفي والحاكم المنفتح حيث حرص المنتصرون الانكليز علي محو اي اثر يشير الي ان هذا الحاكم المحمدي ( المسلم) وجد فعلا وحكم مملكة في اخر ايامها، وشكل ذاكرة مدينة دلهي او دهلي، عندما مات اخر ملك مغولي كتم القائد الانكليزي الخبر وتأكد ان كفنه وقبره الذي غطي بالكلس سيذوب في وقت قصير وبذلك ينمحي اثر اخر ملوك المغول، حفيد جنكيز خان وتيمورلنك. ظفر او الملك بهادور شاه الثاني عندما مات في يوم مغبر بمدينة رانغون، مانيمار اليوم، التي اصبحت منفاه الاخير، كان قد بلغ نهاية الثمانينات من عمره، وشهد سيطرة الانكليز علي كامل الهند، وصعودهم كامبراطورية. ولكن هذا الحاكم التعس الذي ارتبط اسمه بنهاية مجد المغول، الذين ولدت لغة الاردو في بلاطهم وتركوا للعالم اهم الاثار الحضارية والفنية، تاج محل لم يذكر اسمه الا لماما في كتابات المنتصرين، ويبدو ان اخفاء اسمه ومحوه من التاريخ والذاكرة كان هاجس المنتصرين، فرسائل القائد العسكري الكابتن اتش ان ديفيس تتحدث عن ترتيبات محدودة لدفن اخر ملوك المغول واجراءات تعني اختفاء اثره، فقبره بعد شهر صار بلا شاهدة ومدينته التي رعاها وبني مشاهدها عبث بها الجنود، فالقصر الاحمر عندما دخله الانكليز دمروا مقر الحريم فيه واقاموا معسكرات لهم فيه. فقد كتب الكابتن يقول بعد ان قال ان موته لم يؤثر علي الحريم التعيسات اللائي تركهنّ وراءه، وقال ان روحه صعدت لبارئها في الساعة الخامسة (شهر تشرين الثاني / نوفمبر) في صباح يوم الجنازة. واضاف ان موت الملك السابق لم يؤثر كثيرا علي حياة المحمديين في رانغون، باستثناء حفنة قليلة من المتطرفين الذين راقبوا الجنازة في النصر الاخير للاسلام. ويضيف لقد بني سياج من القصب حول القبر، ومع اختفاء السياج تكون الاعشاب قد عادت ونبتت علي القبر، ولن تبقي اي علامة تظهر المكان الذي ارتاح فيه اخر ملوك المغول العظماء. تلخص هذه الشهادة هوس الانكليز في نهاية او انهاء الحكم المغولي. كما تظهر الوثائق التاريخية كيف ان الملك المغولي الاخير كان ايضا مسكونا بحس النهاية وحس الحفاظ علي ما تبقي له من ملك، بعد ان بدأت شركة الهند الشرقية تظهر حضورها في الهند، وبدأت قلاع المغول والحكام الهندوس تتساقط امام الزحف البريطاني. ومن هنا ظلت مدينة دلهي، باعتبارها رمزا لاستمرارية الحكم المغولي مصدر قلق للجيل الثاني من الانكليز العاملين في شركة الهند الشرقية. وسنلاحظ ان صعود التعصب الديني المسيحي، والحس الايفنجيلكاني المتحمس، الذي بدأ يتسيد شركة الهند الشرقية كان مدفوعا ليس بحس التخلص من الامبراطور المغولي، ولكن التبشير بالانجيل. وفي الوقت الذي لم تكن فيه النخبة المسلمة في الهند مهتمة بهذا الجانب، الا ان دعوات التبشير التي بدأت تظهر داخل دلهي، واثرت علي طبيب الامبراطور الذي اعتنق المسيحية بعد ان كان هندوسيا، قد اشعلت مشاعر القلق لدي عدد من المسلمين، خاصة الاحيائيين الذين لم يكونوا يكنون حبا للمغول، خاصة ان اباطرة السلالة المغولية كانوا متساهلين ومنفتحين. وحركة الجهاد التي بدأها سيد احمد بارئلي، وشاه عبد العزيز حفيد شاه ولي الله الدهلوي، المصلح المعروف، تمثل نوعا من الرد علي هذه الدعوات ومحاولات لانقاذ الاسلام في الهند واعادة مجده. وفي حالة اخر اباطرة المغول، ظفر، فانه جاء للحكم متأخرا، اي بعد وفاة والده، وعندما نصب امبراطورا كان في الستين من عمره، اي جاء متأخرا لكي يحدث اي نوع من التغيير، ومن هنا فقد انصب هم الامبراطور الذي كان راعياً للادب والعلم، علي التأكد من تنصيب ابنه ميزرا جوان باخت، ابن زوجته المفضلة نواب زينات محل، مع ان الانكليز كانوا يفضلون الابن الاخر للامبراطور ميرزا فخرو، الذي كان شاعرا وخطاطا ومفضلا كوريث للاب، وعندما مات بالكوليرا او كما قالت شائعات انه مات مسموما، حاول الامبراطور التأكد من ان ابنه ميرزا جوان باخت هو وريثه الحقيقي. ولكن الانكليز، كانوا يعتقدون وقد زادت قوتهم وغطرستهم التي تزاوجت بحس ديني تبشيري ان الامبراطور ظفر يجب ان يكون نهاية خيط السلالة المغولية، ولهذا رفض ممثلو شركة الهند الشرقية والحكومة البريطانية الاعتراف بوريث الامبراطور. يلاحظ ان جهود الكتابة التاريخية عن ظفر قليلة، فعدم الاشارة للملك بكونه ملك دلهي او تجاوز ذكره في تواريخ الراج كانت لارتباطه بوعي او بدون وعي بالانتفاضة التي اندلعت في مملكته ضد الانكليز عام 1857 وهي الانتفاضة التي كانت واحدة من العلامات المهمة في تاريخ الوجود الانكليزي في الهند والمحاولة الاخيرة لاعادة المجد الاسلامي في شبه القارة الهندية الذي بدأ يأفل قمره منذ محاولات الامبراطور اكبر انشاء دين عام يجمع كل اتباع مملكته فيما صار يعرف بـ (دين الهي) وهو الدين الذي لم يعجب مواطني المملكة المسلمين والهندوس وحتي المبشرين.

كان دخول الملك بهادور شاه او مشاركته في الانتفاضة بدون ترتيبات فهو لم يكن قائد المرحلة عندما قامت فرقة خاصة من الجنود سيبوي/ سباهي بدخول دلهي واعلان العصيان، ولكن الانكليز الذي قاموا باخماد الانتفاضة وقمعها بيد من حديد وقتل الالوف بطريقة وحشية حسب شهادات الجنود الذين سجلوا فظاعة المعركة عندما قالوا انهم وان لم يتعاطفوا مع السكان الا ان اصوات النساء والاطفال وصور الرجال العجزة الذين كانوا يحضرون للقتل عاشت في ذاكرتهم. ومن هنا حرص المنتصرون علي اهانة الحاكم الذي لم يحفظ الجميل، فمملكة دلهي ومنذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر اصبحت آخر مملكة يسيطرون عليها، ومن هنا فوجود الملك المغولي وسلطته الاسمية لم تكن حقا اعطاه له السكان ولكن منحة وهبة من الانكليز، ومشاركة الملك الظافر بهادور فيها اعتبره الانكليز بمثابة الخيانة. الملك ظفر هو الاسم الادبي الذي اتخذه الملك الذي كان شاعرا معروفا في فن الغزل وخطاطا ترك عددا من الاعمال المهمة، وكان راعيا للادب والشعر، ووليا صوفيا في نظر مشايخ الحركات الصوفية، في بلاطه تنافس الشاعر الاكبر او متنبي الشعر الارودي غالب ومنافسه او خصمه زاوق. في كتابه الصادر في لندن، والذي قضي في اعداده اربع سنوات متتالية ويمثل خبرة عشرين عاما في التاريخ المغولي وتاريخ دلهي، يقدم الكاتب البريطاني ويليام داريليمبل قصة المدينة وقصة اخر ملوك المغول الذين حكموا الهند اكثر من ثلاثة قرون، وتاريخ الامبراطور يتجادل مع تاريخ المدينة، فالباحث يحاول احياء الحياة الجميلة والايام السعيدة للامبراطور الاخير الذي حاول جاهدا الحفاظ علي ما تبقي من مملكة ابائه، ويعتمد داريليمبل ولاول مرة علي الوثائق التي تعود الي العهد المغولي المحفوظة في الارشيف الهندي وعلي مصادر اولية كتبها باحثون باكستانيون وهنود لم تلق عناية من الباحثين الانكليز، وتظهر صورة الامبراطور في حياته اليومية، وروتينه الذي كان يبدأ مع تباشير الصباح بالصلاة والذكر وفطور خفيف ثم استعراض للحرس وتفقد لاقسام قصره، وحريمه وعبيده وما اكثرهم ثم جلوسه للاستماع الي شكاوي ومطالب المواطنين. وتظهر مدينة دلهي في عهده كمدينة اسلامية بكل طقوسها، واطيافها، ومع ان والدة الامبراطور كانت هندوكية، وكان هناك نوع من التسامح الكبير فيما يتعلق بالهندوس وديانتهم، والعصر المغولي منذ الامبراطور اكبر معروف بتسامحه مع الغالبية الهندية، فهناك الكثير من الاشارات عن قيام الامبراطور بمنح الهندوس حجارة ومواد بناء جمعها المسلمون لبناء مسجد، حيث كان يمنحها للهندوس، كما ان المسلمين منعوا من ذبح البقر المقدس لدي الهندوس، وعندما اشتكي احد المسلمين الي الامبراطور بهادور قال له ان الاسلام لا يعتمد في وجوده علي البقر. امام انفتاح وازدهار الحياة في مدينة دلهي نعثر علي قلق من ان كل ما في المدينة متعلق بوجود او رحيل الامبراطور. والاخير الطامح لحماية مجد عائلته، لدرجة انه كتب مستعطفا الملكة فيكتوريا متحدثا اليها انه في نهاية حجنا علي هذه الارض يجب علينا ان نحمي مكتسباتنا. وما دام حس النهاية واضحا وواردا في ذهن الامبراطور، فقد كان اوضح في شعر غالب (مرزا اسد الله خان 1797 ـ1869) والذي وان لم يكن قريبا من الملك، الا بعد وفاة خصمه الشاعر الاخر، واستاذ الامبراطور ظفر، الا ان شعره في مرحلة ما بعد 1854 يؤرخ لنهاية، حصار، وتدمير نيودلهي، وكثيرا ما تساءل غالب عما سيحدث له وهو الارستقراطي الذي رفض ان يكون استاذا للغة الفارسية في كلية دلهي التي انشأها الانكليز لان مديرها رفض استقباله امام الباب. ويرسم داريلمبيل صورة من الترقب والتحفز بين كل الاطراف التي كانت تحاول انهاء الاخر، فالقادة الانكليز كانوا متأكدين من ان فرصة التخلص من الامبراطور باتت قريبة. ويبدو ان موقف الانكليز خاصة المبشرين من دلهي انها ظلت مدينة في العمق اسلامية، ولم تدخلها مظاهر الحداثة التي غزت مدنا اخري مثل كلكتا، وبنارس وغيرهما. وبالنسبة للمبشرين فداخل ابواب دلهي كانت الرذيلة والشهوة تنتشر. فهي مدينة الاثم التي سرقت من جنة الله ويجب القضاء عليها. جاء هذا مع ان المبشرين لم ينجحوا لا في اقناع المسلمين ولا الهندوس. وظل الامبراطور يجذب الطرفين، فالهندوس والمسلمون كانوا ينظرون اليه باعتباره حجر الاساس لتاريخهم العريق. ومن هنا فان الامبراطور ظفر ايضا اتخذ قرارا في صباح يوم من كانون الثاني (يناير) عام 1857 لدعم ثورة السباهي متأملا انها اخر امل له في تأمين ملكه وهو قرار سيعض اصابعه ندما عليه.

جانب اخر، يقدمه داريليمبل، في كتابه الغني بالمعلومات والصور عن الماضي القديم هي ان هناك جيلين من الانكليز حكما الهند، الجيل الذي كان يفهم اللغة وثقافة الناس او ما اسماهم الكاتب في كتاب اخر هو المغول الابيض الذين تقبلوا الثقافة الهندية وتعايشوا معها. ولكن هذ الجيل الذي كان من ممثليه ويليام جونز ووارن هاستينغ لم يعد موجودا وحل محله جيل من الحكام والقادة الذين تأثروا بتعاليم المبشرين من شاكلة المبجل ميديغلي جون جيننيغز. في قراءة كتاب المغولي الاخير نعثر علي صورة بشعة عن القسوة التي مورست ضد سكان دلهي، عن جنود كانوا يقتلون السباهيين وهم يرددون الايات من الانجيل، عن قادة ارادوا ان يمحوا دلهي من علي الخارطة (تذكروا عبارات ايهود اولمرت، رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي اراد ارجاع لبنان عشرين عاما للوراء). كتب دارليميبل تاريخا للعصيان او الانتفاضة الهندية بشكل مثير ودرامي، وقدم في داخله الظروف التي قادت الي العصيان، مقدماته، التي تعود الي تاريخ السياسة الاستعمارية وافول سطوة المغول. وفي داخله قدم صورة عن تاريخ المدينة التي قال انه ذهب اليها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وكتب عنها اول كتاب مدينة الجن، ثم جاء المغول الابيض واخيرا المغولي الاخير. رواية جديدة عن العصيان الهندي الذي أدي الي ولادة حركة الجهاد، ونهاية المغول. وبذرت بذور النهاية للبريطانيين في الهند التي جاءت في احداث العشرينات ثم قادت للتقسيم عام 1947. وفي داخل حكاية المغول يبدو الامبراطور الذي اصبح في منظور الانكليز قاتلا وارهابيا مع ان مراسل صحيفة التايمز قد زاره في منفاه، وقد اعياه المرض والعجز وبدلا من القسوة في عيون الامبراطور الاخير وجد الصحافي رجلا حالما، واضاف قائلا لم استطع الا التفكير وانا انظر لهذا الرجل العجوز، من ان حكامنا هم الملومون علي الجرائم التي ارتكبها اي الرجل العجوز. كلمات الكاتب الاخيرة عن ادموند بيرك والذي كان من اكبر نقاد بريطانيا في الهند حيث قال ان الذين يفشلون بالتعلم من التاريخ، في الغالب يعيدون ارتكاب الاخطاء، (تذكروا بوش وبلير).The Last MughalThe Final of A DynastyDelhi, 1857William DalrympleBloomsbury/ 2006ہ ناقد من اسرة “القدس العربي”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية