د. يوسف نور عوض
أولا لا أريد أن أتحدث عن عقوبة الاعدام المختلف حولها، وذلك لأن بعض الدول الغربية ومنها الولايات المتحدة ما زالت تطبقها، ولكنني أود التحدث عن محاكمة البلغاريين في ليبيا وهي المحاكمة التي أثارت كثيرا من الجدل حول مشروعية الحكم، وهو جدل غير متوازن لأنه لا يأتي من جهات متباينة في العالم بل يتركز أساسا في الدول الغربية التي لها مواقف ثابتة من العالم العربي، وهو ما يجعل القضية ذات أبعاد سياسية أكثر من كونها ذات أبعاد انسانية. وكما هو معروف فان الحكم قد صدر من قبل، وبعد الاعتراض عليه من قبل بلغاريا والدول المؤيدة لها أعادت ليبيا المحاكمة لتتوصل الي نفس النتيجة وهي تنفيذ حكم الاعدام في المتهمين الستة، وبمجرد صدور الحكم بدأت من جديد تحركات من أجل رفض الحكم وكأن العدالة لا تتحقق الا بصدور حكم في اتجاه واحد حتي لو لم تكن هناك أدلة دامغة علي براءة المتهمين.
وكانت القضية قد بدأت عندما اتهم عدد من الممرضات البلغاريات وطبيب فلسطيني بحقن اربعمئة وستة وعشرين طفلا ليبيا بفيروس نقص المناعة المكتسبة الايدز في مستشفي بنغازي وهو ما أدي الي اصابتهم جميعا بالمرض وقد مات عدد من هؤلاء بينما يتلقي بعضهم العلاج في المستشفيات الألمانية. وقد نظرت القضية في المحاكم الليبية التي أصدرت حكمها باعدام البلغاريات والفلسطيني ولكن بلغاريا التي كانت تدرك حساسية الوضع السياسي الليبي ورغبة طرابلس في العودة الي النظام السياسي الدولي ـ من خلال تحسين علاقاتها بالدول الغربية وتقديم سلسلة من التنازلات منها التخلي عن برنامجها النووي ودفع تعويضات باهظة لضحايا طائرة لوكربي ـ ضغطت في اتجاه عدم عدالة القضية وقد رضخت ليبيا للمطالب البلغارية وكذلك مطالب الاتحاد الأوروبي وأعادت المحاكمة ليصدر الحكم من جديد باعدام المتهمين. كما أمرت المحكمة بدفع تعويضات كبيرة لأسر الأطفال أسوة بضحايا طائرة لوكربي، وكانت الحكومة البلغارية قد رفضت تعويض اسر الأطفال علي الرغم من أن المجتمع الدولي وقف بكل قوته لارغام ليبيا كي تدفع تعويضات لضحايا طائرة لوكربي من قبل علي الرغم من عدم ثبوت القضية علي الحكومة الليبية. ومرة أخري تقف الدول الأوروبية ضد القرار الجديد وتطالب باخلاء سبيل البلغاريين الذين تقول انهم عوملوا بطريقة غير قانونية وسط غياب واضح للأدلة. ولم تقف الأصوات الغربية عند ذلك بل ذهبت مجلة لانست البريطانية الي أن اعادة المحاكمة عمل غير قانوني وتقول المجلة انها تعتمد في موقفها علي دلائل علمية، والسؤال هو ما تلك الدلائل العلمية التي تعتمد عليها مجلة لانست.
يقول المجلس العالمي للممرضات والجمعية الطبية العالمية ان الحكم اغفل عينيه عن بعض الحقائق الدامغة والتي أبرزها أحد الأطباء الفرنسيين الذي قال ان المحكمة لم تأخذ بحقيقة أن الأطفال أصيبوا بالفيروس القاتل قبل مجيء الممرضات البلغاريات الي ليبيا وان الحكومة الليبية أهملت في أنها ركزت علي قضية الممرضات بينما تركت مصدر العدوي دون معالجة وهو ما يعرض حياة كثير من الأطفال للخطر ولكن المجلة لم تحدد لماذا اقتصرت العدوي علي الأطفال اذا كان الأمر يتعلق بفيروس نقل الي المستشفي بصفة عامة ولم يكن الأمر عملية مقصودة.
وكما يبدو من هذا المنطق فان القضية لم تعد قضية عدالة بقدر ما أصبحت قضية ذات أبعاد سياسية، ونجد في هذا السياق أن الأوروبيين والغربيين يستنكرون مطالبة ليبيا بدفع عشرة ملايين دولار كتعويض لكل طفل مصاب علي الرغم من أنهم لم يتخذوا هذا الموقف عندما كانت الولايات المتحدة تطالب بدفع مليارات الدولارات كتعويض لأهالي ضحايا طائرة لوكربي. ولكن المراقبين يشكون أن تحل هذه القضية دون أن يكون هناك ثمن من أجل حلها اذ لا تستطيع ليبيا أن تلغي حكما قضائيا لمجرد أن ذلك لا يرضي الحكومات الغربية كما أن هذه الحكومات لا يمكنها أن تعتمد فقط علي التشكيك في الأدلة لمجرد اعفاء هؤلاء الممرضات من الحكم الصادر في حقهن ولا يمكن أن تتحول ليبيا الي ضحية لمجرد أن الجانب الأوروبي يريد أن يحقق أهدافا يقول القضاء الليبي انها لا تستند الي أسس منطقية.
وعند هذا الحد لا بد أن نتوقف عند جوهر هذه القضية التي تمثل أسلوبا في التعامل الغربي مع العالم العربي وهو أسلوب يريد من العرب دائما أن يتنازلوا عن حقوقهم لمجرد أن يدفعوا عن أنفسهم تهم الارهاب ومفارقة أسس العدالة مع أن الجريمة التي ارتكبت في ليبيا في حال ثبوتها فانها تمثل بادرة خطيرة ويجب أن يكون لها عقاب رادع لأنها تمثل استهتارا بالقيم الأمنية والانسانية التي يقوم عليها النظام الدولي. ولا أعرف في ضوء هذه الأحداث الأسس التي أعتمد عليها الدكتور رتشارد الحاصل علي جائزة نوبل في مطالبته الدول بأن تمارس ضغطا علي الرئيس القذافي من أجل أن يتراجع عن الحكم سوي القول العام بأن الحكم لم يستند الي أسس علمية وهو قول سيستمر الغربيون في اطلاقه دون أن تكون هناك أدلة دامغة عليه لأنه لوكانت هناك أدلة لنظرت المحكمة فيها، وما يقال عن الدكتور رتشارد يقال عن مجلة لانست التي لم تستند الي شيء سوي معلومات غير مؤكدة تشكك في الأدلة من ناحية زمنية دون أن يكون هناك ما يدعم موقفها بطريقة تخلو من الشك.
واذا توقفنا للنظر في أبعاد هذه القضية وجدنا أنها تتجاوز أبعادها القانونية لأن بلغاريا ومن خلفها منظمات حقوق الانسان وبعض التجمعات القانونية لم يكونوا في الحقيقة مهتمين بتحقيق العدالة ولم يكونوا مهتمين بمصير أكثر من أربعمئة طفل أصيبوا بالفيروس القاتل، بل كانوا مهتمين فقط بتحقيق انتصار علي ليبيا من منطلق أنها بحاجة الي كل دعم لكي تنتظم في المجتمع الدولي وأنها ستفكر عشرات المرات قبل أن تسير في اتجاه معارضة هذا التيار الجارف في الدول الأوروبية ويدعمهم في هذا الاتجاه مواقف ليبيا المتراجعة السابقة وعدم رغبتها في أن تعود الي ما كانت عليه قبل مصالحتها مع الولايات المتحدة، ولا شك أن موقف الدول الأوروبية من ليبيا يشبه مواقف الدول الأوروبية من كل القضايا العربية وفي مقدمها القضية الفلسطينية والقضية العراقية حيث تريد هذه الدول من العرب أن يتنازلوا دائما عن حقوقهم من أجل أن يكسبوا رضا العالم الغربي، ومن هنا تكتسب قضية الممرضات أهمية خاصة لأن التنازل فيها يعني أن العرب سيستمرون في خسران قضاياهم بسبب التنازل أمام الهجمات الغربية، ولا يعني ذلك ألا تتوافر العدالة للمتهمين في هذه القضية لأننا لا نريد أن يصدر حكم قاس كهذا علي أبرياء ولكننا نريد في الوقت نفسه ألا تتنازل السلطات الليبية عن حقوق الأطفال وأسرهم اذا كانت هناك أدلة دامغة بادانة الممرضات ولا يعني ذلك تحديدا الموقف من حكم الاعدام ذاته لأن هذه مسألة تخضع لاعتبارات مختلفة وما نرمي اليه هو أن تتحقق العدالة من الجانبين واذا كانت هناك أدلة دامغة فيجب أن تأخذ العدالة مجراها ويجب ألا تتردد السلطات الليبية في تنفيذها، كما يجب ألا تدفع الدول الغربية في اتجاه دعم الباطل لأنها فقط تريد أن تنقذ بعض المواطنين الغربيين من مسؤولية جريمة قاموا بارتكابها، ومهما طالت اجراءات هذه القضية فيجب ألا تترد السلطات الليبية في أن تتصرف بشفافية كاملة وأن توفر كافة المعلومات لطالبيها ولا مانع في أن تمكن ممثلي العدالة الدولية من أن يشاركوا في التحقيقات وفي اصدار الأحكام لأن هذه القضية لا تقتصر أهميتها علي اتخاذ موقف ينصف الأطفال فقط وانما هي تتجاوز ذلك الي تحديد موقف من الكيفية التي تمارس بها الدول العربية سيادتها في مواجهة موقف غربي يحرص علي تجريد الدول العربية من مظاهر هذه السيادة.
أن تاخذ العدالة مجراها ويجب ألا تتردد السلطات الليبية في تطبيقها.