حكومة الشروط الأمريكية

حجم الخط
0

عبد الستار قاسم

ترفع وسائل الاعلام أحيانا من درجة التفاؤل بقرب تشكيل حكومة وحدة فلسطينية، وتهوي بها أحيانا أخري الي درجة التشاؤم. تسارع وسائل الاعلام الي اعتبار أي تصريح يصدر عن حمساوي أو فتحاوي خبرا هاما يتم تناقله بسرعة لينتشر وكأن الأمور في فلسطين قد وصلت الي حد معين، علما أن هذا المصرح قد لا يكون علي علم أو وعي بما يجري. لأدلل علي ذلك أذكر ما قاله لي وزير فلسطيني ذات يوم بأن أمر تشكيل وزارة الوحدة سيحسم خلال أربع وعشرين ساعة، فأجبته بنوع من الفظاظة بأنه لا يعي ما يقول، وأنه ليس هو الذي يعد الساعات. مرت الساعات والأيام وساعة الحسم لم تحن.

يتعثر أمر تشكيل الوزارة الوحدوية الفلسطينية لأنها ليست في الحقيقة وزارة وحدة فلسطينية، وليس من المتوقع أن تعبر عن ارادة الشعب الفلسطيني الحرة. حتي تكون هذه حكومة وحدة فلسطينية لا بد لها من أن تنطلق من قاعدة دستورية أو ميثاقية فلسطينية تشكل اطارا مبدئيا يجمع الفلسطينيين في الداخل والخارج. لا يوجد الآن للشعب الفلسطيني ميثاق يمكن الاستناد عليه بعد أن قامت منظمة التحرير الفلسطينية عم 1996 بالغاء العديد من بنود ميثاقها الذي لم تكن تحترمه أصلا. يوجد هناك قانون أساسي للسلطة الفلسطينية، لكنه يعاني من نقص قانوني كبير ولا يمكن تعميمه ليكون جامعا للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. الي جانب القاعدة الدستورية، يجب أن تتوفر قاعدة قضائية ترعي مراقبة التنفيذ وذلك حتي لا يقع الشعب الفلسطيني ضحية التجاوزات تحت شعارات ثورية ووطنية. لا يمكن أن تقوم حكومة وحدة وطنية فلسطينية دون توفر هذين الشرطين، لكنه من الممكن أن تقوم حكومة فصائلية، أي باتفاق فصائلي، وفق مهام آنية أو محدودة لا ترتقي الي متطلبات وحدة الشعب.

ما هو مطروح الآن هو حكومة فك الحصار وليس حكومة وحدة وطنية. وربما لاحظت وسائل الاعلام أن الفلسطينيين من جانب الرئاسة الفلسطينية قد أخذوا يتحدثون مؤخرا بكثافة عن حكومة قادرة علي فك الحصار المالي علي الشعب الفلسطيني. وهم لا يتحدثون هنا عن حكومة تفك الحصار بالقوة، وانما عن حكومة يرضي عنها المحاصرون. المشكلة هنا أنه لا يوجد وضوح في طرح هذه المسألة علي الشعب الفلسطيني بحيث يكتفي المسؤول الفلسطيني بطرح الهدف دون أن يشرح المتطلبات المترتبة علي تحقيقه.

حتي تفك الحكومة الفلسطينية الحصار، لا بد لحركة حماس أن تعترف باسرائيل وليس فقط الحكومة التي تشكلها حماس. وبعد ذلك عليها أن تبدأ بالتخلي عن السلاح ونزع سلاح المقاومة، ومن ثم تطبيع العلاقات مع اسرائيل والتنسيق الأمني معها. أي علي حماس أن تسير علي خطي منظمة التحرير الفلسطينية ولكن بخطي سريعة وواسعة. هنا سترضي اسرائيل وأمريكا عن حماس وعن الحكومة التي تتشكل سواء كانت حمساوية أو خليطا من الفصائل الفلسطينية.

من الممكن لاسرائيل وأمريكا أن تقبلا مؤقتا بحكومة تشارك فيها حماس انما بشرطين: أن تكون الوزارات الأساسية بيد قوي 13/أيلول، أي القوي المؤيدة لاتفاق أوسلو، وأن تكون غلبة التصويت داخل الحكومة لحركة فتح وذلك من خلال المستقلين. لا مانع لدي أمريكا واسرائيل أن يكون عدد أعضاء حماس في الحكومة أكثر من عدد أعضاء حركة فتح، لكن المهم أن يميل المستقلون لحركة فتح بحيث يشكلون عيار الحسم داخل الحكومة.

المعني أن الحديث لا يدور حول تشكيــــل حكومة وحدة فلسطينية، وانما حـــول حكــــومة تتخلص من الارادة الحـــــرة للشعب الفلســــطيني، وتجـــعل الفلسطينيين تحت رحمة الارادات السياسية للآخرين وبالتـــحديد اسرائيل وأمريكا. هذا صحيح من الناحية المنطقية من حيث أن الذي يحصل علي تمويل من الآخرين، لا مفر أمامه الا ارضاء هؤلاء الآخرين اذا أراد أن يبقي علي تدفــــق الأموال. لا يوجد دعم مجاني، وهذا ما يردده الأمريكيون والاسرائيــــليون ويتبـــعهم فيه الأوروبيون. هذا ما يفسر التناقضات الكثيرة في التصريحات الصادرة عن فلسطينيين، وحركة الهبوط والصعود في التفاؤل والتشاؤم. كلما توصل الفلسطينيون الي صيغة يظنون أنها توصلهم الي تشكيل حكومة يصطدمون بالطلبات الأمريكية والاسرائيلية فيعود بعضهم الي اطلاق تصريحات جديدة لم تكن وسائل الاعلام تتوقعها. يتم ابلاغ الأمريكيين والاسرائيليين باستمرار بتطور المحادثات بين الأطراف الفلسطينية، ويتم التجاوب مع الاعتراضات. ولهذا أري أنه من المهم أن تعرف وسائل الاعلام رد فعل الأمريكيين والاسرائيليين حيال الاقتراحات الفلسطينية قبل أن تعلن عن قرب التوصل الي اتفاق فلسطيني-فلسطيني. تبدو الصورة هكذا سيئة جدا، لكنني أعتقد أن الشعوب العربية قد خابت عبر الزمن لأنها لم تبحث عن الحقيقة، واكتفت بآمال خاوية انتهت الي خيالات قاتلة.

كان الخطأ من الأساس في أن القيادة الفلسطينية وضعت لقمة خبز الشعب بيد أعدائه، وليس من الحكمة الآن الامعان في الخطأ. كان أمام حماس فرصة استغلال قوة الدفع مع بداية تشكيل الحكومة للتخلص من هذا الاستعباد الأمريكي، لكنها لم تكن علي قدر التحدي. لكن الوقت ما زال مفتوحا، وبامكان الحكومة الحالية أن تحاول الخروج من المأزق المالي بوسائل عدة علي رأسها سياسة التكافل والتضامن. انها لن تنجح تماما، لكن المحاولة ستؤتي ثمارها. كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية