خليل قانصو
تصدرت صورة تُظهر الرئيس الامريكي في البيت الأبيض، جالسا الي جانب رجل دين عراقي، الصفحة الأولي من جريدة “القدس العربي”، عدد 5 كانون الأول (ديسمبر) الجاري. كما أن بعض وسائل الاعلام المرئية عرضت لقطات من لقاء الرجلين بينما كان الزائر يقرأ أمام مضيفه خطابا باللغة العربية.. وفي مناسبة سابقة، رأي المشاهدون علي الشاشة الصغيرة تحقيقا مصورا، يبدو فيه زائر البيت الأبيض نفسه، وكان آنذاك في بلد مجاور، يستعرض رجالا يلبسون الزي العسكري ويحملون السلاح.. وبعد احتلال العراق، كان المعممون الذين يعينهم الحاكم الامريكي في مختلف المجالس التي كان يستعين بها، يعانقونه أمام عدسات الصحافيين. هذه الأمور حدثت كلها فعلا، رغم صعوبة قبولها في المخيلة العربية ورغم عدم قدرة الوعي العربي علي ادراكها.
كيف يستطيع العقل الذي تغلبت عليه عصبية القبائل وأغرقته حروبها في بحار من الدماء، فهم هذه الصُوَر؟ وأي أداة تمكنه من استشراف وجهة الخلاص، أو بأي منظار يتوجب عليه فحصها لتظهر مبرراتها ودلالاتها؟ وبما أن العروبة كاطار اجتماعي وثقافي طبيعي وضروري تتكامل فيه قدرات شعوب المنطقة العربية، تضامنا وتعاونا، لم تعد مرجعا، حسب العرف القبلي، لتقييم الفعل في الشأن العام، فلا مناص اذن من الاحتكام الي المصطلحات التي يستخدمها لتنميط العرب، أصدقاؤهم و أعداؤهم، وقد صار التمييز بين هؤلاء وأولئك أمرا عسيرا. من هذه المصطلحات، التدين: وهنا لا بد من الاشارة، منعا لأي غموض أو لُبس، الي أن ما يلي موضوعه الحصري هو المتدين، وليس الدين، بمعني أن المتدين هو انسان يعبر في مواقفه ومن خلال تصرفاته، عن سيرورة فردية، تتطور وتتواصل طيلة حياته. وهنا يدخل العامل الذاتي، اضافة الي الحركية الدائمة توقا الي الارتقاء والي الاقتراب… ينجم عن ذلك اختلاف المتدين عن المتدين الآخر، واستحالة تحديد طبقة أو فئة من المتدينين، بسبب صعوبة ايجاد المعايير أو المقاييس لتعيين حالة قائمة ودائمة من التدين. ولكن أيا كانت درجة الاختمار الديني في نفسه، وأيا كان الدين الذي يستنير بهديه، ويتهذب بتعاليمه لا يصدق المؤمن ولا يستقيم ايمانه ما لم تقترن عباداته بالعمل الصالح في خدمة الغير، رفعا للظلم وصونا للحق وانتصارا للعدل. وفي هذا السياق، لا بد من الاعتراف، بأن هذه المقاربة للتدين، بما هو صيرورة مستمرة لا نهاية لها، تُسْقط ضمنيا، في الحقل الديني علي الأقل، كل امتياز ناتج عن إرث أو عن نسل أو عن عرق. ليست الفضيلة ارثا، وليست التقوي سمة جنينية. كما أن هذه المقاربة، اذا ثبت صوابها، تضع دور رجل الدين في اطار التدين، وتنقض ازدواجية في الفهم تضفي أحيانا علي هذا الدور رسالة الهية لم يحملها الا الأنبياء. واستطرادا فان حكومة النبي العربي في المدينة هي فريدة في قيادتها وفي زمنها. وهنا لا بد من التذكير، بحركة الارتداد التي فجرتها العصبيات القبلية، حينما توفي النبي. آنذاك كثـُر المتنبئون ولاقوا تعضيدا من أغلب المرتدين الذين وجدوا فيهم الرمز الروحي المفقود لحركتهم الانفصالية ہ (الشيخ عبد الله العلايلي: مقدمات لفهم التاريخ العربي). لا غرابة اذن في أن يكون المتدين، في حيرة من أمره، امام ما يجري من نزاعات في البلاد العربية، ُيقحم فيها الدين من قبل أفرقاء، كل منهم يريد قانونا يمنحه امارة وبئرا يطفح النفط منها. ويتملك المتدين أيضا القلق والخوف عندما يستقرئ الآخرون ما في نفسه وينطقون باسمه، ويحسبونه في عداد أنصار هذه الجماعة أو تلك. لقد تدثّرت القبيلة بعباءة الدين، وألغت وحدانية الفرد، وذاتيته. ولكن المأساة الحقيقية، تكمن في مصادرة العقل، وفي شل القدرة علي المساءلة، تغليبا لسلطة امام القبيلة أو شيخها، وهي سلطة مطلقة ودائمة ما دام في جسده عرق ينبض.. هكذا، صارت مشاكل العرب تتناسخ، وتتوالد كالأورام. ينجم عن هذا، استفحال المعادلات العبثية في الساحة العربية، واندفاع الأطراف الفاعلة عليها الي التصادم فيما بينها بحماسة كبيرة، الي حد أن العداوة التي باتت تضمرها هذه الأطراف لبعضها البعض، باتت أشد من عداوتها للمستعمر الذي يغتصب أرض فلسطين، ومن عداوتها للمحتل في بلاد الرافدين. فاذا تصدت فئة من الناس في بلد عربي، لجيش أجنبي جاء اليه غازيا، نِـُمطت هذه الفئة، وأُخرجت لها صفة طائفية أو مذهبية أو عرقية أو حزبية، ونفرت لقتالها، ولاعتراض نضالها، في البلد ذاته فئات أخري ادّعت تمثيل طوائف ومذاهب وأعراق وأحزاب. واللافت للنظر أن ما من أمر يثير نخوة الحكومات العربية كما تثيرها الفتنة المذهبية. فهي من جهة لا تجد حرجا في معاونة الغزاة، ولا تتورع عن ملاحقة المقاومين لهم ولا عن التنكيل بهم، ومن جهة أخري لا توفر جهدا ولا تترك وسيلة الاّ وتلجأ اليها لتأجيج الصراع المذهبي لاغراق المقاومين الوطنيين في وحوله. تقود، مقاتلة أو مضايقة أو سجن أو نزع سلاح من يقاوم المحتل، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الي دعم الاحتلال والي اطالة وجوده. واستطرادا فان الأشخاص الذين يجيشون الأنصار تحت شعارات مذهبية، لا يؤمن بها في الحقيقة الا البؤساء الذين أعماهم الجهل والعوز عن دينهم ودنياهم، ثم يدفعونهم الي الاعتداء علي نساء المقاومين وعلي أطفالهم، انما يرتكبون فعلا قبيحا ومؤذيا، ليس فقط بحق شعبهم بكل أطيافه، ولكن أيضا وبصورة خاصة بحق المتدينين المنمطين في المذهب الذي يدعي هؤلاء الأشخاص ظلما، النطق باسم أتباعه، ناهيك عن غير المتدينين المدرجين رغما عنهم، في هذا المذهب أو ذاك.
أن يُقدم فريق من الناس علي التعامل مع العدو الذي يحتل بلادهم، ليس بالأمر الغريب، بالرغم مما يعنيه ضمنيا مثل هذا الفعل، من خطر علي وحدة الوطن وعلي مشروع العيش المشترك الذي تآلفت حوله مكونات الشعب وانصهرت في كيان دولة قومية. واستنادا الي هذا المفهوم يكون الفريق الذي وقف الي جانب العدو قد نكث عهدا، وعليه أن يتحمل مسؤولية ما قام به. ولكن هذا التحليل لا يستقيم الا اذا كانت القومية تملأ مساحة الوطن كلها، وليس كما هو حال العرب اليوم، قبائل تتصارع في أوطان رسمت حدودها القوي الامبريالية في بدايات القرن الماضي. ومرد ذلك في نظر بعض المفكرين الي أن التربية الدينية لم تجر علي النحو الذي جرت عليه في زمن النبي، ولم ُيقض علي المزاج العقلي القبلي مما أعاق التَخَلـُّق بخَلْق الأمة علي شكل صالح.
ہ الشيخ عبد الله العلايلي.
لا شك أن هذا المزاج العقلي القبلي، القاصر بطبيعته عن فهم الدين وعن فهم معني الدولة، هو والي حد كبير، وراء استشراء التناقضات علي الساحة العربية. من البديهي انه يصعب الجمع بين مهمة رجل الدين من جهة، وبين دور الناشط السياسي من جهة ثانية. والا استـــمرت الحـــروب القبلية والفـــــتن المذهبية، وحلت بدائية شعار أنصر أخاك ظالما أو مظلوما مكان عظمة شعار آخر لا فضل لعربي علي أعجمي الا بالتقوي. لقد أراد النبي (ص)، من استبدال اسم يثرب بالمدينة، أن يكرس نظرة لمكان السكن لم تكن معروفة في الجزيرة العربية. الجديد في هذا يكمن في (جرس الكلمة) مدينة.. حيث تتجاور مفردة (دِين) ومفردة (دَين) والدَين هو ما للمكان من حق علي المواطن. فالنبي أسس مدينة عربية، ارتقاء بالمواطن، من أجل كسر آلة الحرب القبلية، ليتعافي المكان من ويلات فقدان العقل البدوي للذاكرة ہ كتاب يوسف صديق: نحن لم نقرأ القرآن أبدا. ہ كاتب عربي ـ مقيم في فرنسا8