محمد منصور
جمهور الأستوديو… صار موضة البرامج التلفزيونية العربية بمختلف ألوانها ونوعياتها وتوجهاتها وأهدافها… من القنوات الفنية والغنائية والمنوعة، الي القنوات التخصصية بمختلف اختصاصاتها… الي القنوات الاخبارية ببرامجها الساخنة، التي صار لحضور جمهور الأستوديو في بعض برامجها، نكهة التمثيل الطائفي، ودراما الشحن والتفريغ المذهبي.
تقاليد حضور الجمهور في استوديوهات بعض التلفزيونات العربية، كانت مقتصرة في السابق علي برامج المسابقات حصرا، وكان وجود الجمهور في هذه النوعية من البرامج ومايزال هدفه تشجيع المتسابق فردا كان أم فريقا، واذكاء روح التنافس بين المتسابقين، وخصوصا ان كانوا أكثر من فريق… وبالتالي كان وجود الجمهور هنا، له وظيفة عضوية لها علاقة بطبيعة المادة… فالتصفيق هنا هو تشجيع للنجاح في اختبار الثقافة العامة ومدي غني معلومات كل متسابق، وهو تشجيع للتنافس، شبيه بذاك الذي نراه في الملاعب الرياضية… لكن التحول الذي طرأ بعد ذلك علي حضور الجمهور في استوديوهات التلفزيون، وفي أماكن تصوير بعض البرامج أن هذا الجمهور، تحول الي جزء من لعبة الاستعراض حتي غدت ضخامة الانتاج مرتبطة علي نحو أو آخر، بعدد الجمهور الذي يحتشد في الأستوديو، وقدرة منتج البرنامج علي استثمار هذا الجمهور في تحقيق حالة من الصخب والابهار، اللذين يمكن أن يغطيا علي هزالة المضمون والجوهر.
وكما في كل شيء في العمل التلفزيوني العربي، حيث التقاليد والصرعات تنتقل بالعدوي، سرت ظاهرة اشراك الجمهور في تصوير البرامج التلفزيونية المختلفة، سريان النار في الهشيم… الأمر الذي دفع الي أن يتحول كومبارس البرامج التلفزيونية الي مهنة قائمة بذاتها… بعد أن كان الحضور في البداية طوعيا ومجانيا، وفيه الكثير من الجاذبية لبعض الشباب الذين وجدوا لأول مرة، فرصة للدخول الي الاستوديوهات والاطلاع علي آلية تصوير وانتاج البرامج من كواليسها الداخلية!
وأذكر قبل ثلاثة أعوام، أنني كنت أساهم باعداد برنامج تلفزيوني لصالح تلفزيون قطر، يصور في احدي الاستوديوهات الخاصة في دمشق، وقد كان من شروط البرنامج كما طلبت الجهة المنتجة وجود الجمهور في الأستوديو… وكانت جموع الكومبارس الذين أمنتهم جهة باتت مختصة بهذا النوع من اللوازم والاكسسوارات التلفزيونية، كانت هذه الجموع تقضي أكثر من ست عشرة ساعة في ردهات وحدائق الأستوديو الخارجية، كي تشارك في حلقة واحدة لا تصل مدتها الي الساعتين، بسبب الارباكات التقنية التي واجهت الحلقات الأولي من البرنامج.
وكانت أجرة الكومبارس الواحد، تزيد أو تنقص حسب وسامته وأناقته، وبالنسبة للفتيات فالأجر أعلي قليلا… علي اعتبار أن المحطات تطلب دائما (الوجه الحلو) كما كان يقال لنا حين نناقش فكرة وجود الجمهور في الأستوديو.
وحين كانت تحدث هناك بوادر تململ أو تمرد بسبب تباطؤ عمليات التصوير… كان الحل تنشيط مبدأ حسن الضيافة، أو رفع الأجرة قليلا… كي لا يتسرب هذا الجمهور شيئا فشيئا… أو تتناقص الأعداد… فتتناقص بهجة البرنامج وتباهي الجهة المنتجة بضخامة انتاجاتها.
نعم لقد كان حضور الجمهور في الأستوديو… مثيرا للشفقة بالنسبة لي شخصيا، فهذا الجمهور كان يذكرني بجماهير الخطابات الحاشدة في بلادنا التي منَّ الله عليها بالقيادات التاريخية الحكيمة… هذا الجمهور لا وظيفة له الا أن يصفق، ان قال مقدم البرنامج فكرة يعتقد أنها لماحة وذكية، ولا دور له سوي أن يهلل ويرحب عندما يستضيف مقدم البرنامج ضيفا من الضيوف حتي وان كان من نجوم الصف الثاني والثالث من طبقات المجتمع الفني… ولا ميزة له سوي ميزة المبالغة في التفاعل مع حديث الضيوف، ومع أغنياتهم التي سيؤدونها، ان كانوا من المطربين أو لم يكونوا… وهاهنا يا حبذا لو تقوم بعض الفتيات الحسناوات، برقصات مجانية لتحريك الجو… وبعض الشبان باطلاق الصفير الشبابي واشعال حرارة البرنامج علي مبدأ التنفس الاصطناعي عندما يصاب بالاختناق والضحالة.
ولعل الصور الأبرز التي يمكن اختزالها اليوم، لطريقة استغلال حضور جمهور الأستوديو في البرنامج التلفزيوني، نراها في برامج هالة سرحان علي قناة (روتانا سينما) حيث التصفيق والصفير، وصرخات الدهشة والابهار المفتعل، والاستعداد الأتوماتيكي للتعبير عن الاعجاب والذهول بما نراه أمامنا، وبما يحدث في الأستوديو… بين كل جملة وأخري، وكل سؤال وآخر، وكل ضحكة وأخري يمكن أن تطلقها هالة سرحان بسخائها الفاقع وبحضور ضيوفها أو من دونه.
أما في برنامج (نشوي) الذي تقدمه نشوي الرويني علي قناة دبي، فوظيفة الجمهور الأساسية تبدو ميلودرامية تماما، انها التعاطف مع المآسي الاجتماعية، أو الظواهر الغريبة التي يلهث وراءها البرنامج، وقد يتطور هذا التعاطف الي حالة من البكاء أحيانا حسب الحالة المعروضة، ثم ينتهي نهاية سعيدة مع الفقرة الأخيرة التي تستضيف فيها نشوي مطربا أو مطربة شبابية من النوع الرائج والمسلي.
وفي برنامج (قريب جدا) علي قناة الحرة، فجمهور الأستوديو، وظيفته التخفيف من غلواء الحوار الحاد، الذي يديره جوزيف عيساوي مع ضيوفه، والذي لا يخلو من روح ظاهرها عدواني، وباطنها نقدي… لكن معظم الفنانين العرب، لا يرون من الحب الا كلمة أوحشتنا، ولذلك فأي سؤال نقدي هو عدواني الهوية والهوي… والجمهور المسكين في هذا البرنامج، الذي يصور بأجر مادي يحرص بعضهم علي ألا ينقطع، يقوم بدور ملطف الجو… فهو يقف مع الفنان كلما استنجد به، أو استشهد به ولو علي طريقة شهادة الزور.
وفي برامج الداعية (عمرو خالد)، وسواه من الدعاة، فالجمهور وظيفته الخشوع والتأثر… ولا أدري حقا اذ ليست لدي معلومات دقيقة ـ ان كان هذا الجمهور يأتي بأجر مادي كما في باقي البرامج التلفزيونية، أم أنه يحضر طالبا المثوبة والأجر من الله سبحانه وتعالي… لكنني أعرف أن هناك هوسا شبابيا بدروس وأحاديث عمرو خالد في عدد من الأقطار العربية، وربما يكون جمهور برامجه هم من المعجبين بخطابه، والذين يلتزمون آداب الحضور فلا تصفير ولا صرخات دهشة واعجاب… انما تعبير خالص عن مشاعر الايمان والخشوع الذي يمكن أن يشحن بعض مشاهدي البيوت بطاقة ايمانية، قد تفقد بعض حرارتها خارج مسرح الحدث.
وفي كل الأحوال… فالجمهور المأجور الذي يحضر تصوير البرامج التلفزيونية العربية، سواء كان أجره ماديا أو معنويا، وسواء كان حضوره، للتصفيق للمقدم، أو للتعبير عن الاعجاب بنجم، أو الدفاع عن فكر وتوجهات حزب أو طائفة ينتمي اليها… هو جمهور واجهات… جمهور صورة… جمهور كمالة عدد… انه ابن جمهور الأمس الذي كان يهتف للخطابات.. وهو اختصار بليغ لكل حالة التهميش التي مورست علي الشارع العربي منذ عقود وتحت راية كل الشعارات الثورية التي انكشف زيف وجهها الديكتاتوري القبيح.
الاتجاه المعاكس… نقلة مفاجئة الانتقال المفاجئ لبرنامج (الاتجاه المعاكس) من جبهة الموضوعات السياسية الساخنة، والصراعات المذهبية والطائفية المشتعلة، والانتماءات القومية التقدمية والرجعية المأجورة العميلة… حسب لغة ضيوفه وطريقة الدكتور فيصل القاسم المحببة في ادارة حواراتهم… الي موضوعات مستعارة من برامج مثل (للنساء فقط) و(هالة شو) كموضوعات التجميل، والقنوات الفضائية الغنائية التي تتكاثر كالفطر… أمر يثير الاستغراب والتساؤل… وربما هو محاولة ترفيهية من البرنامج كي ينقل ساحة صراعاته المعاكسة… من ميادين القتال والصراع السياسي… الي صالونات التجميل، وكواليس الاستقطاب الفضائي الفني. وعسي تتحقق لنا المتعة والفائدة هنا أو هناك.
برنامج موضوعي في محطة منحازة! برنامج (بصراحة) الاخباري اليومي، الذي تقدمه وتساهم في اعداده سحر الخطيب، علي قناة (المستقبل) واذاعة الشرق… في سهرة كل يوم، هو بحق محطة أداء اعلامي موضوعي، في محيط من الأداء الاعلامي المستقطب باتجاه انتمائه السياسي الذي نلمسه علي مدار بث تلفزيون المستقبل، والذي تغيب منه الموضوعية الخالصة.
برنامج (بصراحة) يعرض في حصاد كل يوم، للطريقة التي تناولت فيها المحطات التلفزيونية اللبنانية الاحداث المحلية، وهو يقدمها برؤية نقدية، لا تستثني تلفزيون المستقبل نفسه أحيانا… ثم يحاور كل الأطراف، كما في الحلقة التي استضاف فيها النائب الياس عطا الله عن جماعة 14 آذار ود. حسين رحال المسؤول الاعلامي في حزب الله.. ومع الشخصيتين كان الحوار نقديا، يبرز وجهة النظر المناقضة لا الموافقة.. وهو برنامج يستحق الاحتفاء في وسط اعلامي محتقن ومنحاز، لا يستثني المحطة نفسها التي يبث منها.
ہ ناقد فني سوري[email protected]