سهيل كيوان
لسبب وجيه عاش أهالي مدينة الرملة العرب حلما ورديا في الأسابيع الأخيرة كاد يشعل فتنة مؤجلة بين العرب واليهود في المدينة التي يبلغ عدد سكانها حوالي سبعة وستين ألف نسمة والتي تقع علي مرمي قنبلة غاز مسيلة للدموع من مدينة اللد، هذا الحلم شغل وسائل الاعلام العبرية والعربية المحلية لأكثر من أسبوعين ويتلخص بأن العرب الذين يشكلون عشرين بالمائة من سكان المدينة (التي مصدر تسميتها الرمل) حلموا بحسن نية أن يكون للشوارع في الأحياء العربية التي يقطنونها أسماء عربية! فتوجهوا الي رئيس بلديتهم اليهودي الليكودي بطلبهم البسيط هذا، وتساءلوا بحسن طوية و(بالأمل) بما أن لنا حاراتنا ولكم حاراتكم ولنا شوارعنا ولكم شوارعكم فلماذا يا تري تفرضون علي شوارعنا أسماء رموز عبرية مثل (بياليك وموشيه رابينو) فنحن لا تنقصنا الرموز، وحتي مؤسس هذه المدينة منذ ثلاثة عشر قرنا كما تعرفون هو من جماعتنا ويدعي الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك! ألا يحق لشوارعنا أسماء عربية! (ويا حرّة مع مين علقتي)! فقد طار صواب رئيس البلدية تماما ويدعي (يوئيل لافي وهو من أصل بولوني) واعتبر هذا المطلب محاولة انقلابية تمسّ الركن الثالث من أركان اسرائيل ألا وهو تغيير أسماء الشوارع والمواقع العربية الي عبرية، وبناء عليه طالبهم بالرحيل عن المدينة الي الجحيم فان لم يجدوا مكانا فليدبّروا حالهم في قرية عربية مجاورة من الفئة الناجية من دمار النكبة الشامل! وانهال بالمسبات من (الزنار وتحت) بألفاظ لا يهتدي اليها سوي (فاعلات تاركات) علي أطراف مدينته، ونشر الخبر عن أحلام عرب الرملة في الاعلام العبري كأنها عملية ارهابية ولكن لحسن الحظ لم تقع ضحايا، وظهرت خلال ساعات مئات الردود والتعليقات التي تحيي الرئيس علي بسالته وصموده في وجه أحلام المتطرفين العرب! وراحوا يقترحون بسخرية أسماء عربية لشوارعهم بما أسعفتهم به جهالتهم! وطبعا أخذ سكان الرملة العرب علي خاطرهم فهم لم يقصدوا القاء اليهود في اليمّ الأبيض المتوسط، وكل ما أرادوه هو أن يكونوا علي تناغم مع أسماء مرابع طفولتهم وشيخوختهم ورفاتهم! طبعا هرع أعضاء الكنيست العرب غاضبين مستنكرين التصريحات العنصرية وطلبوا بحث القضية بشكل عاجل في أروقة الكنيست! وبشكل عاجل تحولت القضية الي المطالبة فقط باعتذار من رئيس البلدية علي تصريحاته العنصرية فلف ودار ولم يعتذر بل أخرج المزيد مما في مصرانه الغليظ من بذاءات عن طريق فمه، وبقيت الشوارع بأسماء عبرية والعنصرية بألف خير وسلامة! قضية الأسماء هي واحدة من ثلاثة اقانيم قامت عليها اسرائيل فبعد القتل والتهجير عام 48 جري تدمير منهجي للفن المعماري ذي الطابع العربي الاسلامي، تلته عملية تغيير المسميات بما يلائم ليس فقط نظرية أرض بلا شعب بل ايضا شوارع ومدن بلا أسماء!
ولكن اذا فهمنا الوضع في المدن اليهودية أو التي صارت ذات أكثرية يهودية فكيف نفهم أنه لا أسماء اطلاقا للشوارع في المدن والقري التي لا يعيش فيها سوي العرب! في مدينة الناصرة مثلا توجد ثلاثة او اربعة شوارع تحمل اسماء وما تبقي فهي نكرات.. وبعضها حمل أرقاما تحتاج لحاسوب لحفظها وهكذا وضع بقية المدن والقري العربية! تورطت مرة في حياتي ودخلت عضوية المجلس البلدي فتحمست وأثرت القضية ورحت اقترح أسماء طالما حلمت بها لشوارع بلدتنا لأكتشف وبسرعة أن شق شارع في جبل من الغرانيت بالشوكة والسكين أسهل بكثير من تسميته، فالخلافات الأولية تبدأ بيننا فقد تقترح اسم مفكر أو مناضل عظيم بنظرك سيتضح لك بعد دقائق أنه فاسق ولا يمكن أن نكافئه بتسمية شارع باسمه، وقد يقترح البعض اسما تري أنت فيه (قطعة من مؤخرة بغل) وليس أكثر! أما اذا حدثت المعجزة واتفقنا علي التسمية حينئذ يتم نقل الاقتراحات الي لجنة التسميات في الكنيست وهي تبت بالموضوع، وهذه اللجنة كلفت نفسها بمهمة الذهول من أي اسم عربي قد يوحي أو يحمل رمزا مناهضا أو ممانعا، فاذا اقترحت مثلا اسم عبد الرحيم محمود الذي حمل روحه علي راحته سيقترحون عليك شارع البطيخ الذي يحمل روحه ومذاقه في لونه! واذا اقترحت ساحة أو شــــارع الشهداء لأن لكل قرية نصيبها منهم اقترحوا عليك ساحة الخرفيش أو اللوف وحتي قضيب العبد!
لقد أثبتت الشوارع في مناطق الصراع أنها ليست للمشي فقط، اسم الشارع هو جذور وتاريخ وثقافة ومستقبل! أما الاصرار علي ابقائها بلا أسماء فهو جزء من نهج الالغاء والتجهيل المستمر ضد سكان البلاد الأصليين وأجيالهم القادمة! أن تعيش في شارع رقم 3456 وصديقك في شارع 1320 وخطيبتك في زقاق 399 فهذا يعني أنكم كلكم صفرعلي شمال التاريخ! أطفال الرملة العرب لم يستسلموا وحملوا لافتات بأسماء مفكرين وقادة عرب يحلمون بها لشوارعهم وتظاهروا أمام البلدية التي ردت عليهم بمزيد من العنصرية! فعلا انها معركة شوارع يجب دعمها ومواصلتها وتأجيجها حتي تحصل شوارعنا وأحياؤنا علي الأسماء التي تليق بأرواحنا فهي ليست مقطوعة من شجرة كما يريد لها قادة اسرائيل بل هي فرع من شجرة طيبة (أصلها ثابت وفرعها في السماء)! ہ كاتب من فلسطين 8