غسان الجباعي المطرود من فردوس المديرية العامة للمسارح والموسيقا:
دمشق ـ “القدس العربي” ـ من أنور بدر: غسان الجباعي من الأسماء المسرحية الهامة في سورية، درس المسرح في الاتحاد السوفييتي (السابق)، وعاد الي السجن حيث أمضي قرابة عشر سنوات من العطالة المفروضة قسراً، لكنه حاول الاستفادة منها قدر الامكان، كتب بعضاً من مجموعته أصابع الموز وقرأ كثيراً، وحاول أن يلعب في المساحة المتاحة له ما بين السجان والسجين، فبني بعضاً من الفضاء المسرحي الذي استعاده لاحقاً في مسرحيته السلالم وسواها. عاد اثر خروجه من المعتقل الي خشبة المسرح والي الأدب، وكلاهما حرفة لا تغني من جوع، لكنه المثقف الذي لا يستطيع أن يخرج من جلده. وربما لذلك لم تستطع مديرية المسارح والموسيقا أن تتصالح معه ومع اضرابه من الفنانين، فأوقفت مسرحيته السهروردي واستبعد مع الكثيرين من مهرجان دمشق المسرحي. حول الملابسات التي أحاطت بالسهروردي وبالمهرجان الموؤود كان لنا في “القدس العربي” هذا اللقاء مع المخرج والكاتب غسان الجباعي: لماذا أوقف عرض السهروردي؟ ما يدهشني أن هذا العمل كلفت به من قبل مديرية المسارح للمشاركة به في احتفالية حلب عاصمة الثقافة الاسلامية، حيث اتصل بي مدير المسارح والموسيقا حينها، السيد جهاد الزغبي قائلاً ان لديه نصاً للكاتب عبد الفتاح قلعجي باسم اللاز وردي فسألته من يكون اللازوردي؟ هل تقصد السهروردي؟ فاستدرك: نعم السهروردي، وكنت أتساءل ألا يجدر بمدير المسارح أن يكون مطلعاً علي نتاج فيلسوف عربي اسلامي كالسهروردي، لكن المشكلة أنه لا يعرف حتي اسمه. طبعاً أخذت النص الذي حاول فيه الكاتب أن يضيء مذهب الفيلسوف والصوفي السهروردي فأجريت له اعداداً، ليصبح مشروعاً للعرض، وأحلته الي مقولة واحدة فقط، أن هنالك رجلاً حاول أن يفكر فقُتل، ولم أكن اعتقد أن هذا المنطق ممنوع. بعد جهد جهيد مع الرتابة والروتين البيروقراطي خرج العرض، وقد زارنا الزميلان العزيزان جهاد الزغبي مدير المسارح وهشام كفارنة مدير المسرح القومي كما لو كانا يشكلان لجنة رقابة، وكانت لهما بعض الملاحظات علي العرض:1 ـ حبذا لو لم تُشر الي أن صلاح الدين الأيوبي هو من أمر بقتل السهروردي. 2 ـ حبذا لو لم تُظهر المشايخ بهذا التزمت والقسوة، مع أنهم هم الذين حرضوا علي قتل السهروردي.
وكان رأيي بأنني لست ضد المشايخ أو ضد صلاح الدين الأيوبي، لكنني أتعامل مع حقائق ووقائع تاريخية موجودة، وكل كتب التاريخ القديم تُقر أن صلاح الدين الأيوبي هو الذي أمر ابنه الملك الظاهر غازي بقتل السهروردي، فهل تريدون مني تزوير الحقائق؟ أنا يؤسفني جداً الكذب، فمدير المسارح الذي رأي العرض، يقول ان الوزير هو الذي أمر بوقفه بعدما قرأ مقالاً صحافياً لنادر أصفهاني، يقول فيه أن هذا العرض يُسيء لمدينة حلب! فهل يجوز أن يعتمد الوزير في قراره علي مقال صحافي؟ ومن هو هذا الصحافي؟ ولكن حتي لو صح اعتراض الصحافي، وصح ما ذهب اليه السيد الوزير، فان السؤال الذي يبقي قائماً: من الذي قتل السهروردي اذاً؟ هل قتله أهل حلب؟ أم أن الذي قتله هو التزمت والدكتاتورية ورفض الآخر كما يقول العرض؟ ومن الذي يُسيء لمدينة حلب وأهل حلب فيما يذهب اليه؟ هكذا مُنع عرض المسرحية في حلب، لكن لماذا لم تعرض في مهرجان دمشق المسرحي؟ لماذا استبعدت لصالح زبالة مسرحية قدمت لضيوف المهرجان، وأنا آسف علي هذا التعبير، لكنني أؤكد أنهم قدموا زبالة مسرحية لا تحمل أية مقولة مهمة، ولم تقدم فرجة شيقة، فهل هناك مخطط لابعاد المسرحيين السوريين عن الساحة الثقافية؟ وهل هناك مخطط لقتل أي شيء جميل في حياتنا الجميلة وفي بلدنا الجميلة؟ لماذا نسمح للقبح والخطأ أن يسيطر علينا ويطوقنا من كل الجهات؟. أنا لا أستطيع تفسير ذلك، ولا أستطيع تفسير أن يكون مدير المسارح أو وزير الثقافة عاملين مساعدين في ذلك، وأنا الآن لا أتكلم عن عرضي فقط، اذ توجد عروض مهمة كثيرة استبعدت من المهرجان، وهناك مخرجون كبار استبعدوا كذلك، وجيء بالقبيح، فلماذا؟ هذا السؤال نطرحه علي أنفسنا وعلي السلطة الثقافية في بلدنا، وحتي علي السلطة السياسية ان كانت تمتلك جواباً. لكن المسرحية عُرضت أكثر من مرة قبل ايقافها؟ نعم، عرضنا لمدة 12 يوماً فقط، وتم ايقاف العرض بشكل خبيث جداً، وهذا هو المؤلم، اذ يفاجئك هذا الممثل بأنه مشغول هذا اليوم، وغداً يغيب ممثل آخر، وفي ثالث يضطر أحدهم للسفر، ثم تبين أن مدير المسرح القومي والذي وجد أصلاً كي يُدير شؤون المخرجين والممثلين، أصبح يدير شؤونه الخاصة ويزاحمهم، فيمنع تقديم السهروردي في 21 آذار (مارس)، يوم المسرح العالمي كي يقدم عرضه هو ويستفيد بالدرجة الأولي، وعرضه هو الذي يسافر ويشارك في المهرجانات، وهو الذي يكرّم مع عرضه، أنا أعتقد انّ مدير المسرح القومي هو جزء من الذين يقومون بعملية التكريم، ولا يصح أن يكرّم ذاته، كذلك مدير المسارح والموسيقا لا يجوز أن يكذب ويدعي بأنّ الوزير قرّر وقف العرض، فيما هو الذي لا يريد له أن يستمر.
هذا العرض الذي أوقف في بدايته كلف مديرية المسارح مليوني ليرة سورية، لكننا نحن العاملين في هذا العرض كنا عم نحط دم قلبنا وبدون اجر تقريباً، كنا نضحي بكل شيء، لأنّ الثقافة في واقعنا هي تضحية قبل كل شيء، ليس من اجل أن يكذبوا علينا، فنحن لا نشتغل بالسياسة حتي نتآمر علي بعض، ولا نتنافس علي الكراسي والمناصب، أنا خياري الوحيد هو المسرح وليس المناصب. بغض النظر عن استبعاد السهروردي من مهرجان دمشق المسرحي، هل تعتقد بامكانية استعادة هذا المهرجان؟ بالطريقة التي تمت في الدورتين السابقتين يتم قتل المهرجان ووأده بكل بساطة ولا تتم استعادته، كيف يتم شطب العديد من الأعمال المنتجة لصالح المسرح القومي ليؤتي بعروض هواة؟ كيف يجري استبعاد مخرجي المسرح القومي لصالح مبتدئين لم يسبق لهم خوض التجربة، ولم يحصلوا علي الشهادة الأكاديمية، وغير مُسجلين في نقابة الفنانين؟ كيف يتربع موظفون اداريون علي هرم هذا المهرجان، في حين لم نتلق نحن المخرجين حتي بطاقة دعوة لحضور المهرجان؟ كيف نرفع من سويّة المهرجان عندما تنصب ادارات قزمة؟ وعندما تشكل لجان لا تمارس وظيفتها؟ وعندما تمر القرارات من تحت الطاولة؟ انه برستيج المهرجان، وليس المهرجان المسرحي.
مع ذلك التقيت بعدد من الوفود التي شاركت في المهرجان، وزارني عدد من الأصدقاء والفنانين العرب، وعبروا عن استيائهم من العروض التي استضيفت، وليس من العروض السورية فقط والتي بلغت (27) عرضاً وهي اما مُستعادة منذ سنوات أو هي عروض للهواة. حتي لجنة اختيار العروض لم يؤخذ برأيها، مما وسم المهرجان بأنه مساحة للعلاقات الشخصية والعلاقات العامة أيضاً، أنت تدعو فلاناً من الفنانين العرب وزوجته ليُعيد استضافتك في أول مناسبة في بلده، علاقات بين المدراء والوزراء والاداريين…. هناك مكاسب شخصيّة، ولا أريد الحديث عن سرقات، لأنني لا أملك معلومات في هذا الصدد رغم الروائح التي تزكم الأنوف.
تصور أنّ بلدية صغيرة مثل بلدية أفنيون في فرنسا تنظم مهرجاناً عالمياً من خلال ثلاث أو أربع أشخاص، بينما هنا يكون عدد المكلفين من وزارة الثقافة لتنظيم هذا المهرجان أكبر من عدد الضيوف. والسؤال الأساسي: لمن يُقام هذا المهرجان؟
فاذا كنت أنا كمخرج مسرحي أكاديمي، متخرج من الاتحاد السوفييتي سابقاً، وأحمل ماجستير في الاخراج المسرحي، ومدرس في المعهد العالي للفنون المسرحية، ولدي عرض مسرحي في هذا الموسم، ولا أدعي للمشاركة أو حتي للحضور، فلمن يكون المهرجان اذن؟
ثم هذه الأجيال الصاعدة التي تريد أن تتعلم المسرح، أن تري شيئاً علي مستوي المسرح، كم نسيء لها عندما نقدم لها هذا المهرجان وهذه الفوضي والتخبيص، ونقدم لها قدوة سيئة؟
أنا أحمّل ـ بصراحة ـ السلطة الثقافية في بلدنا والقائمين علي هذا المهرجان مسؤولية كبيرة ليس عن سقوط المهرجان فقط، بل عن وأد المسرح في سورية. أنا لا زلت أذكر حين كنت يافعاً ألق هذا المهرجان العظيم، حين كان عرساً لكل المسرحيين العرب، كانت الناس تأتي وتتزاحم للحضور ومشاهدة العروض، وكذلك لمتابعة الندوات. لا زالت في ذاكرتي بعض العروض كمسرحية مثل العنب الحامض من العراق، والتي لم أعد أتذكر اسم الممثل الرائع الذي ركع وقبل خشبة المسرح والناس تصفق له وقوفاً، لقد تابعنا في تلك المرحلة عروضاً مدهشة، كنا نراها في ذائقة عالية، لدرجة أنّ أي مقارنة بين حال وحال تفيدك بأنّ ثمّة جرائم ترتكب بحق المسرح، وصرفت الملايين، يُقال (280) ألف دولار ويُمكن الزيادة، لا لنستعيد المسرح والمهرجان، بل لنصنع برستيج من العلاقات العامة، ونحقق احتفاليّة خطابيّة بلا دلالة أو معني.
الثقافة الحقيقية فعل وطني، ولا يجوز أن تحصر بفئة من الناس، ولا يجوز أن يأخذ من هو قريب من السلطة كل شيء، في حين نحرم من حقنا في ممارسة الفعل الثقافي الوطني لأننا بعيدون عن السلطة، ولذلك كانت تعطي حقيبة الثقافة سابقاً لوزير مستقل، لكن حتي هذا التقليد تغير. المسرح كفعل ثقافي يقوم علي الحوار، الحوار بين الممثلين، والحوار بين الصالة والجمهور، وصولاً الي الحوار مع الآخر. هل يشكل غياب الحوار في حياتنا الراهنة أحد أسباب موات المسرح لدينا؟ حُكي حول هذا الموضوع كثيراً، وبشكل عام نحن نجد أنّ السلطة معادية للمسرح، لأنّ المسرح كخشبة هو مكان للحوار، واضافة لما ذكرت هو أيضاً حوار بين الفنون، هو جامع بين الفن التشكيلي والكاتب والممثل والمخرج، ولذلك يُشكل المسرح دعوة للانفتاح علي الآخر، دعوة للديمقراطية وقبول الآخر. لذلك هم ينظرون الي المسرح كفعل خطير، كحامل ثقافي يُمكن له أن يُشاغب ضمن الجمهور والمجتمع، فيلجأون الي وأده، وان لم يستطيعوا ذلك عملوا علي اخصائه وافراغه من وظيفته تلك.
عندما عرض المخرج التونسي عشاق المقهي المهجور بقيت مدينة دمشق لأيام تتحاور في المقاهي والفنادق والمدارس والمؤسسات وصولاً الي البيوت، كانت الناس تتحاور حول هذا العرض الجميل والمؤثر. وهذا يُزعج أي سلطة منغلقة، خاصة وأنّ العرض يحمل فكراً أو وجهة نظر، فمن يجرؤ لدينا أن يخوض في مسألة الحرية، المرأة، الحب، الحجاب… هذه المسألة الأخيرة أودت بوزير الثقافة المصري حين طالب برفع الحجاب، وعرض السهروردي أوقف لأنه كشف حقيقة أنّ صلاح الدين هو الذي أمر باغتيال السهروردي، وهذه حقيقة تاريخية، لكن هذه الحقيقة التاريخية طالما أنها تتعلق برمز نحتاجه في حياتنا السياسية، كان علينا أن لا نقاربه وأن لا نقارب أي حقيقة تخدش عظمته. وفي هذا الأمر خطورة المسألة من وجهة نظري، لأنها تسهم في تقديس الأشياء والرموز وفي تأبيدها بغض النظر عن الحقائق.
التاريخ هو حقل معرفي قابل للاختلاف في الآراء، وقابل للحوار، حتي أننا اكتشفنا عظمة فان كوخ كفنان بعد موته، وكذلك الأمر مع أنطون تشيخوف، بينما نحن نلغي الحوار ونؤبد الرموز ونغتال المعرفة فيموت المسرح، وتنتصر التفاهة الفكرية والفنية والادارية كما رأيت في مهرجان دمشق المسرحي الأخير، لأنّ المسرح فن يجمع الناس، والانسان بغريزته يحب التجمع، بينما السلطة لا تحب التجمع الا حولها. رأيناك مؤخراً عضو لجنة تحكيم في مهرجان الرقة المسرحي ثم في مهرجان الثورة المسرحي، كيف تنظر لهذه المهرجانات البعيدة عن العاصمة؟ عندما فشلت الوزارة ومديرية المسارح بتعميم المسرح علي المحافظات، وخاصة المحافظات النائية، ظهرت مبادرات محليّة في تلك المحافظات لاقامة مهرجاناتها الخاصة، لكن لاحظ معي موقف الوزارة ومديرية المسارح من عدم دعم هذه المهرجانات، من عدم ارسال عروض جيدة لها، كما لو أنّ هذه المحافظات النائية لا تستحق المسرح ولا تستحق بعض العروض الجيدة التي تظهر هنا وهناك، لذلك تحولت هذه المهرجانات الي مهرجانات للهواة أحياناً، يتبادلون العروض ما بين المحافظات، بعيداً عن سمع وتشجيع الوزارة التي تصرف ملايين الليرات عبثاً، وتبخل علي مهرجان مسرحي حتي بالفتات. السؤال الآخر: أين المنظمات الشعبية في هذه المحافظات من الفعل الثقافي ومن المسرح؟ كنت أفترض أن يكون في مهرجان الرقة خمسة عروض مثلاً من المحافظة، لنفاجأ بعرض يتيم، قد يقولون لك: لا يوجد مخرجون أو ممثلون أو فنيون في هذه المحافظات. وهذا غير صحيح، وان كان صحيحاً لماذا لا نقيم دورات تخصصية في هذه المجالات؟ سيجيبون: لا توجد اعتمادات، وهنا مربط الفرس.
الثقافة تتطلب انفاقاً، وعلي الدولة أن تدعم المسرح، لا يوجد مسرح في العالم الا ويقوم علي دعم الدولة، لأن المسرح هو العمل الابداعي الذي لا يباع ولا يشتري كلوحة أو مسلسل درامي، واذا أرت أخذ عرض مسرحي الي بلد آخر فربما يكلف أكثر من تكلفة انتاجه الأصلية، لذلك نحن نحتاج دعم البلديات، المنظمات الأهلية، كما نحتاج الي دخول القطاع الخاص هذا الحقل، نحتاج الي رعاية وتمويل، نحتاج الي ثقافة السبونسر طالما أن الدولة كفت عن دعم هذا المسرح وتلك المهرجانات. رغم غياب الدعم وتدني سوية العروض لاحظنا في هذه المهرجانات حضوراً متميزاً للجمهور قياساً بمهرجان دمشق المسرحي مثلاً؟ هذا طبيعي، فمهرجان دمشق المسرحي عبر عن نفسه منذ حفل الافتتاح في اليوم الأول، بل قبل ذلك بما تسرب عن سوء التنظيم واختيار العروض واللجان والوفود المدعوة و… بالاضافة الي استبعاد الناس الحقيقيين وجلب آخرين، فمن سيحضر هذه الندوات التي تقلص جمهورها الي عدد أصابع اليد الواحدة في أكثر من مرة؟ بينما جماهير المحافظات متعطشة للفعل الثقافي، متعطشة لرؤية المسرح والحوار معه ومن خلاله، لذلك كان الحضور بهذه الكثافة، وكانت متابعة الجمهور للندوات عالية، فهناك أكثر من ثلاثمئة شخص يومياً يتجشمون عناء البقاء بعد العرض ليقولوا رأيهم ويسمعوا رأي الآخرين.
وصدقني عندما يحس المرء أنه قادر علي قول لا فهو يأتي الي المسرح، ويعبر عن رأيه، لذلك كانت رؤية الناس وهي تتدافع في تلك المهرجانات لحضور المسرح تعبيرا عن اشكالية، تعبيرا عن تقصير كبير من الدولة ازاء مسؤولياتها الثقافية وازاء هذه المحافظات النائية، تصور مثلاً أنه في محافظة السويداء يمكن ايجاد أكثر من عشرين مخفرا ـ ناهيك عن المفارز الأمنية ـ ولا يوجد مسرح واحد، الا مسارح بصري وشهبا والقنوات الأثرية من أيام الرومان، والتي بنيت في مساحة أقل من مئة كيلو متر مربع من الأراضي التابعة لروما في ذلك الوقت. لاحظ أن الدولة بنت الكثير من المراكز الثقافية، وجهزتها بمسارح مجهزة للخطابات الاحتفالية أكثر مما هي مجهزة لتقديم عرض مسرحي، لذلك توقف مهرجان المسرح العمالي، وذوي المسرح الجامعي، ومات المسرح المدرسي، وانتهت مسارح الأندية الثقافية منذ قرابة نصف قرن تقريباً. المسألة الثانية أن اقبال جمهور المحافظات الكثيف علي العروض المسرحية سحب البساط من الادعاء بأن الناس لا تريد مسرحاً، فهذا غير صحيح، ثمة أجيال جديدة ترنو باستمرار الي المسرح، فالجمهور بخير، لكن السؤال هل هذا الجمهور هو جمهور مسرحي فقط؟ طبعاً لا، لأن هذا الجمهور متعطش للمعرفة، والجمهور المسرحي لا يتكون الا باكتمال العنصر المسرحي الأساسي أي العرض، حيث يكون المتلقي تماماً كالمرسل، بينهما توازن، وبقدر ما يكون المسرح جميلاً بقدر ما يكون الجمهور نوعياً وأفضل وأرقي. هل ترغب باضافة أي شيء؟ أشكرك علي هذا التعب معي ومع المسرح، وأحب التأكيد فقط علي أنهم مثلما قتلوا السهروردي لأنه فكر، سيعيدون قتل أي مثقف عندما يفكر، فالتفكير أصبح ممنوعاً.