سحر خليفة بعد فوزها بجائزة نجيب محفوظ للرواية:
القاهرة ـ “القدس العربي”: اعلن قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بمناسبة احياء ذكري الكاتب الروائي الراحل نجيب محفوظ، فوز الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة بجائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي لعام 2006 عن روايتها صورة وأيقونة وعهد قديم ومن المقرر أن يصدر قسم النشر بالجامعة الأمريكية ترجمة للرواية في العام القادم لتنشر في كل من القاهرة ونيويورك ولندن.
وقد قام ديفيد أرنولد ـ رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة ـ بتقديم الجائزة لسحر خليفة بناء علي اجماع أعضاء لجنة التحكيم وهم: الدكتورة هدي وصفي، الدكتورة سامية محرز، الدكتور عبدالمنعم تليمة، الناقد ابراهيم فتحي، الناقد فخري صالح، السيد مارك لينسز مدير قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقد حضر مراسم الاحتفال بالقاعة الشرقية بالجامعة عدد كبير من الكتاب والفنانين والنقاد.
وقد علق أعضاء لجنة التحكيم بقولهم: رواية صورة وايقونة وعهد قديم رواية الطاقة السردية العالمية، وتستدعي سحر خليفة منذ البداية فضاء غائبا، فهي مثل شاعر الجاهلية تبدأ بالبكاء علي الأطلال، وتتآزر الرواية تاريخيا مع نضال الفلسطينيين في الوقت الراهن وجماليا من خلال الرموز التي تجعل الشخوص والأكمنة تستدعي دلالات موروثة ومقدسة لا تزال حية وفاعلة، وتبدو صورة المرأة هي الوسيط الضمني المغيب عمدا من خلال المناضل الذي يسعي لاسترداد الأرض المسلوبة ولكن بلا فائدة.
والراوي لا يعيش حياة الواقع بل يعيش حياة نمطية متمثلة بالصور أي بدائل طيفية أو شبحية أو حلمية للناس ومعني الأحداث وذكرياتها بسبب التهديدات الكثيرة بالفناء.
وتوضح الكاتبة الموقف الفلسطيني الصعب والمعقد من خلال شخصيات غير تقليدية تبحث عن حلول لسؤالها الوجودي خارج السياسة، عبر الحب والعلاقات الانسانية الخائبة والمدمرة.
وقد تميز احتفال هذا العام بجائزة نجيب محفوظ بأنه جاء ضمن الاسبوع الخاص بذكراه، والذي بدأ هذا الأسبوع بمحاضرة تذكارية عنه ألقتها الكاتبة الحائزة علي نوبل نادين غورديمر وكذلك تم تقديم عرض وثائقي لأعمال نجيب محفوظ المترجمة تحت عنوان: نجيب محفوظ طفل الزقاق، كاتب للعالم والذي تم افتتاحه في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات المتميزة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وعرض لبعض الأعمال التي تم تحويلها علي أفلام.
وقد أعلن قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالفعل عن صدور كتاب حكمة الحياة ويتضمن مقتطفات من أعمال الكاتب نجيب محفوظ والتي قامت بجمعها ومراجعتها السيدة علية سور.
بالاضافة الي صدور ثلاث ترجمات حازت علي جائزة محفوظ للآداب في السنوات الماضية هي: رواية وكالة عطية للكاتب خيري شلبي، ترجمة الدكتور فاروق عبدالوهاب، المحبوبات لعالية ممدوح ترجمة نيل هيوستن وهي الرواية التي حصدت جائزة العام الماضي.
ويعد قسم النشر بالجامعة الأمريكية الذي أنشأ الجائزة عام 1996 الناشر الرئيسي لأعمال محفوظ باللغة الانكليزية لأكثر من عشرين عاما، والمسؤول عن نشر أكثر من 500 طبعة باللغات الأجنبية الأخري لأعماله التي ترجمت الي أكثر من 40 لغة في جميع أنحاء العالم منذ فوز محفوظ بجائزة نوبل عام 1988 وبنشر أكثر من 80 عملا جديدا سنويا والعمل في أكثر من 800 كتاب آخر.
كلمة الفائزة سحر خليفةوهناك فقرات من الكلمة التي ألقتها الفائزة الروائية الفلسطينية سحر خليفة:
هذه الجائزة وهذا الحفل يذكرانني بمشهدين لن أنساهما طوال حياتي، الأول حين أشارت عليّ أستاذتي في جامعة بير زيت الدكتورة حنان عشراوي بتقديم روايتي الصبار للدائرة العربية لتكون بديلا عن الساعة المعتمدة الناقصة لتخريجي، كان ذلك عام 1976، أي قبل ثلاثين سنة، وافقت الدائرة علي الاقتراح لكن التقييم كان نكسة، كان سقوطا، كان علامة D التي لم أحصل عليها قبل ذلك اليوم ولا بعده، رئيس دائرة العربية فسر لرئيسة الدائرة الانكليزية الدكتورة عشراوي أن الرواية لا ترقي الي مستوي الأدب، قالت له:
ان الرواية منشورة بثلاث لغات في ذلك الوقت ولاقت رواجا وشعبية، الا أن رئيس الدائرة فسر موقفه بقوله ان الرواية منحدرة ولا ترقي الي مستوي أي نوع من الأدب لأنها غير مؤدبة، هابطة، وقبيحة.
قال ان الطالبة سحر تحكي عن أجواء لا تليق بها فهي امرأة، وهي شابة، وهي ابنة ناس محترمين، الطالبة تحكي عن العمال في اسرائيل، تحكي عن الأسري والمساجين، عن الاشتباكات والعمليات والقنابل، بلغة هابطة وشعبية، فهل هذا أدب؟
والمشهد الثاني هو حين تقدمت بروايتي تلك كي أنشرها في مصر، لأن مصر هي قلب الأم، أم الأمة في الأدب والفن والسينما والمسرح والتليفزيون كانت لنا، وتظل هي الشاهد، وهي القائد، ونجيب محفوظ، حملت روايتي من هناك حتي هنا وعرضتها علي الناشر، الا أن الناشر اعتذر بأدب ولباقة لأن الرواية ـ كما قال لي ـ مجهولة الجنس والهوية، قلت له: ماذا تقصد؟ قال اذا حطيت صباعي هنا ووضع ابهامه علي اسمي ما حدش هيعرف مين الكاتب راجل أو ست.
كدت أبكي لأني ما كنت في ذاك الوقت بعد كبيرة، أقصد سنا، قلت له: يا أستاذي، أتعيب عليّ أن أكتب عن الرجال لأني امرأة؟ لماذا الرجال كتبوا عنا منذ الأزل، طوال قرون، وهم لا يعرفون عن المرأة كما نعرفكم؟ هنريك إبسن كتب بيت الدمية وبرنارد شو كتب ميجر باربرا ونجيب كتب عن أمينة في بين القصرين، لماذا لا أكتب عن عادل وزهدي ورشاد وأبو صابر وسلسلة طويلة من الأسماء الذكورية؟ قال لي ما قال استاذ العربية: لكنك تكتبين عن العمال والفدائيين وأجواء السجن والعمليات والتفجيرات وأشياء عجيبة وغريبة، أنا لم أقرأ لامرأة قريبة ولا بعيدة مثل هذا! قلت له:
كنتم تعيرون أدب المرأة بالانغلاق والتباكي والتمحور حول الذات والآن تعيبون علي المرأة أن تكتب عن واقعها الذي هو أكبر وأوسع من البيت والزواج ورثاء الذات، وتعيبون عليها أن تكتب عن الشارع وعن المارة وعن التجار والبياعين والسراقين ولصوص الحكم والثوريين والفدائيين وبنفس العارف والثائر وبقلب يمور بالمحبة ونكران الذات! رفض وتلكأ وتمنع ولم تظهر الرواية هنا في مصر، لكنها ظهرت ـ فيما بعد ـ في 17 دولة أجنبية بما فيها توريا وماليزيا واسرائيل.
والسؤال الآن ماذا نكتب ولماذا نكتب وكيف نكتب؟
الكتابة بالأصل هي تعبير الانسان عن ذاته، عن واقعه، عن أجوائه، عما يحب، عما يكره، عما يشكل هواجسه وكوابيسه، نحن لا نكتب بلا احساس، نحن لا نكتب بلا كوابيس. يقال عن الالهام عفريت الفن وهذا صحيح، لكن عفريت الفن لا يخرج الا من الأرض، من الواقع، قد ندبجه وننمقه ونحليه، لكنه يظل ابن الواقع ومن عمق الأرض، قد نسمو به ونحلم ونطير ونحلق، لكنه مهما ارتفع، ابن الواقع وابن المكان وابن الزمان وابن التاريخ، وهذا ينطبق علي المرأة وعليّ أنا، حين كنا خلف الخمار في الحرملك، كنا نكتب عن حدود المكان، عن واقعنا، وحين خرجنا الي الشارع والي الجامعة والحكومة، وبتنا وزيرات وسفيرات ومناضلات، صرنا نكتب عن دنيانا، دنيا أوسع وأغني وأعم، وربما بعض الأحيان نكتب بعيون حساسة وقلب أرحم لأنا نتحلي برحم ومحبة ولأنا صرنا في قلب الأمة والحركة ونمشي علي الأرض لا تحت الأرض. أما كيف كتبت عن العمال والفدائيين والعمليات والتفجيرات، فهي أيضا قصة لذيذة سأحكيها لكم، أثناء دراستي في بير زيت، وكان ذلك قبل أكثر من ثلاثين سنة، طلب منا أستاذ علم الاجتماع أن نكتب بحوثا مختصرة من أية ظواهر اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ظهرت وانتشرت تحت الاحتلال، بسبب الاحتلال، وكانت أهم وأغرب ظاهرة في ذاك الوقت، أي أوائل السبعينيات، ظاهرة عمل العمال في اسرائيل، كتب كثيرا عن الموضوع في فلسطين وخارجها، وقيل وقتها أن العمال أصبحوا عملاء، وأن فلسطين باتت وكرا للمرتزقة، وأن الثورة لم تعرف كيف تؤدبهم أو تردعهم، وهذا مشين، علي فلسطين، وعلي الأمة، هذا خيانة!
اخترت أن أقوم بذاك البحث وأعرض ما يقوم به العمال ودوافعهم، وظروف العيش، والتناقض بين ما يحسون وما يفعلون، أليسوا عربا؟ ألا يخجلون من خدمة العدو في أرض كانت لأجدادهم وما زالت لهم؟ ألا يحسون بعمق المأساة؟ وماذا يحسون اذا استشهد أحد منهم أو جار لهم أثناء اشتباك أو عملية؟ ما الذي يدفعهم لذلك العار والتردي؟
وما معني الظاهرة وكيف نمت وماذا نفعل؟
أنا كما تعلمون، وكما ترون، ومن الواضح، امرأة ولست رجلا، ولست من أسرة كادحة أو فدائية، وكنت أتمني لو كان لي ولو قريب واحد من الثوار ومع الثورة.
فكيف اذن أكتب عن هذا وأكتب عن ذاك وأنا الأنثي، أنا المرأة التي لم تقترب في يوم ما من الأجواء المشحونة، والعمليات والتعرض لمحك التجربة في المصنع أو المزرعة أو المعتقل وضرب الرصاص والمدافع؟
صحيح أني عشت الاحتلال بحذافيره، ومشيت في الشوارع والتظاهرات ورأيت مئات الاشتباكات بالحجارة، لكن لا رصاص ولا مدافع ولا عمليات في ذاك الوقت، وأثناء القصف، كنت أختبئ في بيتي، مثل كل الناس أو معظمهم، وفي منع التجول كنت أقبع بين الجدران، وانتظر الفرج ولا أقاوم، أي لا أحمل سلاحا ولم أحمل الا قلمي، وهو كما اصبح بالنسبة لي، أبلغ وأغلي من أي سلاح.
ماذا فعلت؟ تنكرت في هيئة عاملة قروية، تعرفت علي عاملة من مخيم قريب من نابلس، في العشرينات، قوية ذكية، طريفة، تعمل في معمل للشيكولاتة، وعدتني ندي، وفيما بعد أسميتها خضرة في روايتي عباد الشمس وعدتني ندي بأخذي الي مصنعها في تل أبيب، ان أنا أتقنت التنكر وعدم الافشاء، وهذا ما فعلت، لبست فستانا مشجرا بخصر ساحل، وتحته بنطلون استرتش، وقمطة علي الرأس، وأتقنت عبارات شعبية ولزمت الصمت معظم الوقت حتي لا يكشفني لساني أو أتعثر، وخرجت مع الفجر، حيث الموقف وباصات العمال، وسارت الحافلة الي هدفها أي الي تل أبيب، ورأيت وسمعت ولمست وعشت تلك التجربة بما فيها من ذل وبؤس ومرارة وأبعاد معيبة ومخيفة، واكتشفت أشياء لا أعرفها، لا نعرفها، لا نحس بها، لا نعرف كيف نعاينها ونعاملها، ليس كنساء، وأيضا كرجال، في فلسطين وخارجها، واكتشفت ايضا أن فلسطين هي المختبر الصغير لوضع أكبر، لوطن أكبر لواقع أكبر منا، أعقد منا، أصعب، أدهي وأمر.
وكانت تلك فاتحة كتاباتي بذاك الأسلوب، لأني اكتشفت أن الواقع، واقعي أنا، واقع ناس، كبير وعميق ومعقد، فالأدب، كما تبين لي ليس حلية نعلقها في صدر البيت وشكلة علي الرأس، بل هو احساس أعمق، بتراب الأرض، بالشوارع بهموم الناس، برصاص الممثل والمدافع، بالضحايا ودم الثوار، وأيضا بالحب والتمني، وحنين القلب وجمال الروح والتصدي للكآبة بأجنحة الحلم، الأدب ليس نزهة، بل جهد وأجنحة الحلم، الأدب ليس نزهة، بل جهد وأجنحة ومرايا وعتاب الذات، وسماء ماطرة وقذائف والجرسيات والمآذن، في أرض ما عرفت الا الدم وهي المرأة في ثوب عروس، في عرش اله، وأنا العابدة الأزلية لهذا الملكوت وسماء القدس، وتراب الوطن المضمخ بقناني العطر، وقلوب عذاري تتلوع من وهج الحب.
هذه الجائزة أقبلها وأقبلها بحب وأمل، وأقول قلمي ولوطني، أني أعطيت بلا تحفظ، وآخذ ما أعطيته، وبلا ادعاء، أقول اني استحق المحبة، واستحق الثناء، لأني اجتهدت، لأني تعلمت، لأني علمت، لأني صهرت روحي وقلبي فيما أكتب، وحملت القدس علي رموشي وفي العين، وقلت المستقبل أجمل لأن الايمان بماضينا سينير الطريق لحاضرنا.
مشروع جمالي وتاريخي متآزرأما لجنة تحكيم الجائزة فقدمت العديد من مسوغات اختيار الرواية الفائزة، حيث قالت الدكتورة هدي وصفي تستدعي سحر خليفة منذ البداية فضاء غائبا، فهي مثل شاعر الجاهلية تبدأ بالبكاء علي الأطلال ويتأكد هذا الغياب من خلال استخدام اسم مريم الموغل في التاريخ والذي يستدعي الألم بالرغم من تضمنه بعدا ملائكيا، فمريم هي الأم التي أنجـــبت دون جماع وهنا تبرز صورة المرأة الوسيــط الضمني المغيب عمدا من خلال المناضل الرجل الذي يسعي لاسترداد الأرض المسلوبة ولكن هيهات، فبدون تحرير المرأة لن يتحرر الوطن.
أما الدكتورعبدالمنعم تليمة فقال: ان الكاتبة سحر خليفة يستقر عملها الفائز، بعد أربعة أعمال سبقته، من خلال مشروع روائي متميز قاعدته تآزر التاريخي والجمالي، التاريخي هو نضال الفلسطينيين في العصر الحديث، والجمالي، هو عقائدهم وموروثاتهم وابداعاتهم الروحية والصوفية والأسطورية والملحمية والشعبية في كافة العصور بكل مروي ومتواز ومدون، ويتبدي التاريخي في هذا العمل، في الصراع الراهن، ويتبدي الجمالي خلال طائفة من الرموز والمجازات تجعل الشخوص والأمكنة تستدعي دلالات موروثة ومقدسة لا تزال حية فاعلة في النفوس والقلوب والعقول والأرواح.
أما الناقد ابراهيم فتحي فقال: كانت القدس عند الراوي حالة ذهنية وعاطفية، كانت مريم سمية المجدلية، صورة متخيلة جميلة لقصة حب تنسجها الرغبات المكبوتة والأحلام وقراءة الروايات، والراوي كعائلته لا يعيش حياة الواقع بل بدلا منها في الصور النمطية أو المتداولة، أو اسقاطات الرغبات والمخاوف، تمثيلات بالصور أي بدائل طيفية أو شبحية أو حلمية للناس ومعني الأحداث وذكرياتها بسبب التهديدات الكثيرة بالفناء، وتنكمش هذه القصة الفردية ضائعة في قصص بطولات جمعية عشية حرب 67 وشعارات تحرير القدس.
أما الناقد فخري صالح فيقول: تميزت رواية سحر خليفة صورة وايقونة وعهد قديم بتلك الطاقة السردية العالية، وموضوعها اللافت الذي يطرح تشابك الحكايات الفردية لاشخاص ينتمون الي بيئات اجتماعية مختلفة، ان سحر تطرح السؤال الفلسطيني الصعب المعقد من خلال شخصيات غير مؤدلجة تبحث عن حلول لسؤالها الوجودي خارج السياسة وعبر الحب والعلاقات الانسانية الخائبة والممرورة.