من المحظور في أي مرحلة أن تكون اسرائيل في وضع تعرض فيه دولة عربية التفاوض معها بينما هي ترفض ذلك. في السبعينيات اقترح أنور السادات علي اسرائيل من خلال مقابلة مع صحيفة نيوز ويك اجراء مفاوضات سلمية مقابل الاراضي المحتلة. غولدا مئير سيدة اللاءات قرأت تلك المقابلة وقالت ان هذه المسألة ليست واردة في الحسبان. قادتنا اليهود اعتقدوا حينئذ أن هذه مجرد علاقات عامة الي أن نزلت علي رؤوسنا حرب الغفران، فقبلنا عرض السادات في وقت لاحق ودفعنا بالاضافة الي ذلك 3 آلاف قتيل.
مياه كثيرة تدفقت في نهر الاردن منذ ان عقدنا الصلح مع مصر والاردن اللتين هما اثنتان من الدول العربية الثلاث التي هاجمت اسرائيل عام 1948 . سورية بقيت أكثر هذه الدول تصلبا وعداء. هي ساعدت المنظمات الارهابية من دون توقف ووفرت الحماية والغطاء والسلاح لحزب الله في لبنان. ولكن منذ عام 1973 حرصت علي عدم استخدام السلاح من خلال حدودها. كان الأسد الأب يملك ميزة مفادها ان من الواجب احترام الاتفاقات، ومنذ أن وصل رابين الي سدة الحكم نشأ بينه وبين الأسد تفاهم سري: إن لدينا وديعة تعود له ـ أي هضبة الجولان ـ لتسوية مستقبلية.
الا ان كل محاولة للتفاوض عبر السنين انهارت منذ بدايتها بسبب أمور فارغة. بالأساس حدث ذلك لان سورية طالبت ثمنا شاملا بما في ذلك حق جنودها في غمس أرجلهم في مياه طبرية. في حرب العراق الثانية وجد الأسد نفسه عالقا ومكروها باعتباره معاونا لمحور الشر. ومن هذا الموقع بالذات تخرج سورية في هجمة سلمية من دون شروط مسبقة.
في مقابلة مع واشنطن بوست دعا وزير الخارجية السوري، اولمرت للتفاوض من دون شروط مسبقة، وليس من الموقع الذي توقفت عنده المفاوضات السابقة أو فشلت. بشار الأسد دعم ما قاله وزير خارجيته في مقابلة مع صحيفة ايطالية في روما: نوايانا حقيقية، واذا كان اولمرت غير جاهز فلتقرر واشنطن بدلا عنه. هناك في الأجواء رائحة انعطافة ليس فقط نحو اسرائيل، وانما ايضا نحو الولايات المتحدة.
مكانة سورية المتضعضعة في محور الشر ليست مريحة لها. بهذه الطريقة فقط يمكن تفسير هذه الاندفاعة السورية نحو السلام. اذا كان يوم الحساب مع ايران آتيا لا محالة فان الأسد يفضل ارسال رسائل بروحية القذافي للولايات المتحدة: كيف الخروج من هنا؟
، ليست لديه رغــبة في ســــحق نــــفسه علي يد المجنون من طهران.
نمرود نوفيك يقول في ورقة العمل التي قدمها لمجلس السلام والأمن ان الأسد قد فهم من حقيقة ان اسرائيل كانت مستعدة للخروج في حملة عسكرية مع المخاطرة في تعريض مواطنيها للهجمات الصاروخية، وعندما حدثت هذه الهجمات لم تسارع الي استغلال الفرصة لانهاء الحرب، وأن اسرائيل لم تخش مهاجمة أحياء مأهولة في بيروت وبرهنت علي قدرة استخبارية وميدانية في تدمير منظومة حزب الله الصاروخية بعيدة المدي، ومع ذلك تمتعت بمظلة سياسية امريكية منعت مجلس الأمن من فرض وقف اطلاق النار. سورية فقدت حزب الله علي المدي القريب كوسيلة غير مباشرة لمهاجمة اسرائيل من الاراضي اللبنانية.
الدعوات للتفاوض لم تأت من الفراغ. نظام الأسد قلق من دوره في العراق ومن الحملة الجديدة في التحقيق في مقتل الحريري ومن عزلته عن محور الدول المعتدلة، وهو أكثر من كل شيء لا يرغب في ان يكون قريبا عندما يقرر بوش الرد أو الضرب. مع ذلك من الواضح أن الشرط المركزي في دعوة الأسد غير المشروطة كان وما زال هضبة الجولان. الهضبة ليست منقوشة في التوراة وهي ليست مسألة مركزية بالنسبة للمستوطنين الخلاصيين. المسألة بالنسبة لنا مكان رائع يطيب العيش فيه منذ ثلاثة عقود ومناظر خلابة، وبالطبع نقطة استراتيجية. “عيون الدولة” التي ستستوجب تسويات تضمن قبل كل شيء أمننا في الشمال.
معارضة ايهود اولمرت للمبادرة السورية ليست ذكية. بوش سينصرف الي بيته، إلا أننا سنبقي هنا. اذا كانت الحكومة بحاجة الي جدول اعمال فان التحدي السوري هو من نوع البرامج الوطنية التي تستوجب الشجاعة والحكمة التي يسخر اولمرت بها جدا. احتمالية نمو حديقة ورود من هذه الزهرة ما زالت صغيرة طالما بقيت ايران موجودة كمصدر تهديد للبشرية، إلا أن علي اسرائيل في كل الاحوال ان تكون دائما في حركة ديناميكية، وأن لا تكون أبدا سلبية في تطلعها الي السلام. حتي اذا كان أحد كبار أعدائنا يمد لنا يده فعلينا أولا أن نقول: نعم.
يوئيل ماركوسكاتب في الصحيفة(هآرتس) 19/12/2006