غالي الكاتب في تصويرها مغالاة شديدة لأسباب ابداعية ولكشف مواضعات الواقع:
نعمان اسماعيل عبد القادر
ان من المؤكد أن رواية عمارة يعقوبيان تحمل بين طياتها رسائل ونداءات ضمنية مختلفة موجهة أولا الي جمهور القراء من مختلف الطبقات، وثانيا الي المسؤولين في جميع مواقعهم دون استثناء.. هذه الرسائل الضمنية جاءت علي شكل صور فنية بذل الأسواني جهودا عظيمة من أجل جعلها صورا دقيقة ومتكاملة لا يشوبها غبار وحتي لا تحوم حولها الشكوك من مختلف الأطراف.. هي صور متقابلة بالرأس انتقاها من المجتمع المصري لتمثل كل منها شريحة معينة.. فنراه تارة يعرض لنا صورة للرجل المؤمن تقابلها صورة للرجل الفاجر المُنْحَل.. وصورة لرجل الدين المتطرف تقابلها صورة أخري لعلماء السلطة.. وصورة للغني وأخري للفقير.. وهكذا.. لكن الراوي تعمّد، أو ربما نسي، أن يعرض الصورة الوسطي للسواد الأعظم من المجتمع المصري.. ومن بين الصور التي عرضها أمام جمهور القراء والتي لفتت الأنظار والانتباه صورة المرأة التي غالي في تصويرها مغالاة شديدة لسببين: الأول من أجل التجديد والتحبيب وجلب أكبر عدد ممكن من القراء من خلال وصف مفاتنها والخوض في أدق الأمور الجنسية والثاني من أجل أن تمثل الشريحة الحقيقية التي تنتمي اليها المرأة.. ولعله عرض تلك الصور وهو في غفلة من الدور الحقيقي الذي تمثله في مجتمعها.. ولقد عرض الراوي المرأة في بداية روايته من خلال ما تنطق وما تفكر به احدي الشخصيات التي صتعها وهي شخصية كمال الدسوقي الذي رأي علي أن المرأة ليست بالنسبة اليه شهوة تشتعل حينا فتخبو وانما عالم كامل من الغواية التي تتجدد في صور لا نهاية لتنوعها الفتان (الرواية ص 12) فها هي صور المرأة تتكشف لنا في أربع حالات مختلفة تمام الاختلاف: الأولي: صورة للمرأة الفقيرة الانحلالية خلقيا واجتماعيا ـ وهي صورة قبيحة ـ تبحث عن لقمة العيش لتعيل نفسها وأهلها فتتاجر في عرضها من أجل تحقيق هذا الهدف وهو الحصول علي المال.. وهذه الصورة هي الصورة نفسها التي تتطابق مع الصورة النسائية التي عرضها علينا الدكتور يوسف ادريس في روايته العيب.. ولربما أخذت نفس الفكرة منها أو أن هناك تأثر ما من الكاتب الراحل.. وتتمثل الصورة في شخصية بثينة الفتاة التي أحبها طه الشاذلي ابن البواب البسيط الذي لم يفلح في الانتساب الي كلية الشرطة.. بثينة العفيفة الطاهرة التي دعت له ذات يوم بحنان صادق: يا رب يوفقك يا طه.. (الرواية ص 34) ثم تحوّلت من العفاف والطهارة تحت ظروف صعبة وضغوط من هنا وهناك الي فتاة تبحث عن عمل لتسد الفراغ الذي تركه والدها بعد وفاته ولمّا يبلغ الخمسين من عمره. ولم يحدث التحوّل الحقيقي الا بعد أن وجدت نفسها تسير وأهلها في طريق وعرة تدعو الي العمل وزيادة في الدخل: اخوتك في حاجة الي كل قرش من عملك والبنت الشاطرة تحافظ علي نفسها وشغلها (الرواية ص 62) ولكن كيف تحافظ علي نفسها أمام صاحب شغل يفتح سرواله؟! ثم تجد دفعة قوية أخري من فيفي جارتهم علي السطح ابنة صابر الكواء. هذه الدفعة جعلتها تقف أمام اختبار صعب كي تتحرر من المباديء والقيم ثم لتزول من نفسها تلك التخوفات: انت عبيطة يا بت؟! وأكدت لها فيفي أن أكثر من 90 في المائة من أصحاب العمل يفعلون ذلك مع البنات العاملات. وأكدت لها أن مسايرة صاحب العمل في حدود تعتبر شطارة.. وأكدت لها أنها من عامين مرتبها مائة جنيه ولكنها تكسب ثلاثة أضعاف هذا المبلغ من شطارتها بخلاف الهدايا. (الرواية ص 63).. ثم سقطت تلك القيم نهائيا فأصبحت النظرة مادية بحتة وتجلّت لنا بوضوح عندما رُفض الطلب الذي قدمه طه الشاذلي من أجل الدخول الي كلية الشرطة ـ وصاحت بثينة بوضوح: وايه يعني ضابط بوليس؟… الضباط أكثر من الهم علي القلب.. يا فرحتي بالبدلة الميري وأنت بتقبض ملاليم.. (الرواية ص 83). ثم تتطور الأزمة شيئا فشيئا فأخذت تدافع عما تفعله من أعمال لا يقبلها الدين ولا المجتمع فيحاول طه الشاذلي أن يقدم لها النصيحة فيقول: زكي الدسوقي سمعته وحشة فتجيبه باصرار: أيوه سمعته وحشة وبتاع ستات لكن بيدفعلي 600 جنيه في الشهر.. وحيث اني بأصرف علي علية وحيث ان حضرتك ما تقدرش تدفع لي مصاريف المدارس والأكل والشرب يبقي سيادتك مالكش دعة. (الرواية ص 164) ثم تذهب أبعد من ذلك فتفصح لزكي كمال عن كراهيتها لبلدها التي لم تقدم لمواطنيها شيئا حتي يتخلصوا من الفقر الذي هم فيه: ـ أنت بتكرهي مصر.. ؟! ـ طبعا.. ـ معقول!.. حد يكره بلده؟! ـ أنا ما شفتش منها حاجة عشان أحبها. (الرواية ص 192)ثم تفقد الفتاة اشفاقها علي الناس وتكوّن حول مشاعرها قشرة سميكة من اللامبالاة، وقد نجحت بعد محاولات متكررة في التخلص من شعورها بتأنيب الضمير، دفنت الي الأبد الاحساس بالاثم الذي ينتابها وهي تتعري أمام رجل غريب وتغسل عن ثيابها نجاسته ثم تمد اليه يدها لتقبض عشرة جنيهات، وصارت أكثر قسوة ومرارة وجرأة ولم تعد تبالي حتي ما يردده سكان السطح حول سمعتها.. ثم تقضي مع زكي الدسوقي كبير السن ساعات عاريين تماما وقد تخلصا تماما من احساسهما بخصوصية جسديهما تصنع له القهوة وتعد له كؤوس الويسكي والمزة ومن حين لحين ينامان معا وتعبر عما تشعر به من نقص وعن أسباب وصولها الي هذه النقطة الحرجة قائلة: نفسي أعيش مرتاحة ويبقي عندي أسرة.. زوج يحبني وأولاد أربيهم وبيت صغير جميل ومريح بدل السكن فوق السطح، نفسي أروح بلد نظيفة، ما فيهاش وساخة ولا فقر ولا ظلم.. (الرواية ص 284) ثم تحدث الكارثة التي لم تتوقعها بثينة أبدا حين يضيء ويلقي القبض عليهما وهما عاريين تماما بأمر من دولت شقيقة زكي ويتم نقلهما الي مركز البوليس ثم تنتهي قصتها أخيرا بزواجها من ذلك العجوز الذي كان طوال حيته يطارد النساء.. الصورة الثانية: صورة المرأة المتدينة المتشددة التي تعصي المخلوق من أجل ارضاء الخالق.. وهي غاية سعت من أجل تحقيقها عن طريق اقامة الفرائض الدينية والانتماء الي الجماعات الدينية المتشددة.. وتتمثل في شخصية رضوي أبو العلا زوجة الشهيد حسن نور الدين من أسيوط.. امرأة متدينة تقدم للزواج منها مهندس ثري بعد استشهاد زوجها فترفضه لسبب واحد لأنه تارك للصلاة ورغم محاولات الأهل اقناعها بأنه سيلتزم بعد الزواج الا أنها رفضته.. ولا تريد الارتباط الا بالرجل المتدين الصالح.. ولقد تبيّن لنا من خلال هذه الشخصية أن الفكر التكفيري الذي تنتمي اليه هذه المرأة، وهي مقتنعة بالمسلك الذي تسير فيه، ما زال قائما في مصر ولا يزال أبناؤه يكفّرون الأمة وأبناء الأمة من العصاة وتاركي الصلاة: شرحت لهم أن تارك الصلاة كافر شرعا ولا يجوز أن يتزوج مسلمة… المشكلة أن أهلي غير ملتزمين، هم ناس طيبون لكنهم للأسف لا زالوا علي جاهلية وقد خفت علي نفسي من الفتنة في ديني وأردت لعبد الرحمن ابني أن ينشأ في طاعة الله فاتصلت بالشيخ بلال ورجوته أن يسمح لي بالمعيشة في المعسكر.. (الرواية ص 308) ثم ترتبط رضوي بالشاب طه الشاذلي فيزفّ العروسان وفقا للطريقة الاسلامية.. الا أن هذا الارتباط لم يدم طويلا فسرعان ما أوكلت الي طه الشاذلي عملية تصفية العقيد صالح رضوان الذي كان يتلذذ بالاشراف علي تعذيب الاسلاميين. لكن طه الذي خالف الخطة ظل واقفا حتي يري الضابط بعينيه وهو يموت فأطلقت عليه النيران من الدور الأول وقُتل في الحال.. الصورة الثالثة تتمثل في شخصية سعاد جابر، البائعة في محلات هانو بالاسكندرية مطلقة ولها ولد واحد. كانت متزوجة من نقاش أنجبها الولد ثم تركها وسافر الي العراق وانقطعت أخباره وحكمت لها المحكمة بالطلاق خوفا عليها من الفتنة.. وتمثل طبقة الفقراء أيضا الذين يبحثون عن المال بالطرق الشرعية الملتوية لكن بشروط مسبقة.. الا أنها تفضي بهم الي غاية لا تحمد عقباها لأن الشروط تقف عائقا أمام تحقيق رغبات أخري. وهكذا تتزوج سعاد جابر الحاج عزام الرجل المشبوه مبيض الأموال فتتخلي وفقا لشروطه عن ولدها تامر لتعيش معه في القاهرة ويظل زواجهما سرّا.. وقد شدد الحاج عزام في العقد الذي وقع عليه الطرفان أنه لا يرغب في الانجاب اطلاقا.. لكنها لم تلتزم بالاتفاق وحاول الحاج علي مدي أسبوعين كاملين اقناعها بالاجهاض مستعملا طرق الاقناع والاغراء والتهديد والعنف.. كان ينطق لفظ الطلاق بنبرة فارغة زائفة لأنه في أعماقه كان يريد الاحتفاظ بها لكن فكرة انجابه لطفل وهو في هذه السن مستحيلة ولو سمح هو بذلك فان أولاده الرجال لن يسمحوا واذا كانت الحاجة صالحة زوجته الأولي لم تعرف بزواجه الثاني فكيف يخفي الأمر عنها اذا أنجب طفلا؟! (الرواية ص 241) واستخدم الحاج معها طريقة جديدة فأحضر لها الشيخ السمان (أحد علماء السلطة) وحاول اقناعها بالاجهاض مؤكدا لها أن التخلص من الحمل خلال أول شهرين لا يعتبر اجهاضا لأن الروح تنبعث في الجنين في بداية الشهر الثالث. ـ من قال الكلام ده؟! ـ فتاوي موثقة لكبار علماء الدين.. ضحكت سعاد ساخرة وقالت بمرارة: ـ دول لازم مشايخ أمريكان.. (الرواية ص 245)ثم تطرده سعاد وتلحقه بالشتائم واللعنات.
لم يدم زواجها من الحاج عزام طويلا اذ دبّر لها مكيدة فأرسل الي بيتها أربعة أو خمسة رجال انقضوا عليها وكتم أحدهم فمها بالوسادة وأمسك الآخرون بيديها وقدميها حتي أوثقوها بقوة وشلوا حركتها تماما وكشف أحدهم كُم البيجامة التي ترتديها وغرزوا في ذراعها ابرة مخدرة لم تستفق من مفعولها الا في المستشفي: ـ أنا كنت حامل وأنتم سقطتوني غصبا عني.
وابتسم الطبيب فبان أنه كاذب وخائف وقال بصوت مرتبك: ـ حضرتك كان عندك نزيف يا مدام.. هدّي أعصابك لأن الانفعال ممكن يؤذيك.. (الرواية ص 274)وبما أن الحاج عزام يخشي الله فقد طلقها وأعطاها أكثر من حقوقها. المؤخر والنفقة حسبناهم بما يرضي الله وعليهم زيادة من عندنا وأخوك حميدو معه شيك بعشرين ألف.. وحساب المستشفي مدفوع وكل حاجاتك أخذناها من البيت وهنبعثهالك اسكندرية (الرواية ص 275).. الصورة الرابعة وتتمثل في شخصية دولت شقيقة زكي الدسوقي المرأة الغنية المتسلطة التي تحولت من أخت حبيبة الي عجوز كريهة وشرسة.. كانت متزوجة من اليوزباشي طيار حسن شوكت وأنجبت ولدا وبنتا ثم قامت الثورة فأحيل شوكت الي التقاعد لعلاقته الوطيدة بالأسرة المالكة ولم يلبث أن مات فجأة ولما يتجاوز الخامسة والأربعين، وتزوجت دولت بعده مرتين ولم تنجب، زيجتان فاشلتان أورثتاها المرارة والعصبية وادمان التدخين (الرواية ص 94) ابنتها كبرت وتزوجت وسافرت مع زوجها الي كندا ثم أصبح ابنها طبيبا وهاجر من مصر.. وكان وجودها مع أخيها زكي الدسوقي يمنعه دائما من استضافة عشيقاته في البيت وزاد من معاناته تدخلها السافر في أدق شؤونه ومحاولتها الدائمة للتسلط عليه.. وبلغ الحد ذروته حين تركها زكي وأقام في شقته في عمارة يعقوبيان التي كانت مكتبا له دبّرت خطة لاقتحام مع مجموعة من المخبرين في وقت يكون فيه مع بثينة عاريين علي أساس أنها أخته ومقيمة معه فتقدمت ببلاغ ضده لأنه يمارس الفحشاء في بيتها وطلبت اثبات الحالة لأنها رفعت عليه قضية حجْر.. وتقدمت من بينهم دولت وعلي وجهها ابتسامة شامتة خبيثة وسرعان ما علا صوتها حادا كريها كالموت: مسخرة وقلة حيا.. كل يوم جايب مومس وبايت معها.. كفاية نجاسة يا أخي حرام عليك (الرواية ص 285). بل ذهبت أبعد من ذلك فقد استطاعت بالواسطة والرشوة أن تجذب الضباط جميعا الي صفها فعاملوا زكي الدسوقي بمنتهي الفظاظة والوقاحة ومنعوه من استعمال التليفون وتبادلوا التعليقات الهازئة به. ثم يعرض الأسواني بعض الصور النسائية من غير تفصيل أو مشاركة فعالة تُذكر في أحداث الرواية أولها للمرأة القبطية سناء فانوس الأرملة من أصل صعيدي، ثرية ولها ولدان تفرغت لتربيتهما بعد وفاة زوجها وكانت تستجيب لنزوات جسدها من وقت لآخر فتعرفت علي زكي الدسوقي ورافقها لفترة وبقدر استمتاعها بالعلاقة ظل ضميرها الديني يؤرقها وكثيرا ما يجعلها تنخـــرط في بكاء مؤلم وهي مستلقية في أحضان زكي بعد انقضاء اللذة وراحت تهديء من احساسها بالذنب بالاكثار من عمل الخير عن طريق الكنيسة.. وصورة لرباب حبيبة زكي الني منحته جسدها من أجل الوصول الي ماله فســــرقت منه مبلغا كبيرا من الذهب والمال وفرّت هاربة دون أن يشعر بذلك.
وكذلك زوجة عبده التي أدركت أخيرا أن موت طفلها ما هو الا عقاب من الله بسبب الرذيلة التي يمارسها زوجها مع حاتم مقابل مبلغ من المال فكان لا بد لها من اقناعه بالعدول عن الفاحشة والتخلي عن الأموال التي لا تأتي من مصدر حلال والعودة الي الريف المصري.
وتبقي الأسئلة مطروحة أمام القراء وجمهور النقاد: اذا كانت هذه صور النساء قد شاركت في صنع أحداث الرواية فهل أنصف الكاتب علاء الدين الأسواني المرأة؟ وما هو مقدار الشريحة التي تمثلها كل شخصية وفقا لرأي الكاتب؟ والي اي مدي نجح الأسواني في ارسال رسالته؟ ہ كاتب من فلسطين[email protected]