انا حبة القمح التي ماتت لكي تخضرّ ثانية!

حجم الخط
0

جداريّة مسرحة لعمل محمود درويش الشعري:

دمشق ـ “القدس العربي” ـ من يارا بدر: غيّر تطوّر الدراسات المسرحية منذ مطلع القرن العشرين، الكثير من عناصر الكتابة المسرحية، فتفككت الحبكة واختلفت طبيعة الحوار، وصولاً إلي بُنية الكتابة المسرحية ذاتها، حتي غدا السؤال عن (المسرحي) مشروعاً!

قدّم المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) تجربته المسرحيّة الخاصّة، بمسّرَحة ديوان الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش ـ جداريّة، وهي تجربة تتمتع بخصوصيّة عالية، ليس فقط لاعتمادها نصّاً شعرياً مادةً أدبيةً لها، وإنما لتعدّد المساحات التي قام العرض علي مسرحتها.

كتب محمود درويش جداريته إثر النوبة القلبية التي تعرّض لها عام 1999 م وكادت أن تودي بحياته. إذاً هي لوحة تستعرض مئات الألوان التي مارسها الشاعر في حياته. تستحضرها الذاكرة في اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، تلك الهوة العميقة يكتبها درويش بلغته الأدبيّة المركبة، وصوره الجماليّة العابقة بالانزياحات الشعريّة. الإنسان في تلك المسافة، هو سؤال العرض الفكري، حيث يمتزج الديني بالفلسفي مع الألم المادي ومشاعر الشوق والحنين. سؤال قاد العرض إلي إشكاليّة الطرح الفني، وشكلانيّة الصورة الحيّة لهذه الهلوسات الانفعاليّة داخل لحظة السكون الخارجي للجسد.

كيف نمسرح الشعر؟ كان السؤال التجريبي للفرقة. وشعر درويش هنا لا يخلو من الحالة الدراميّة التي يتطلبها المسرح، ولكن كيفيّة نقل محاكاة الفعل لغويّاً، إلي مُحاكاة لللغة عن طريق الفعل. هذه العملية (الإخراجية) أنتجت عرض (جداريّة)، عملية شملت عدّة مستويات وتعرّضت لمختلف العناصر الفنيّة. من شكلانيّة اللغة وتراكيبها إلي صورها الجماليّة، وحتي بنيويتها وإحالاتها الزمانية والمكانية، دون إغفال حالة البطل الدراميّة، أو تطوّر الحدث ـ إن وجد ـ وأنا أقول إن وجد، بسبب عدم وجوده بالمعني التقليدي ـ الأرسطي (الحدث الذي يبدأ من نقطة مُعيّنة ويسير تصاعدياً إلي نقطة الذروة، ثم يعود إلي نقطة النهاية)، الحدث الغائب هنا بهذا المعني لم يعن ِ غياب الحالة الدراميّة، التي اشتغل عليها العرض.

استفاد العرض من لا منطقيّة الهلوسات التي عاشها الشاعر، واللا منطقيّة كانت من حيث غياب الترابط السببي أو الزماني والمكاني بين الصور التي تعيد الكتابة إنتاجها. هذا الشكل المفكك للحكاية قاد العرض إلي شكل ـ حداثوي ـ إن جاز لنا القول، شكل فني يقو علي عرض مجموعة من اللوحات، ضمن بُنية درامية أساسها الانشطارات الزمانية والمكانية. وإن كانت الحالة التصويرية في شعر درويش عالية بدرجة ساعدت علي مسرحتها، فإنّ البعد السردي الذي تقوم عليه من حيث كينونتها اللغويّة، تتطلب إعادة خلق مادي لها علي الخشبة، يُموضعها ضمن السياق الواحد بشكل لا يخل بوحدة العرض، بل يؤكد في النهاية علي تكامل اللوحات مُجتمعة لتخلق حالة دراميّة واحدة، هذا النوع من العمل احتاج دراماتورجيّة خاصّة، تراعي من جهة خصوصيّة العرض المسرحي، ومن جهة ثانية بُنية الكتابة الشعرية.

ہ ہ ہاشتغل العرض بداية ً علي شخصية البطل (محمود درويش)، فدرويش الذي وقف في تلك المسافة، استحضر صوراً من ماضيه، طفولته، وذكرياته. استحضرها بشخص شاباً، يسأله ويُسائله. يدخل (درويش) إلي فضاء المشفي المكاني (قام بدوره مكرم خوري) عجوزاً مُرهقاً، واضعاً يده علي قلبه. فضاء رسمته خشبة عارية إلاّ من سرير المشفي المعدني وطاقمها الطبي بلباسهم الشاحب البياض. دخوله هذا أبعد عازف الغيتار الكهربائي من علي الخشبة، لتحل مكانه موسيقي جهاز القلب الطبيّة، ومع هذه الموسيقي يبتعد العجوز في غيبوبته، هذا الفضاء الدرامي الذي يحضر علي الخشبة فضاءً لعبياً. مع دخول (درويش) شاباً (قام بدوره خليفة ناطور) تتحوّل الخشبة من واقعيتها المكانية ـ الزمانية إلي مكان يعكس عالم اللا معقول لذاكرة الإنسان البعيدة، أو لا وعيه.

من خلال حوارٍ كان مساحةً فرش عليها الشاعر محمود درويش في كتابته كل ذاته الماضية، محاولاً تصفيّة حساباته مع هذا الماضي، ليتجاوز الحاضر إلي نقطة أبعد مديً هي الحياة القائمة خلف تلك المسافة التي تحدثنا عنها في البداية. هي إذاً مساحة شهدت الصراع الشخصي مع الموت، هذا الشبح الذي جسده طاقم المشفي الطبي في إحدي لوحات العرض، عبر الأقنعة البيضاء، موحدة الملامح، تحيلُ إلي شيء ٍ من عالم ٍ غرائبي، تتميّز بفكها المندفع نحو الأمام، وفراغ العيون الأسود.

يقوم الحوار في هذا العرض بعدة وظائف دراميّة، فهو إلي جانب كونه عنصراً درامياً أساسياً، يُحقق غايته بخلق الحالة التواصلية مع المتلقي من جهة، ومع الآخر من جهة ثانية. هذا التواصل مع الآخر يتم بتبادل المعلومات التي تشرك المتلقي في سيرورة العملية المسرحية. كما يفتح مجالاً لاستحضار الصور والمشاهد من ماضي الذاكرة إلي حاضر الخشبة، وحاضر الحالة المسرحية، بمعني (هنا… والآن). فحبيبة الماضي التي غابت، تعود إلي الظهور جسداً شاباً وجميلاً. ويوم التهجير من فلسطين يعود أيضاً، يعود بحقائب السفر التي يحملها المسافرون (وهم عناصر الطاقم الطبي في مساحة لعب ٍ أخري) وتفتح علي فضاءات ٍ ماضية متعددة، المدرسة ممثلة بلوح ٍ صغير ٍأسود كتبت عليه أحرف اللغة العربية كبيرةً واضحة، المنزل، كرة القدم في ملعب الطفولة، وسواها من الذكريات التي توزعتها هذه الحقائب. ومع ظلام الخشبة إلاّ من ضوءٍ خافت أبيض حيادي علي الشاعر العجوز، والإضاءة الداخلية لكل حقيبة، تباعدت الدلالة، فهي الذكريات الشخصية لفرد، وهي ذكريات كل واحد ٍ منا مخبأة في حقائب الرحيل والغياب. هذا الانطلاق من الفردي إلي الجماعي، تجسّد عبر العديد من التقنيات في لوحات العرض، وكان خطاً وصل بينها حتي شكلها النهائي. فكما أنّ الحوار الشعري لم يكن التقنيّة الوحيدة التي تعيد خلق الماضي، كان المونولوج. مونولوج العجوز أو الشاب، مونولوجاً داخلياً بلغةٍ شعريةٍ قوية، وهو مونولوج تداخل أحياناً مع صوت الغناء الأوبرالي ل ِ(ريم تلحمي)، وابرز صوره وأعلاها قيمة ً وجمالاً، كانت في اللوحة الأخيرة… حين غنت (ريم) بدور الفلسطينية ـ العربية، للأرض والسماء، للإنسان والحياة، غنت الشعر موسيقي، ومن خلفها الجوقة تؤكد علي صدي كلماتها ـ كما في المسرح اليوناني القديم ـ ورتل (درويش) شاباً مونولوجه معها علي الإيقاع الصوتي للقداس الكنسي، وجوّد (درويش) عجوزاً مونولوجه بعمق ٍ وزخم. عدّة أصوات نطقت بجسدٍ واحد، أصوات انسجمت في تنوّعها الهارموني مع موسيقي الكونترباص والكمان… آلات وتريّة حضرت جنباً إلي جنب مع الجسد النابض بالحياة، لتغيب الهويّة الدينية ولا تبقي سوي الروح الإنسانية. هذا الذي يبقي حين يتحدّي المرء الموت.

لقد نجح الشاعر محمود درويش في تجاوز حدود الفردانيّة، وصولاً إلي حالة انعتاق للجسد والروح، لقد تخطي ذاته وآلام ماضيها وحاضرها، علي أشياء أجمل وصوراً أغني… فامتدت سنابل القمح صفراء ذهبيّة علي أرض الخشبة العارية تزرَع وتحصَد، وهطل المطر أخضر في لفافةٍ نورٍ من قماشٍ أبيض. والعربي فرعونياً كان أم فينيقياً، سورياً أم مصرياً، هو رجلٌ وامرأة يحصُدان القمح. والغناء يصدح دون أن يكسر الترتيل نغم التجويد، فكل هذا موسيقي والموسيقي رقص… رقص المولويّة الذي يؤديه فردٌ، يغوص في أعماق ذاته لتتصاعد حالة توحّده حتي تقترب به السكينة والصفاء من الذات الإلهيّة. هذا التصوّف الروحي جسدته الخشبة بلوحةٍ تشكيلية زاهرةٍ بالأصوات والألوان. لقد امتلأت الخشبة أخيراً بعد أن كانت عارية في ظلامها طويلاً. خضراء ارض قصيدتي خضراءُ، عالية.. علي مهلٍ أدوّنها، علي مهلٍ، عليوزن النوارس في كتاب الماء. أكتبهاوأورثها لمن يتسائلون: لمن نغنيحين تنتشر الملوحة في الندي؟… خضراء، اكتبها علي نثر السنابل في كتاب الحقل.

وكلما صادقت أو آخيت سنبلة تعلمت البقاء منالفناء وضده: أنا حبة القمحالتي ماتت لكي تخضرّ ثانية. وفي موتي حياة ٌ ما… . ہ ہ ہصاغ الدراماتورج (خليفة ناطور) انشطارات البُنية الدراميّة في النص بإيقاعٍ متوازن، سار معه من الفردي إلي الجماعي، ومن الحاضر زمن المشفي والغيتار الكهربائي، ، إيقاع جهاز القلب المنتظم حيناً، والمضطرب حيناً آخر، إلي الماضي زمن الترتيل والتجويد وصفاء الغناء. وقدّم العرض هذه الدراماتورجيا مسرحياً، بالإضاءة الخضراء علي شحوب الأبيض في اللوحة التي يواجه فيها الشاعر شبح الموت، بأزرق الذكريات مع الحبيبة أو يوم الرحيل. إضاءة توزعت بدقة علي المساحة والأغراض والأشخاص، فلم تبح مرّة ً بأكثر مما كتب لها البوح به، حتي أكملت حكايتها في اللوحة الأخيرة، فتنوّعت ألوانها وأشرقت، وكشفت كل المساحات حرّة ً لقارئها. إلي جانب الإضاءة، وتغيّرات الخشبة كفضاءٍ لعبي تحيل علي العديد من الفضاءات الدراميّة، كما ذكرنا عبر بعض الأغراض كحقائب السفر، أو الأشخاص كالممرضة (ريم تلحمي) أو الحبيبة (رُبا بلال)، كانت الملابس عاملاً رئيسياً في عكس دراماتورجيا العرض بمستواها الفكري، فملابس الطاقم الطبي واحدة، كما في جميع أنحاء العالم، مُكتفيّة بإعلانها قسوة الأبيض الصارخ فيها. والعجوز لا يخلع رداء المشفي، هذا الفضاء الزماني/المكاني، أما الشاب فهو في لباس ٍ رسميّ ٍ حيادي اللون. شخصيّات الرحيل متشابهة بمعاطفها الفضفاضة الطويلة نسبياً، وألوان هذه المعاطف الباهتة. ملابس لم تحمل أيّة خصوصيّة فردانية، وإنما أحالت دوماً إلي حالة جماعية مفتوحة المدي. حيث تغيب التفاصيل لتبقي الملامح العامة. إنّ الاهتمام بتفاصيل العرض يتجاوز وظيفته الدلاليّة إلي شكلانيّة العرض الفني، القائم علي كسر الإيهام وإعلان المسرحَة، بهدف خلق علاقة مختلفة مع المتلقي. من الأقنعة التي يضعها الطاقم الطبي علي وجهه، فوق لباسه المهني، في فضاءٍ زماني هو الحاضر في غيبوبة العجوز. إلي جانب العوامل الصوتيّة التي توزعت ما بين الموسيقي الحيّة الحاضرة بآلاتها وعازفيها، وما بين الموسيقي المسجلة لغرض ٍ ليس موسيقياً أساساً. وتنوّع استخدامها علي مستويين، الأول في علاقتها المباشرة بفكرة العرض، وعلي المستوي الآخر كأدوات ساعدت في كسر الإيهام. ليغدو ما نراه حكاية تركب وتحكي أمام أعيننا، في انقطاعاتها الزمانية والمكانية، التي تفتح بدورها مساحات ٍ فارغة تتطلب من المتلقي إعادة تركيب ما يراه ليتوصّل في النهاية إلي حكايته الخاصّة، أو قراءته الذاتية. هذا التكامل في رؤية وشكل العرض الفني، قام كما رأينا عبر توظيف جميع عناصر العرض الفنيّة والتعامل معها كمساحات ٍ ذاته أبعاد متعددة. إلا أنّ البعض رأي أنّ أداء (خليفة ناطور) بدور الشاعر محمود درويش شاباً، لم يكن علي مستوي الجودة والدقة لباقي عناصر العرض. وهذا قد يُبرّر له بحكم المساحة الكبيرة المُفرّغة للدور، بمستوياتها الحركيّة والخطابيّة المتنوعة. فهو بمثابة المرآة التي يري (درويش) العجوز نفسه من خلالها. وهذه العلاقة التبادليّة هي المحرّك الرئيسي للحدث. ولكن مع ضعف وجود الحركة الجسديّة علي الخشبة، فقد كان الأداء الصوتي عاملاً جوهرياً في صيرورة العرض.

في الختام أحب أن أنوّه إلي أهميّة هذا العرض علي المستوي العربي، انطلاقاً من خصوصيّة التجربة المسرحية، ومن علاقة هذا العرض بانتمائه الأيديولوجي ـ إن صح القول ـ فقد شاع مؤخراً بين الكثير من المتابعين للحركة المسرحية في العالم لعربي، تصوّر أنّ كل عرض فلسطيني يرتكز في طرحه الفكري علي إشكاليّة القضية الفلسطينية في ظل الاحتلال، وسؤال الأرض والهوية. ليأتي هذا العرض من الأراضي الفلسطينية، ومن الداخل تحديداً، مُقدّماً سؤالاً فكرياً عن الإنسان في علاقة أبعد واشمل من خصوصيّة القضية الفلسطينية والتي تتحول إلي جزء صغير منه. سؤال يمتد إلي فكر الآخر أينما كان، وأياً كانت قضيته.

بطاقة العرض:

العرض: جداريّة.

شعر: محمود درويش.

إعداد: خليفة ناطور.

إخراج وتصميم: أمير نزار زعبي.

موسيقي: حبيب شحادة.

إضاءة: فيليب أندرو.

تصميم ملابس: حمادة عطا الله.

أقنعة: عبد السلام عبده.

الممثلون: مكرم خوري ـ خليفة ناطور ـ ريم تلحمي ـ ربا بلال ـ جميل خوري ـ ريمون حداد ـ رمزي مقدسي ـ تمام قانمبو.

إنتاج: المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي). ساهم في الإنتاج: مؤسسة نوراد ـ (NORAD) النرويجيةالقنصلية الفرنسية/ القدس ـ القنصلية الأميركية/ القدس… وآخرون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية