مهرجان أصيلة وطعام معاوية

حجم الخط
0

يحيي بن الوليد

لا أستطيع أن أعدد المقالات التي نشرتها، في الصحافة (المغربية) المكتوبة، وعلي مدار زمني يزيد عن عشر سنوات، عن مهرجان أصيلة الصيفي الذي ذاع صيته، في العالم العربي، خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلي أن درجة أن بعض مثقفينا، ومن المغاربة، وسامحهم الله، راحوا يرددون، مع مقدم الصيف، بأنهم ذاهبون إلي أصيلة في دلالة علي المغرب المتعدد بأكمله. وأصيلة هي هذه المدينة الصغيرة، والجميلة حقا، والغافية علي شاطئ الأطلسي تلبية لنداء مبهم قوامه العمق والصمت لا شقشقة الكلام والمراوغة أو المراوغات الجوفاء. ولا أخفي، وحتي أعود إلي ما افتتحت به سقف هذه المقالة، من أن جميع ما كتبته لم يكن يفارق، ومن وجوه عديدة، نبرة النقض بل و العداء الإيديولوجي؛ وهو النقض الذي ما يزال، في تصوري، ينطوي علي شرعيته الجليلة علي الرغم من مجمل التبدلات التي عصفت بالعديد من القناعات الفكرية والأنساق الثقافية. هذا بالإضافة إلي أن هذا النقض يفيد من فاعلية ما كان قد نعته الفيلسوف الفرنسي الراحل بول ريكور بـ الذاتية الموضوعية التي لا نظنها عديمة الجدوي في حالة موضوع مهرجان أصيلة موضوع تداعياتنا.

ولا يمكن لحديثي، ومن خارج أي نوع من لوثة التميز، أن يكون كحديث الكثيرين ممن ابتليت بهم هذه المدينة التي تنطوي علي جروح لا يمكن التغافل، موازاة مع ما ابتليت به من انتقام يصر أصحابه علي نهجه في إطار من تدبير أو بالأحري تحقير سؤال المدينة. كثيرة هي الكتابات، وفي غضون فصل الصيف، وعلي مدار أسبوعي المهرجان تحديدا، التي يصعب حصرها. مقالات متسرعة وشهادات منتفخة وتصريحات طائشة وكل ذلك في منظور، وإذا جاز لنا أن نتحدث هنا عن مفهوم المنظور، الذي لا يمت بأية صلة، وسواء من بعيد أو قريب، للمدينة. هذا بالإضافة إلي عدم المعرفة الفادحة بجغرافيا المدينة وذاكرتها ووجها الآخر… وغير ذلك، وهو كثير، من المغالطات الصارخة التي تطال هذه المقالات وككل المقالات المكتوبة بدافع من الطلب أو بدافع من الإسهام في صناعة الطاغية. وكل ما سلف، وخصوصا بالنسبة للمقيمين في المدينة، ومن غير المخلدين طبعا، يشعرون بالقرف أو بـ فساد الملح الذي كان قد تحدث عنه المسيح.

ومن يزور المدينة، الآن، ومن كتاب الأعمدة، ومن الذين أصبحوا متخصصين في شأن أصيلة، ومن المكرسين وغير المكرسين، يسهل عليه أن يدرك حجم الفوات الثقافي (؟) الصارخ بين أصيلة الصيف وأصيلة الشتاء، بل ويسهل عليه أن يتوقف عند حجم الكارثة ( بمعناها الثقافي ذاته) التي تغرق المدينة ــ وإلي حد عنقها ــ فيها. الكارثة التي لا تحيد دلالاتها عن المعني السوسيولوجي و الطبيعي أيضا حيث رياح الشرقي القاسية و الأزمة الاجتماعية الخانقة. وبما أنه لا يمكنني الحديث، هنا، عن الاقتصاد و البطالة أو الملف الاجتماعي عامة، وهو ما لا أقوي عليه، أو بالأحري هو ما لا يدخل في دائرة تخصصي، فإنه يمكنني التشديد علي الواجهة الثقافية التي يتم التشدق بها بل وعدها مصدر التنمية: تنمية المدينة المفتري عليها. التنمية التي لا تتعدي شهرا واحدا أو حتي شهرين بالنظر إلي المد والجزر اللذين يطبعان حركة السياحة في النصفين الأولين من الشهر الذي يسبق شهر غشت (أغسطس) والذي يليه، ودون أن يتجاوز كل ذلك، وعلي مدار هذه المدة الزمنية الطويلة بمنطق السياحة المعاصر، مائة ألف سائح، وهو رقم مخجل والأخجل من ذلك أنه في تناقص مستمر بالنظر إلي الغلاء الفاحش الذي يطال جميع المستويات الحياتية للمدينة في هذه الفترة. ويكفي، وحتي لا نظهر أي تحامل في حديثنا، أن نستدل بمثال، نعده معاكسا، وهو مهرجان كناوة (غناء له جذور إفريقية) بمدينة الصويرة الذي استقطب، في إحدي دوراته، وعلي مدار أيام معدودة لا تتجاوز الأسبوع، ما يزيد عن أربعمائة سائح. ولنا أن نقارن، هنا، بين الأشياء. ودون أن تقوتنا، هنا، الإشارة إلي حركية الصناعة التقليدية (وهو وجه آخر للفن في علائقه السليمة بالتنمية) التي تشكل 14% من الدخل الاقتصادي للمدينة، بل وتشكل نموذجا حيا ودالا علي ما تنعته الكتابات الاقتصادية بـ الاقتصاد الاجتماعي. ثمة فرق، إذا، بين لاأخلاقية الشعار و أخلاقيات السياحة الثقافية.

وليس من شك في أن للثقافة، وبمعناها الأنثروبولوجي التاريخي الأعمق، علائق وشيجة بذاكرة المكان وجغرافيا المدينة ومشكلات الناس، وهذا المعني هو الذي يباعد بينها وبين الكاميرات غير النبيلة والأبواق الخادعة والأفواه التي تسيل عسلا. وأتصور أن الثقافة الأولي دعامة للسياحة الثقافية في دلالاتها القصية التي تجعل من السياحة شكلا من أشكال التواصل بين الشعوب والحضارات والثقافات (وبغير المعني الإعلامي المترهل للتواصل) حيث لا يُستقدم السائح، وسواء لأصيلة أو غيرها من المدن المغربية أو غير المغربية، من أجل الجنس و الحشيش و المافيا… أو الشرق المُشَرْقَنْ كما تنعته الكتابات الاستشراقية. فالثقافة تحمي المجتمع من مثل هذه الصور النمطية ومن الانشقاقات أو التمظهرات الميدانية لها التي تحد من فاعلية التجدد والتوالد والتجوهر. وثقافة من هذا النوع لا يمكنها أن تكون موسمية كما هو الشأن بالنسبة لأصيلة، ومن ثم واجهة للتسويق والتجارة والثراء وواجهة لتعميق اختيارات تسلطية تتعامي عن التنوع الذي يقع في أساس الجدلية الاجتماعية علي الرغم من التهجين الذي طال، وبسبب من العولمة، هذه الجدلية. فالثقافة الموسمية معرض للأزياء واغتنام الفرصة وتحقيق المصلحة… وليست لحظة أو لحظات للإسهام في تنشيط المخيلة و تجدد الكائن و تحريك الأسئلة الحية الراكدة… وكل ذلك في المنظور الذي لا ينجم عنه أي تحقير لـ الثقافة الشعبية و الفلكلور الأصيل لا المبتذل. ومن هذه الناحية لا أتصور كبير تأثير لمهرجان قوامه الندوات المغلقة والصالونات المكيفة التي هي أشبه بقاعات الاستجمام. فمن الجلي أن المقصود، هنا، وهي اللعبة التي لا تغيب عن أصحابها أو يحرصون عليها ويجيدونها، هو خلق مهرجانات إعلامية و رقمية، ولا يهم أن يتم الإنصات للآخر الذي لا تخلو بعض اسئلته من كبير أهمية. وهذا شأن أصيلة علي مدار فترتها القصيرة التي تنطفئ بسرعة وتعود ــ بالتالي ــ القطة إلي رمادها كما يقال.

وثمة وجه آخر لمدينة أصيلة لا يتطاول عليه الإعلام الصيفي بسبب من توجيه ما يمكن نعته بـ التكتل الوهمي الذي لا يسمح له بأن يمتد إلي خارج أسوار المدينة لالتقاط مشاعر الناس من البسطاء من الصادقين والفطريين ومن المثقفين غير المدجنين أو المراوغين. فكيف يعقل أن تنظم مدينة ندوة أو ندوات دولية تجلب أسماء من وراء البحار وتنفق عليها أموال طائلة دون أن توفر لقاطنيها، من الأطفال والطلاب والشيوخ، مكتبة عامة توفر لهم أبسط المراجع في الأدب والنقد والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والإسلاميات.. كي لا نطالب بكتب المياه والغابات والهندسة التي ندعي الكلام فيها بل وفي جميع معارف الأرض وعلومها. وهو ما يطرح نفسه بحدة في تزامن مع استعداد الطلبة للامتحانات وغير الطلبة للاستحقاقات، هذا بالإضافة إلي الحرص علي دعم تقليد أو تقاليد القراءة. للأسف لقد تم اقتلاع المكتبة العامة من وسط المدينة ومعالم أخري وبـ برودة دم، ولم استغرب أن يكتب أحد المواطنين، في الصحافة المغربية، متحدثا عن ما أسماه بـ حنين أصيلة إلي مكتبتها. وغير بعبد عن المكتبة العامة، وفي سياق الإشارة الموجزة إلي البنيات التحتية و سياسة التسلطية الثقافية، ثمة مشكل مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية جنبا إلي جنب قصر الثقافة أو قصر الريسوني كما هو مستقر في المخيال الاجتماعي. فثمة غموض في ملكية هذه المعالم التي تحمل أسماء من المفروض أن تفيد منها، ووفقا لمبدأ احترام القانون، جميع الجمعيات الثقافية بأصيلة. صار المركز، الذي تعقد فيه أشغال مهرجان أصيلة، محروما علي أغلب هذه الجمعيات إلا من لجأ إلي أسلوب الاستعطاف أو تربطه وشيجة قرابة أو مصلحة بـ حاكم أصيلة. فمع تقديم كل طلب يكون الرد بأن الأمر يتوقف علي لجنة لهل صلاحية البث في الطلبات، وهي اللجنة التي قد تجتمع أو لا تجتمع أصلا. وهو ما حصل مع جمعيات مركزية وازنة إذ كان لا بد من تقديم الطلب إلي المعني بالأمر مباشرة. تلك هي المزاجات أو الإبادة الثقافية التي لا صلة لها بالثقافة باعتبارها فعلا نبيلا يقر بفاعلية الآخر في الوجود الثقافي ذاته. وهذا الكلام أقوله علي مسؤوليتي وباعتباري ممثلا أو بالأدق كاتبا عامل لفرع اتحاد كتاب المغرب بأصيلة. وهذا الحرص علي الاستفراد والاستئثار بهذه المعالم هو ما جعل جمعيات المدينة ترفع رسالة إلي وزير الثقافة، الذي صار بدوره أحد رواد مهرجان أصيلة، مطالبة إياه لا بمحاصصة المركز والقصر، ومؤكد أنها محاصصة مستحيلة، وإنما بفتح مركب ثقافي يليق بحجم المدينة. وهي الرسالة التي تم نشرها في الصحافة الجهوية بشمال المغرب بل وبعثها للوزير نفسه، غير أنه مالك الحزين، وكعادته، يصر علي مواصلة التحليق بالطريقة التي يريد. وثمة مشكل آخر جدير بأن يؤكد هذا العناد أو الإصرار علي النظر بعدسة واحدة دون العدسات الأخري المحتملة والقريبة وما أكثرها. ونقصد، هنا، ‘إلي حكاية المركز الثقافي بأصيلة أو C C F كما دأب المغرب الفرانكفوني علي اختزاله. لا أعرف ما سر الهلع من أن تنعم المدينة بفرع له مع أن جميع مدن شمال المغرب، وبدون استثناء، تنعم بخدماته. ما الذي يمنع من الإفادة من خدمات هذا المركز من قراءة المجلات الفرنسية والجرائد الفرنسية وبعض الكتب والروايات التي لا يقوي المواطن، بفعل فاتورات الحياة، من اقتنائها؟ وهل في توفير، ولو شقة صغيرة، لهذا المركز ما يهدد أمن (الثقافي طبعا) للمدينة؟ وهل توجد أصيلة خارج التقطيع الترابي للبلاد؟

أظن هذا الاطمئنان المفرط أو الثقة العمياء في اختيارات الذات موازاة مع عدم التمييز بين الفرد و المؤسسة، في التعاطي للأشياء، هو ما جعل العديد من وجوه المدينة، ولا أقول المغرب، وهو موضوع آمل أن أعالجه قادما، تضرب علي مهرجان أصيلة ولا تري فيه كبير فائدة وعيا منها بحجم السياق الخادع الذي لا يعكس الحجم الطبيعي للحقائق والوقائع و حدسا بالشرخ الكامن في عمق العلاقة المحتملة التي تصل ما بين الكلمات والأشياء. وكما قيل فـ طعام معاوية أدسم، غير أن الصلاة وراء علي أرحم وبيته أسلم.

ہ ناقد وباحث من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية