في التعرف علي النقد الفني: مزاج تخيلي يبحث عن سلطة تستدرجه

حجم الخط
0

فاروق يوسف

في ثمانينات القرن العشرين جلب الالماني يوزف بويز (1921 ـ 1986) ارنبا ميتا الي قاعة العرض وصار يملي عليه دروسا في الفن. كان ذلك الحدث صادما للكثيرين. لقد تساءلوا: اين يكمن الجمال في ما فعله بويز؟ فيما كان بويز نفسه لا يهدف الي تقديم استعراض جمالي مسل بقدر ما كان يسعي الي انشاء حوار استفهامي حول مسائل وجودية عديدة ليس من بينها الجمال. ذلك لان الجمال لا وجود له. انه مفهوم تجريدي ليس الا، تسمية لما لا يمكن ان يسمي. كان الدادائيون بداية القرن العشرين يرون الجمال في كل شيء باستثناء الاعمال الفنية التي تضمها المتاحف، لقد كانت تلك الاعمال من وجهة نظرهم تستحق ان تلقي في النار. فهي تقف بين الانسان وبين ملكته الفطرية: ان يكون فنانا. انها تعيقه من المضي في الدروب الهوائية التي يقترحها خياله. كان بويز قد حقق في حياته كل ما حلم به: أن تتحول كل الأشياء التي تمتد اليها يده الي أعمال فنية، غير أنه لم يكن يفكر بالفن الجاهز علي طريقة الفرنسي مارسيل دوشامب الذي لا تزال نسخ من مبولته الشهيرة تحتل اماكن بارزة من متاحف عديدة في العالم، (رأيت واحدة موقعة في متحف ستوكهولم). كان بويز يكسب الأشياء التي يجلبها من عدمها عواطف ساخنة، يمر بها بالزمن الذي صنع منه واحدا من أكبر المشائين في عصرنا. كان بويز يتجول بين المعاني السرية التي تتواري في عزلاتها، ليهب من خلالها حياته المعني الذي يريد. فكان العمل الفني أثرا ينطوي علي قيمة الوثيقة الحساسة التي لا يمكن استجلاء معانيها مباشرة. كل عمل فني هو حكاية. أعاد بويز الفن الي زمن الحكاية، لكن بطريقة مختلفة تماما. فالأشياء العادية التي كان يكسبها بريقا لا تذكر بالناس العاديين، فحسب بل وايضا بمضيهم غير الموثق الي الحافات، من غير أن يقرروا ذلك. كان لدي بويز بعد ان تخلص من مهنته رساما وقتا كافياً للنظر الي الأشياء من جهة لانفعيتها المسترسلة في رخائها. الوقت الثقيل علي الضحية كان بالنسبة لذلك الفنان فضاء لنزهة بين اللقي الفالتة من قدرها التعيس. ولكن ما الذي كان بويز يوشوشه في اذن الارنب الميت؟ هذا السؤال يتعلق بوظيفة النقد في عصرنا أكثر مما يتعلق بالفن. علي الرغم من أن هناك انحرافا قد طرأ منذ عقود صارت الأعمال الفنية بعده بمثابة محاولات لنقد الفن من داخله. 2الناقد بصيغته الادبية هو رجل اغوته فكرة تحويل الاشياء والوقائع الي كلمات. الصورة التي يستطيع تحويلها الي كلمة هي مناسبة لاستبدال عالم بآخر. وعن طريق ذلك الاستبدال يبعث الناقد الحياة في ما لا يري من المزاج التصويري، ما عجز الفنان عن اكساء روحه لحما فظل مثل الشعور باللذة هائما ومحلقا وشديد اليأس. ولكن هل يكفي هذا الوصف لتعريف وظيفة الناقد في عصرنا والتعرف عليها؟ منذ زمن بعيد تحول الصنيع الفني الي بضاعة، فضاؤها السوق. وهو فضاء تأويل بصري وأدبي في الوقت نفسه، غير أنه كان أيضا حيزا للاستثمار المالي. وهو ما جر النقد إلي مواقع أخري بعيدة عن محاولة احتواء الصنيع الفني وتجسيده بلغة بديلة. اكتسبت النقد حيوية خارجية لا تزال مبهمة (ما بين الوشاية البريئة وبين الدسيسة المتقنة) جعلت منه مساهما في تثقيف الاموال. أرنب بويز سيكون موجودا دائما في مكان ما. كان الناقد فيما مضي يرعي موهبتين في اعماقه: حساسية التذوق الجمالي العالي والدقيق والمفعم بخيال جريء اما موهبته الثانية فانها تتعلق بكفاءة حرفية تعينه علي كتابة نص مرفق. اليوم اضيفت موهبة ثالثة: الحس التجاري الذي لا يخطئ وإلا قاد ذلك الخطأ الي خسارة أموال طائلة والي ضياع سمعة مؤسسات كبري. لنأخذ علي سبيل المثال عمل الفنان البريطاني أنيش كابور (من أب هندي وأم عراقية) المعنون بوابة السماء في شيكاغو الذي يزن 125 طنا من الفولاذ (بلغت تكلفته عشرة ملايين دولار) مثالا علي مغامرة مالية، كان للنقد دور خطير في دفع الفنان الي موقع الثقة بالنسبة للمؤسسات المالية الداعمة وبالنسبة للسياسيين في المدينة. نجح كابور فكرر مغامرته العملاقة في نيويورك، بعد زمن قصير. هناك مثال آخر يبدو أكثر عبثية: البرازيلي ارنستو نيتو، غالبا ما ينشئ أعماله في مكان العرض نفسه. أي أنه يحضر الي ذلك المكان وليس معه سوي رسوم مصغرة في دفاتر وأفكار تحملها رأسه. نيتو يملأ قاعة العرض بأشكاله المصنوعة من مواد مختلفة يقف القماش الشفاف في مقدمتها، لا يتمكن المشاهد من رؤيتها إلا من خلال اختراقها والسير بصعوبة في متاهاتها. وحين ينتهي العرض يسافر نيتو من غير أن يحمل أي شيء معه من المعرض. يترك تلك الاعمال لادارة المعرض تفعل بها ما تشاء. حتي أن ادارة (كونست هال) في مالمو السويدية تركت تلك الاعمال للعاملين فيها. تكلفة ذلك المعرض الذي لم يبق منه إلا افلام علي اشرطة الفيديو وصور بلغة رقمية كانت عالية. ومع ذلك فان الادارة تشعر بالفخر لانها قدمت نيتو الي جمهور المدينة. هل هو جري وراء أوهام صنعها النقاد أم أن هناك من الحقائق ما لم يتم ادراكه بشكل مباشر؟3اذا حدث تبدل خطير في مفهوم العمل الفني. وهو ما جعل مفهوم الفن كبضاعة هو الآخر يتغير. الاعمال الفنية الان اما أن تعرض لتبقي الي الابد، كما هو الحال مع منحوتات حدائق تويلري بباريس أو انها تعرض لتتلف فيما بعد أو لتختفي علي هيئة اجزاء كما هو حال معرض نيتو، الذي ذكرناه سابقا. وهو ما يعني أن حيز الاقتناء ضاق فيما اتسع حيز الحق الديمقراطي في أن يكون العمل الفني ملكية عامة. صار في امكان الجمهور العادي اليوم الاطلاع وبيسر علي اعمال كبار الفنانين وهي معروضة في الحدائق العامة، لا بصفتها انصابا للذكري بل بصفتها كائنات جمالية تشاركنا سبل العيش، لكن عند حافات التخيل. مع هذا التحول يعود النقد إلي وظيفته الأولي: التبشير بالفن بصفته فعلا ممكنا، ورعاية العمل الفني من جهة التأكيد علي وجوده الجمالي المحض. وكما أري فان المدن التي تخصص الكثير من الاموال لمثل هذه العروض العامة والدائمة انما لا تطمح الي تزيين المدينة، كما قد يتراءي للبعض بل الي جذب اقدام الجمهور الي المتاحف والقاعات الفنية المغلقة. جزء من هذه المهمة النبيلة يقع علي عاتق الناقد. فهو الذي يزيح الغبار عن الاجوبة الاستفهامية التي ينطوي عليها الصنيع الفني، وهو الذي يحفز خطوات الجمهور للتقدم في اتجاه ما هو غامض وملغز ومحير، وهو يهب العمل الفني احيانا معني الايقونة، علي الرغم من ان فناني عصرنا يظهرون نفورهم من ذلك المفهوم. 4من الفن الصافي (المسيج بعزلة بلاغته النقدية) الي الايقونات المشرعة علي شتي انواع الابتذال الوصفي الممكن مرورا بتكريس الفن بصفته بضاعة استثمارية، لا تزال بنوك كثيرة مغرمة بها، مارس النقد سلطته الغامضة. وهي سلطة تتمتع بها قلة من البشر، لا تستغني عنهم مجلات الفن ومواقع الانترنيت والمزادات والقاعات والمتاحف الفنية. تلك السلطة يمكن تبينها سلبياتها اليوم من خلال ذلك العدد المحدود من الفنانين الذين يتم تبنيهم في السوق الفنية العالمية. وهو تبن لا يفصل بين الاحتكار وبين الاموال التي تنفق من أجل تحقيقه. وهو مبدأ يخرج العملية برمتها من اطارها الديمقراطي ليلقي بها في اتون ممارسات عصبوية مريبة وشاذة أحيانا. هناك اليوم ملايين الفنانين في العالم، لنقل افتراضا أن الافا منهم تستحق أعمالهم أن ينظر اليها بشكل جاد، غير أن ما يتم تسويقه من اسماء لا يتعدي العشرات. اسماء يتم تسويقها مثلما يحدث مع آخر مبتكرات الموضة النسوية (الملابس ومستحضرات التجميل)، لنجدها في المتاحف والقاعات والمجلات المتخصصة وعلي صفحات الانترنيت وفي المعارض العالمية الكبري. ما دام الفن قد اصبح مجالا لاستثمار مالي ومدني كبير فلا يمكن استبعاد اي نوع من المؤامرة الخفية. وهي فكرة تريح الكثير من الفنانين الذي يشعرون بانهم صاروا ضحايا النقد. فيما الحكاية في حقيقتها تضع النقد في ميزان مرتبك وحزين. فالناقد الذي كان يوما يفخر بصفته الموضوعية وهي صفة زائفة علي أية حال صار اليوم يستخرج نبوءاته من قلب المزاج المتفائل للمؤسسة الداعمة التي تتبني طروحاته. إنها علاقة تشي بالكثير من الاحتمالات. 5لا يزال في امكان الفن أن يهدئ من روع الناس، وبالاخص اولئك الذين يتساءلون: اين الجمال؟ وهم يرون معارض ضخمة لا تعنيها فكرة الجمال، بل انها لا توجه خطابها إلا الي ذلك الارنب الميت. ومن هنا يمكننا التأكيد علي أن حاجة الناس اليوم الي النقد الفني هي أكبر من حاجتهم اليه في أي زمان مضي. وهي مهمة شاقة، ربما لان الفن اختار أن يكون هذه المرة يوميا ومجانيا ومبتذلا أكثر مما يجب. لم يعد الاشفاق ليشكل هاجسا بالنسبة لفنان اليوم. اختفاء المسافة بين المتلقي والصنيع الفني ساهم في هدم معبد الجمال الضروري. لذلك لن يكون في امكان ناقد اليوم أن يمثل دور بودلير أو هربرت ريد أو حتي ابولينير. لم يعد هناك مثال نبوئي يسعي الناقد الي اقتفاء أثره. فالديمقراطية تهب حقوقا لتسلب أخري. لقد اختفي الفن الفردي. ضاع الاسلوب الذي كان بيكاسو يدعي انه يأتي بعد الموت. وإذا ما كان اتجاه ما بعد الحداثة قد مزج الازمنة ببعضها فانه في الوقت نفسه وضع الفنان في مواجهة خيار لا شخصي. وهو خيار معولم، لا تفارقه فكرة المتاهة. الفن اليوم يمارس النقد بذاته. هناك دائما مرويات ترافق الاعمال الفنية يكتبها الفنانون بأنفسهم. غير ان النقاد لا يزالون يلعبون دورا خطيرا في اللعبة. ولكن هل سلبت سلطة الفن اليوم النقد حريته؟ في الحقيقة ما يجري من تحولات فنية هو خيار نقدي، قد نختلف علي تحديد درجة اصالته، غير أنه ينتمي بالتأكيد الي ما يتمني النقد وقوعه.

ہ شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية