الرباط ـ “القدس العربي”: صدر في اطار سلسلة أبحاث فلسفية التي يشرف عليها مركز الأبحاث الفلسفية بالمغرب، كتاب الفرد، الكونية والله: الحق في الجسد للباحث عبد الصمد الكباص.
الكتاب الذي يقع في 100 صفحة يمثل محاولة لارساء مقاربة فلسفية لسؤال الفرد والكونية والله ينطلق فيه من اعادة تعريف مهمة الفلسفة التي يؤكد أنها ليست فقط قراءة في النصوص أو تنقيبا بالكتب، بل هي تفكير في الوجود الذي يحين نفسه في الذات التي تباشر عمل التفكير. ومن خلاله تعاد صياغة امكانيات المعني والقيمة. فالتحيين كما يقول في مقدمة الكتاب: يمثل أهم سؤال تثيره اشكاليتنا ككائنات قيد التكون، لأنه ما يمنح الوجود سؤال مضمون التجربة فيحوله من وجود غفل الي وجودنا نحن بالذات، أي وجود علي نحو خاص.
يتساءل عبد الصمد الكباص: كيف يمكننا أن نفكر في أفق حداثي من دون أي موقع للجسد فيه؟ فذلك لن يكون ـ حسب مقدمة العمل ـ سوي اتلاف للمجال الذي تنمو فيه الحداثة وتختبر كتجربة، أي اتلاف للحداثة نفسها وفصلها عن مضمونها وتحويلها الي بناء لغوي.. فليس سؤال الجسد فقط واحدا من أسئلة الحداثة بل هو سؤال الحداثة نفسها منذ تبدأ وفيه تنمو وعلي أرضه تختبره لأنه يتعلق بتأويل الانسان من جديد: وجوده وقيمته، فأي تأويل اذن يمنحنا هذه الامكانية التي تجعلنا حداثيين؟ ذلك ما اقترح الباحث الكباص التفكير فيه في هذا العمل.
يحدد صاحب الكتاب حقل تفكيره بتعريف الحداثة باعتبارها عصر الحاضر، أي العصر الذي يتشكل لبه الأخلاقي والقيمي والوجودي كحاضر. فالحداثة تقوم علي انصاف الحاضر في امتداده نحو المستقبل وتحرره من وصاية الماضي لتحدد غاية الوجود الانساني في حاضره. فالأمل والسعادة والحقيقة لم تعد موضوع ارجاء ولا تأجيل وانما امكانية قابلة للتحقق في هذا الحاضر الذي يعيشه الانسان والذي هو آخذ في التلاشي.
يناقش الكباص مؤديات هذا التصور الذي يتحول فيه الحاضر الي حق حيث يصبح ما يجب الاعتناء به والعمل علي تجميله هو اللحظة المعاشة التي يمكن أن يكون فيها الانسان سعيدا أو لا يكون. حيث يقول لقد ظهر الحاضر كحق أي أنه أصبح قيمة ايطيقية ينتظم حولها نظام أخلاقي بكامله يمكننا أن نسميه بأخلاق الحاضر الذي يجعل أن أثمن شيء يمكن أن يحوز عليه الانسان في وجوده هو حاضره. هذا التثمين يجعل بدوره الانخراط في الحق والواجب الأخلاقيين مبررا باسم الحاضر.
يعيد الكباص كذلك في ارتباط بالفرضية العامة لكتابه، تعريف الفرد الذي يحدده كحرية متعينة في الحاضر. فأن يصبح الانسان فردا أي أن يتشكل عصر بكامله كاعتراف بالفردية باعتبارها استحقاقا للانسان، معناه أن يضع في أساسه هذا التعين للحرية في الحاضر الذي يتحرك في التاريخ ليكشف التجربة العينية للوجود الانساني كتجربة للحرية تصوغ نفسها في الآن والهنا. معتبرا الفرد الافراز النهائي لذروة صراع حايث التاريخ الانساني هو صراع الحرية من أجل أن تحظي بصيغة أكثر تعينا في الوجود. ومن خلال هذا التعين تحين actualise الحرية نفسها في الزمان كخبرة للحاضر.
ومن خلال مناقشته لمضامين الكونية يعيد تعريفها باعتبارها شمول مبدأ الحرية، ليخلص أن الحرية الفردية المؤسسة لخصوصية الفرد هي التقاطع الكوني الذي يجمع الفرد بباقي الأفراد المكونين للمجتمع الانساني، ومن ثمة فالكونية تنجز نفسها من خلال الفرد وبشكل جدلي يصبح الفرد هو التحقق المجهري للكونية، ويترتب عن ذلك ـ كما يقول الكباص ـ أن النقض العملي للكونية هو تدمير الفردية ونسف الشروط الايطيقية والاجتماعية والسياسية لتولدها.
ويمضي الباحث عبد الصمد الكباص في اطار نفس المبدأ الي اعادة تعريف مفهوم التسامح الذي يحدده كحق الذات في الآخرية محددا شروط امكانه في انبثاق نظام كوني للمسؤولية.
ويتميز الكتاب الجديد لعبد الصمد الكباص بكثافته المفهومية حيث يقترح عدة مفاهيم لتسييج الأفق الفكري الذي في اطاره يسائل القضايا المطروحة: كالندرة، ونظام الأحقية، والنظام الكوني للمسؤولية، ونظام الرغبة ونظام الحاجة، واقتصاد الكائن والانفاق والادخار.. يخلص من خلالها الي هذه النتيجة التي تحملها آخر فقرة من العمل والتي تقول: ان كل ما طرحناه من بداية هذا العمل الي نهايته ليس الا مقدمة بسيطة للفكرة الآتية: الحداثة هي عودة الجسد الي الانسان ليغدو فردا، وعودة الحاضر الي الوجود ليكون حرية.
يتضمن الكتاب ثلاثة أقسام. الأول عنوانه في بيان أن الحداثة هي الحق في الحاضر وأن الفرد أساس الكونية يتضمن الفصول الآتية: ابتكار الذات، الحق في الحاضر، من الانسان الي الفرد، انتماء لا هوية، أخلاق التحرر، جمالية الوجود وفن الحياة، الحب حكمة الحداثيين والخلود أثر للعابر. أما القسم الثاني فعنوانه في بيان أن التسامح حق الذات في الآخرية والكونية شمول مبدأ الحرية. يتضمن الفصول الآتية: التسامح حق الفرد في أن يكون آخر في جماعته، اغتراب الانسان عن غايته، الانسانية غاية ايطيقية للفعل الانساني، الورطة التاريخية للمقدس، الحرب تحاكم التوحيد، نظام الأحقية، عماء المطلق، الله مفكر فيه علي نحو آخر، النظام الكوني للمسؤولية، الخير والسعادة في ضوء الكونية، لا حرية سوي حرية الفرد، العالم الأكثر انسانية، كونية الفرد. أما القسم الثالث فعنوانه في بيان أن الحاضر هو الجسد والندرة أساس الجمالية يتضمن الفصول الآتية: الحق في الجسد، الجسد هو الحاضر، اقتصاد الكائن: الادخار والانفاق، نظام الحاجة ونظام الرغبة، الندرة أساس جمالية الوجود..