القصر دفع عبيدات ورفاقه لمغادرة مقاعد الاحتياط والعودة للعبة:
عمان ـ “القدس العربي” ـ من بسام البدارين: تحقق مفردات العاهل الأردني الأخيرة بخصوص ملف حقوق الانسان التوازن المنشود في البلاد بين جماعات حقوق الانسان والمجموعات الرسمية الحكومية وغير الحكومية التي اعتبرت (حقوق الانسان) خارج سياق الأولويات والاهتمام مرحليا بسبب طبيعة التحديات الأمنية التي يواجهها الاقليم وبسبب اشتعال احتمالات الحرب الأهلية في ثلاث دول مجاورة للأردنيين.
وما قاله الملك في اجتماعه امس الأول بمجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الانسان يعيد انتاج المشهد الداخلي ويرفع معنويات المنظمات النشطة في مجال الحريات وحقوق الانسان بعد ان رسمت شخصيات حكومية طوال أكثر من عام خطوطا (رمادية) فهم منها ان الفرصة غير متاحة للاهتمام بترف التجربة الديمقراطية او الليبرالية وان الوقت حرج وحساس والأولويات (الوطنية) لا تشمل ملفات من هذا الطراز. وبذلك يعيد خطاب القصر الملكي نصاب الأمل والتفاؤل للمعنيين بملفات حقوق الانسان بعد ان غادر الأمل عائلات النخب المهتمة بالموضوع، والرسالة في الواقع كانت مبكرة وتوحي بان المؤسسة المرجعية تقيم خيارات الاستعداد لانتخابات عام 2007 التي ستشهدها المملكة وأول ملامح الرسالة برزت عندما اصطحب الملك في زيارة خارجية معه مؤخرا الرئيس أحمد عبيدات الذي أختير في وقت سابق لتأسيس ورعاية ورئاسة المركز الوطني لحقوق الانسان كمؤسسة رسمية تحظي برعاية القصر وتختص في المجال.
وعودة عبيدات للأضواء بعد ان جلس في مقاعد الاحتياط لفترة طالت نسبيا تعني عودة طريقة تفكيره للأضواء، بالمقابل فالرجل اصبح رمزا من رموز العمل المدني ومعروف بالجدية المطلقة ويتميز (بهيبة خاصة) لا يمكن لأي حكومة تجاهلها وفرصه في تثبيت وفرض أجندة وطنية ملكية بخصوص حقوق الانسان أقوي دائما من فرص اي شخصية او حتي مؤسسة أخري بما فيما المؤسسات النشطة مدنيا في القطاع الأهلي.
والمبادرة الملكية لم تقف عند هذه الحدود بل اتجهت لعقد اجتماع مع مجلس المركز الوطني لحقوق الانسان والاستجابة فوريا لمطلب مركزي وأساسي للمركز تمثل في اغلاق أشهر سجن في الأردن وهو سجن الجفر الصحراوي الذي ذاع صيته واشتهر بسبب استخدامه في عدة محطات تاريخية كمقر لتوقيف واعتقال المعارضين المشاغبين والمناوئين للنظام وحتي النشطاء الســياسيين والنقابيين.
وقد أمر الملك بوضوح باغلاق هذا السجن وتحويله الي مدرسة ومركز للتدريب الحرفي ووجد الرئيس عبيدات الفرصة سانحة للاعلان عن عودته لمركز الضوء عبر رافعة ملكية مصرحا بان سجن الجفر اصبح وراء ظهورنا وهو تصريح علني للرجل يحمل نشوة انتصار حقيقي لرئيس سابق قاد المخابرات والحكومة، كما قاد مسيرات وتظاهرات منددة بالتطبيع عندما تقاعد بعد ان رفض التوقيع علي اتفاقية وادي عربة.
وهذا الاهتمام بعبيدات لا علاقة له بشخصه بقدر ما له علاقة بما يمثله، فالحكومات المتعاقبة خلال السنين الثلاث الأخيرة حاولت تهميش المركز الوطني لحقوق الانسان والتدخل في عمله وفي عدة مرات غضب عبيدات من هذه التدخلات حتي استقر الأمر بتعيين دبلوماسي مخضرم ووزير سابق هو شاهر بك رئيسا للمركز وهو ايضا من الشخصيات الجدية.
وفي عهد عبيدات أصدر المركز الوطني لحقوق الانسان سلسلة تقارير (جريئة جدا) عن الانتهاكات التي ترصد في المعتقلات ومراكز التوقيف وعليه يمكن القول ان جرعة الدعم الملكية مخصصة للفكرة وليس للشخص، فالقصر يظهر اهتمامه بوجود مؤسسة ذات هيبة وكلمتها مسموعة من سلطات التنفيذ وهو ما حصل عندما طلب الملك من المؤسسات الرسمية الاستجابة لملاحظات وتوصيات المركز الوطني التي تصدر دوما بخصوص الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن الأردني. وهذا النمط من المبادرات الملكية أبرز كذلك الاهتمام بالقوانين الناظمة للحريات العامة مثل المطبوعات والنشر وقانون المعلومات الجديد وهي قوانين معلقة منذ عدة أشهر لكن شعور لجنة التوجيه الوطني في البرلمان بأن هذه القوانين مطلوبة وبقوة ملكيا أعاد ترتيب جدول اهتمام اللجنة كما قال عضوها خالد البريك في أحد الاجتماعات التنسيقية مع نشطاء مدنيين. ويأتي اهتمام القصر الملكي بارسال اشارات وايحاءات تفيد بمراقبته لمسار تشريعات ومؤسسات معنية بملف الحريات العامة للمواطنين بهدف انتاج صورة متوازنة لا تطغي عليها الانحيازات الكلاسيكية لمجلس النواب الحالي الذي تغلب عليه تركيبة محافظة الي حد بعيد. وهنا يواجه منهج التأكيد الملكي عدة اعتبارات دفعة واحدة من بينها احساس الاصلاحيين بأنهم خرجوا من اللعبة والدائرة بسبب وجود تركيبة حكومية محافظة برئاسة معروف البخيت الي جانب برلمان محافظ، ومن بينها المواقف العلنية المعادية للصحافة ولحرياتها من قبل البرلمان وشخصياته الكبيرة عشية الاستعداد لمناقشة تشريعات مهمة في الاطار موجودة الآن بين ايدي النواب وهي مواقف وصلت ذروتها عندما اعتدي ثلاثة نواب وضعوا علي قائمة سوداء علي مصورين صحافيين بالضرب والشتم ومصادرة كاميراتهم. وكذلك بين الاعتبارات تكرار الموقف المتمثل بعدم ربط ملفات تطوير الاصلاحات الديمقراطية بالتوترات والتطورات الاقليمية المضادة مما يساهم عموما في رفع معنويات كل من يهتم بقضايا الحريات ويحسن صورة مؤسسات الدولة ويظهر (عدم نسيان) الأجندة الاصلاحية وعدم سيادة الهاجس الأمني فقط علي مستوي التفكير الاستراتيجي في مؤسسات الدولة.