لا بد أن تكون بطولياً لتفكَّر في عيد الميلاد

حجم الخط
0

عناية جابر

تبدو شوارعنا في هذه الأيام، ممتدة باتساع، فكأن الاتساع هذا من أجل ان لا ترتسم حدود بيننا وبين التأمل. يتمدد مجال تنفسك حتي الــســماء، وتـــروح تكتشف اشياء جوهرية عن نفسك.

يتغلغل البرد في المدينة فجأة. صقيع علي أرنبة أنفك وأذنيك. شيء من رعشة الجذع، شيء من الارتجاف وهو الميلاد أتي، وتحل قريبا في الوقت الروحي ويرفض جماله استضافة اية حرب. سيان ان علت نبراتنا او انخفضت. فثمة الرجل البدين ويشتبك بالكاد طرفا حزامه السميك ومضرجة خدوده بحمرة قانية، ويلتحي بياضا باهظا، فلا تستطيع اجراس عربته الكف عن الرنين. أعشق هداياه ما زلت، الجوارب المقلمة الطويلة العنق والعلب المستّفة التي تتكرر هي ذاتها كل عيد، والتي يصدف انني لا استعمل احداها.

لا بد ان تكون بطوليا هنا، لتفكر بعيد الميلاد فيما البلد ملآن بدخانه الأسود. انها القصة الحية الي الأبد، والكتاب المصور والوعول. حسنا تفعل وعول وغزلان سانتا كلوز بقرونها المتعرجة اذ تأتينا طائرة، كما نعرفها في الصور الملونة وافلام الكرتون، اذ لا ادري ما كان يحل بها لو اتت تتقافز هنا وهنالك علي أرضنا المفخخة بملايين القنابل العنقودية.

في الميلاد، بامكاني ان احرر بعض الرسائل، واعيد بناء جسور مع ارواح بعيدة جدا، ما برحت تخبرني ان يأسي يقلق نومها. الميلاد إذن! الثــــــلج، الجزمات العملاقة، الملابس الحريرية الحمراء، الضحكة التي تتدحرج كالصخر، أخيراً الصحو من اليأس ومن سنوات العمر الكثيرة ومعاودة طفولة بعيدة.

حسناً، اتدثر جيدا في هذه الايام واشتهي الابيض والأحمر بقوة. أما شهيتي الاخري، فهي للاعتقاد بأن الشعر ما زال. شعر قطني مندي وجديد، يصنعه الثلج والوقت الأبيض والصلوات والتراتيل. الصلوات الخاصة جدا التي تهزم الاشرار. الصلوات التي اوشكنا علي نسيانها وينعشها المطر الآن، والفضاء المنور الذي انبثق فجأة، والشجرة المثقلة بطاباتها، المنفوخة كقلبي. عشرون طابة معلقة علي شجرتي، وفي الحال اكون قد اتممت اغلب غبطتي كما لو ان نبيذي بالغ الفعل والأثر.

بيروت اولا واخيرا. اشتريت امتارا طويلة من زركشات الفضة والذهبي ولففتها علي جسد الشجرة من قمة رأسها حتي اخمص قاعدتها، وتذهب هذه متعرجة بين خرفان الرعيان وهدأة سرير الطفل الذي لا مثيل له، وأشكال المجوس في اهتدائهم، حين وسوس لهم عنه، النجم في السماء. انها شجرة قادرة علي التنبؤ، والغزلان تهز فؤادي اكثر بكثير مما لو كانت حقيقية.

هل بيروت هي مسألة تتعلق بنوعية حلمنا بها؟ نوعية ان تزين شجرة ميلاد او لا تفعل؟ هل نجاة بيروت مرتبطة بنوعية نقائك الاقصي الي اي دين انتميت، ولأنك تحبها الي حد بلا نهاية! هل بيروت ناجية ـ باذن الله ـ لأنك تستنسخ اسلوب الملائكة، ولأنك تغذي خيالك بأمور تتعلق بالسماء وحدها، ولأنك اتممت دائرة الحب فما من مزيد.

هل علي ان اقول ثانية ان ايام الميلاد هذه لا تشبه الأيام الاخري، تنتهبني بأعضائي كافة واعرف مسبقا حصيلة غبطتي. انني في الأيام حيث اعياء السعادة يطرد الاعياء القديم. مزيج من لون بلاتيني مع لسعة صقيع باريسي اعرفه جيدا. ايضا، تنزل السماء، تنخفض وتكون مستعدة للسماع، واذ تهمس بصلاتك الصغيرة يقع انفجار لحقيقة ان بيروت باقية، سوي انها أسيرة حركة دائرية وتعيدها هذه الي كل الذي تتفاداه. الصلوات الي السماء في الميلاد، قادرة. الاحياء يصلون والاموات، وبعضهم يستنسخ البعض الآخر. لقد ضللنا طويلا في لعبة الاغواء والرفض. لنرفع، علي الأقل القبعات للرجل البدين المتعب، ولعربته ووعوله. اقصد ان ندعه يقوم بطقوس حبه ولنتقبل هداياه. نعتذر منه ايضا، عن سلوكنا الناقص ومحبتنا الناقصة التي لم يكتمل ريشها. لقد بالغنا في الخداع وحطمنا اجيالا بأكملها وحطمنا مدينتنا.

ما أريده فعلا، مع المطر المنهمر الآن، ان اتجنب نوع الكتابات الطهورية. فالتبشير بالميلاد وشجرته، يبعث احساسا بالامل، سوي انني بالغت الاستخفاف بالحرب، كما لو ان بضعة وعول ورجلا سمينا في أرذل العمر مع رزم الهدايا قد يوقفونها.

السماء واطئة، بلي، ومستعدة للسماع. هذا في حال وجد من يصلي بعد. عدا ذلك، آسفة، لا اعرف شيئا، تواقة فحسب، لفض هذه الأوراق الزاهية، ففي المسافة بيني وبين هديتي، تكمن القصة كلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية