اشكالية الأكثرية والأقلية البرلمانية

حجم الخط
0

اشكالية الأكثرية والأقلية البرلمانية

د. علي محمد فخرواشكالية الأكثرية والأقلية البرلمانيةفي بلدين عربيين توجد اشكالية في الممارسة الديمقراطية تستحق النظر فيها بتمعن من أجل ابعادها عن التبسيط المخل وسوء الفهم. وتتلخص تلك الاشكالية في جدلية العلاقة بين الأكثرية والأقلية في الممارسة الديمقراطية. صحيح أن المتعارف عليه هو أن الممارسة الديمقراطية تعني في الأساس قرار أو حكم الأكثرية، سواء أكانت أكثرية عددية من المواطنين في الديمقراطية المباشرة أو أكثرية عددية من ممثٍّلي الشعب البرلمانيين في الديمقراطية التمثيلية. لكن تلك القاعدة تحكمها شروط يجب أن تتوفًّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّر ان أريد للقرار أو للحكم الديمقراطي أن يسيرا بسلاسة وبدون هزات متوالية.أول تلك الشروط أن لا تكون قرارات الأغلبية علي حساب المصالح الحيوية للأقلية خصوصاً اذا كانت تلك الأقلية تمثل كتلة مجتمعية كأن تكون دينية أو مذهبية أو عرقية أو ثقافية فالأغلبية عند ذاك يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المطالب الشرعية أو الحاجات الضرورية أو الأحلام المشروعة أو المظالم التاريخية ان وجدت لهذه الأقلية أو تلك، والاًّ فان حكم الأغلبية ينقلب الي ممارسة دكتاتورية تعسفية حتي لو لبست تلك الممارسة عباءة الديمقراطية. فالممارسة الديمقراطية ليست فقط عملية حسابية، حيث يتغلب العدد الأكبر علي العدد الأصغر، وانما هي أيضاً، وبأهمية أكبر، عملية محاولة جادة للتوصل الي التوافق العام والأخذ والعطاء والحساسية المفرطة تجاه الآخر والتنازلات من قبل الجميع. وبمعني آخر فانها ليست غالبا ومغلوبا وانما قضية رجحان كفة بصورة معقولة وعادلة ونتيجة مداولات مستفيضة تأخذ بعين الاعتبار توازن مصالح كل الأطراف. ان أي مراجعه لأدبيات الديمقراطية الحديثة تؤكد توجهاً واضحاً في عملية ممارستها للاهتمام بمصالح مختلف الفئات التي يتكون منها المجتمع الي الحد الذي يطالب فيه البعض بأن القرارات التي تتعلّق بمسائل تخص منطقة جغرافية محددة أو جماعة سكانية محدودة يجب أن تؤخذ علي المستوي المحلي وليس علي المستوي الوطني.من الضروري الانتباه الي أن ما كان سائداً في بداية القرن العشرين من تأكيد علي الهوية الوطنية وبالتالي اتخاذ القرارات علي المستوي الوطني، خصوصاً في الدول الحديثة العهد بالاستقلال، ما عاد يتلاءم مع متطلبات المناخ الدولي السياسي والاقتصادي الحالي الذي يسعي بكل قوة لاضعاف الدولة الوطنية لصالح الجماعات الفرعية في هذه الدول، خصوصاً بعد أن أصبحت تلك الجماعات الفرعية جزءاً من شبكات اقليمية ودولية تسند مطالبها وتؤازرها مادياً ومعنوياً.في البلدين العربيين اللذين يواجهان في الحاضر اشكالية ديمقراطية تبدو القضية أكثر حدة، وبالتالي أكثر حاجة للحلٍّ الهادئ المنطقي. اننا في كلا الحالتين أمام تكتل برلماني معارض تصل نسبة أعضائه الي خمس وأربعين في المائة من مجموع أعضاء كل برلمان في كلا البلدين. اضافة لذلك فان أصوات الناخبين الذين صوتوا أو يقفون بجانب تلك المعارضة يزيد عن نصف مجموع الناخبين الكلي. فاذا أخذ المبدأ الديموقراطي الأساسي القائل بصوت واحد لكل مواطن في أية عملية انتخابية فان ذلك يعطي للكتلتين المعارضتين ميزة اضافية لا يمكن تجاهلها في حسابات توازنات القوة في داخل البرلمان وتوازنات تمثيل الارادة الشعبية العامة. من هنا تبدو الأهمية الملحة للتعامل مع الاشكاليتين الديمقراطيتين في لبنان والبحرين لا بالمنظور الديمقراطي الكلاسيكي فحسب وانما من خلال المستجدات في الفكر السياسي الجديد الذي بدأ يدرك بأن الديمقراطية في كثير من جوانب تطبيقها غير متكافئة ولا متساوية مع قوة وحجم التحديات التي تطالبها بتقديم الحلول.ان فرق كرة القدم تحكمها نفس الأنظمة والقوانين. لكن هناك فرقا بين فريق يلعبها بخشونة وثارات وقلًّة أدب وبين فريق يبهج النفس وهو يمارسها بروح رياضية وحساسية انسانية. وكذا الأمر بالنسبة للتعامل مع اشكالية الأكثرية والأقلية البرلمانية، فالتعامل معها يجب أن يكون بحساسية انسانية تعلو علي جمود الأنظمة وتتخطي لعب الانتصارات الرخيصة المؤقتة. نجاح الديمقراطية العربية سيعتمد علي ذلك.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية