حفيدي تومر عمره سنة ونصف سنة. اعتدنا أن نلاعبه باخفاء الأعين بالراحتين، وأن نسأل أين تومر؟ أين تومر؟ وأن نرد بأنفسنا ـ تومر غير موجود!. هذه اللعبة الساذجة تُذكرني بسياسة الغموض الذري لاسرائيل. منذ عشرات السنين يري الجميع اسرائيل احدي القوي الذرية، لكن ما لم تصدق اسرائيل ذلك رسميا، فانه يستطيع من يريد أن يغطي عينيه براحتيه وأن يسأل من استكملت هنا تطوير سلاح ذري؟
، سيكون الجواب وفق ذلك لا توجد هنا قوة ذرية!. أوجد شمعون بيريس في 1963 الغموض الذري لاسرائيل، عندما طُلب اليه أن يرد علي سؤال الرئيس جون كنيدي. لن تكون اسرائيل أول من تُدخل السلاح الذري الي المنطقة، أجاب اجابة غامضة. طمأن هذا الجواب الرئيس كنيدي ولم يطلب تفسيرات وتوضيحات. منذ ذلك الحين طمأن هذا الجواب ايضا الجهات الثلاث الرئيسية التي يفترض أن تتطرق الي التطوير الذري عند اسرائيل.
الجهة الاولي التي تريد جوابا هي الشعب في اسرائيل، وبالطبع ـ الجهاز السياسي الاسرائيلي. إن برامج التطوير الذرية لاسرائيل هي المشروع الأمني ذو الخطر الاستراتيجي الأكبر لوجود الدولة. إن الغموض يُطمئن أكثر الجهات، لا يطلب أحد اجراء نقاش معلن وأساسي لهذا الموضوع. في هذه الظروف، يسهل عمل الرقابة التي أفضت الي اعتقال مردخاي فعنونو، والي ابعاد الدكتور أفنير كوهين من البلاد ومحاكمة العميد (احتياط) اسحق يعقوب.
الجهة الثانية هي الادارة الامريكية. ينبغي ان نفترض ان للادارة مصادر استخبارية تُمكّنها من الحصول علي صورة أكثر تفصيلا ودقة، تتجاوز الصيغة الغامضة. تطرق وزيران من وزراء الخارجية الامريكية ـ ريتشارد تشيني زمن حرب الخليج الاولي، وروبرت غيتس، في شهادته أمام لجنة الكونغرس منذ زمن قريب ـ الي وجود سلاح ذري بيد اسرائيل كحقيقة مكتملة. يُعبر الامتياز الكبير للغموض عن نفسه بأنه يعفي الادارة من الحاجة الي أن تشغل نفسها بالموضوع.
الجهة الثالثة التي تستمتع بالغموض، هي النظام العربي العام. ان فرض العمل عند جميع الدول العربية، علي الأقل منذ حرب يوم الغفران، هو ان اسرائيل أكملت تطوير السلاح الذري وانتاجه. يخدم الغموض عندها هدفين: الاول، ما لم يوجد اعتراف اسرائيلي معلن، فلا يوجد ضغط عربي داخلي لتطوير سلاح ذري عربي، والثاني، أن الغموض يعفي الدول العربية من المبادرة الي نشاط سياسي ما مضاد لاسرائيل.
ان تصريح رئيس الحكومة الذي لا داعي له، والذي شمل فيه اسرائيل في قائمة القوي الذرية، لم يكن ليحظي بصدي، لولا الردود الصائحة من جهات المعارضة في اسرائيل. ان أصحاب الرد الذين اتهموا اولمرت بازالة الغموض، يزعمون في الحقيقة ان ستار الغموض قد رُفع وكُشف عن حقيقة وجود سلاح ذري في يد اسرائيل. في أعقاب الضجة التي ثارت في البلاد سمعنا ردودا عربية تدعو الي فرض عقوبات علي اسرائيل.
يفضل العالم الكبير ان يحافظ علي الغموض من غير ان يضطر الي الرد والي العمل. عندما تهدأ النفوس في البلاد، فمن المعقول أن نفترض أن تفضل الدول العربية ايضا الحفاظ علي الغموض.
تفضل الجهات كلها، باستثناء عدد من محمومي الأدمغة في اسرائيل، الاختباء وراء ستار الغموض.
شلومو غازيترئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق(معاريف) 19/12/2006