الاستجابة للمراودة السورية ستكون مجدية علي اسرائيل
تثير اعمال سورية الأخيرة قلقا في اسرائيل يتصل بنواياها. فمن جهة يتوجه ناطقون سوريون الي اسرائيل ـ بل يتوسلون ـ لتجديد الاتصالات بينهما. ومن جهة ثانية لا تقتصد دمشق في التصريحات القتالية، وتعزز القوات في الحدود مع اسرائيل وتُحدث انطباعا بأنها متجهة الي الحرب. لكن قبل أن نرد أقوال مصالحة نظام البعث، يجب أن نفكر في الوضع المركب الذي دُفعت اليه سورية اليوم، وفي المعضلات الرئيسية التي تواجهها.
منذ حرب يوم الغفران أجرت سورية محادثة مع اسرائيل، قامت علي رسائل مزدوجة: الاستعداد للتحادث الي جانب استعمال الضغط العسكري. في منتصف السبعينيات بادرت دمشق الي حرب استنزاف، لكي تُحدث موقف مساومة محسنا في التفاوض الذي أجراه هنري كيسنجر لفصل القوات، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1993، عشية افتتاح الحوار مع حكومة رابين، شجعت دمشق حزب الله علي مهاجمة الشريط الأمني جنوبي لبنان. لا تري ثقافة المساومة السورية الرسائل المزدوجة تناقضا، بل وجهي القطعة النقدية الواحدة: أي السعي الي تسوية مع أكبر قدر من الوسائل لاحرازها. هذا الوضع يصبح أكثر تعقيدا، وبين يديه الواقع التاريخي الشديد التقلب.
ان الحلف الذي عُقد لحينه بين سورية وايران نبع من كونهما دولتين معزولتين. ان دمشق ما حافظت علي مكانة رفيعة في لبنان وحظيت بتوقير اقليمي من اجل ذلك، فقد كان لنظام آيات الله مصلحة واضحة في الحفاظ علي العلاقات الخاصة بين الدولتين.
في ذروة فورة العلاقة العاطفية، لم يخفِ الايرانيون علاقتهم السيادية علي محالفهم الفقير المتقلب. في آب (اغسطس) 1997 عبرت الصحيفة الايرانية رسالة عن امتعاضها من العلاقات العرضية لسورية بالولايات المتحدة واسرائيل، وعن مراودتها طهران في أعقاب فشلها. علي هذا النحو، كانت سورية ذخرا ايرانيا، ما حافظت علي أبواب الدخول للهلال الخصيب. إن ذهاب صدام حسين، وسيطرة الشيعة علي جنوبي العراق، والانسحاب السوري من لبنان وفوز حماس، قللت من أهمية نظام البعث. اليوم تستطيع ايران أن تجري حوارا مع جهات عربية من غير ان تحتاج الي وساطة سورية. تستطيع ايران أن تكون عاملا اقليميا بفضلها هي نفسها وأن تحول رسوم الوساطة، السياسية والمادية، الي حلفائها مباشرة. ولم نذكر بعد مكانتها المطورة كقوة ذرية. ان ايران ما حافظت علي تقليل ظهورها الاقليمي، كان الحلف مريحا للسوريين. علي هذا النحو كانت تستطيع دمشق ان تحافظ علي علاقات سوية بدول الخليج الغنية، وأن تستمتع بدعمها المالي وأن تحافظ علي مكانة معقولة في الساحة العربية العامة. تغيرت هذه الظروف مؤخرا. ان نجاح الفاعلية الايرانية يُضائل بقدر ملحوظ مجال المداورة السوري. تخاف الجهات المعتدلة في دمشق من أن قبول احتضان الدب الايراني سيجعل سورية عاملا واحدا من بين عوامل كثيرة في الكتلة المعادية لامريكا، وسيعوق امكانية اجراء حوار مع الولايات المتحدة، وسيعمق عزلتها الاقليمية والدولية.
تُعبر خطوات سورية الأخيرة عن الضغط العظيم الذي دُفعت اليه، وعن رغبتها في الخروج من الحصار. اذا ما استمرت اسرائيل في اغلاق أذنيها عن صرخاتها، فانها لن تضيع فرصة السلام فقط، ستساعد ايضا علي عقد حلف متشدد يمتد من الخليج العربي حتي البحر المتوسط. إن الاستجابة للمراودات الملتوية لسورية ستخدم المصالح الأمنية لاسرائيل أكثر من كل حيلة اعلامية أو أمنية اخري.
غاي معيانكاتب في الصحيفة(معاريف) 18/12/2006