النمر والثلج فكاهة ايطالية حول لعنة الحرب في العراق محصلة المراهنات عذابات فلبينية نتيجة الفساد والعوز
زياد الخزاعي ہمن بين عشرات الاشرطة العالمية التي توزعت علي الخانات الموازية للمسابقتين الدولية والعربية في الدورة الثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائي، وجد المشاهد النبيه عدداً معتبراً من الاشتغالات المميزة التي وجدت سبيلها الي الشاشات من دون ان تُدعم بحملة اعلامية عريضة تُحرض علي مشاهدتها والاقتراب من صنعتها والتساجل في خطابيها السياسي والايديولوجي. ولعل المرورالعابر لشريط المخرج والممثل الفكاهي الايطالي روبرتو بينيني النمر والثلج نموذجاً لغياب صيغ التحفيز النقدي الذي وجد في شريط الجزائري البلديون لرشيد بوشارب ضالته حيث شاع الكلام عنه في جميع الاوساط وتحمست له الاقلام وتسارعت العزائم في الحصول علي تذاكر عروضه. وهو فيلم يستحق سمعته المجيدة التي تصاعدت وتيرتها منذ التثمينات النقدية التي حازها بعيد عروضه ضمن مسابقة مهرجان كان الاخير. النمر والثلج يقارب ـ كما هو فيلم بوشارب ـ الحرب، ولكن من زاوية اكثر ايلاماً. انه عمل متفكه علي دوافعها وجنودها ومفارقاتها ومآسيها وضحاياها. ولئن كرس بوشارب عمله كي يعيد الاعتبار لعشرات الآلاف من المتطوعين الافارقة الذين ضحوا بانفسهم دفاعاً عن فرنسا (مستَعمرتهم) ضد النازي، مركزاً علي بطولات اربعة شباب من الشمال الافريقي ويومياتهم قبيل انخراطهم في اتون المعارك التي ستحصد ارواح ثلاثة منهم، فيما يُفلت الموت رابعهم ليكون شاهد عيان علي خيانات الحكومات الفرنسية المتعاقبة في انكار انصافهم تاريخياً (تطوعهم) وسياسياً (ذودهم عن استقلال بلاد موليير) واجتماعياً (باعتبارهم مقاتلين يجب مساواتهم مع اقرانهم البيض!)، فان صاحب الحياة حلوة (اوسكار عام 1999) اختار التهكم الأسود الذي لم يجتهد في اعادة صوغ معارك الاجتياح الامريكي الي العراق، بل الي امتحان القناعات الشعبية الاوروبية في المديات التي قاربت فيها تلك الحرب، والي حدٍ ما الفهم الاوروبي العام للشخصية العراقية ذاتها. بينيني وضع نفسه ـ كعادته ـ بطلاً متورطاً في حياتين ووجهتين انسانيتين. فهو الشاعر والاكاديمي ايتيللو دي جيوفاني الموله بالحسناء الكاتبة فيتوريا (زوجة بينيني نيكوليتا براتشي) التي تُنكره حبيباً وتُمعن في صده (يلتقي بها في حلمه السوريالي حيث نراهما يعقدان قرانهما، وهو في ملابسه الداخلية امام جمهور يضحك بجنون، وشرطي سير يحذره من غرامة قاسية ان لم يحرك سيارته الصغيرة!). قبل ان يتحول الي مغامر جسور في المقطع الثاني، حينما يجول في الربوع العراقية بحثاً عن حبه غير المستكمل وانقاذ جسدها وكينونتها من الجحيم البغدادي. ايتيللو انموذج متثاقف يعيش في شرنقة الطبقة المتوسطة الايطالية، فهمومه لا تتعدي احتياجاته الآنية البسيطة، ويمكن عده روحاً هائمة بين لعنتين: حالية، في الفراغ العاطفي الذي لا تني فيتوريا باردة العواطف من افراغ معناه الوجداني في داخلها (من هنا ندرك معني اختيار بينيني لعنوان الثلج )، ولاحقة، في ورطته العراقية التي سيكتشف فيها ـ ونحن معه ـ ان ما يجري في تلك البلاد يسير علي نهج سوء الفهم العام الذي اصاب (او صُير اليه) الاوروبي والمتمثل في ان من يسكن الارض البعيدة تلك هم اُناس قتلة ووحوش (من هنا نفهم اختيار بينيني لكلمة النمر في عنوان شريطه وهو بدوره عنوان مجموعته الشعرية). فيتوريا، في المقابل، كائن واضح السرائر، تعيش حيوية انتاجية هي بمثابة موقف شخصي ضد الحرب، اذ تختار العمل علي تحقيق ونشر سيرة شاعر عراقي كبير يعيش في باريس يدعي فؤاد (الممثل الفرنسي جان رينو) الذي سيكون مفتاح ايتيللو للتعرف عليها حقيقة في روما خلال احدي زيارات إلقائه اشعاره. ومع قرار فؤاد اللاحق بالعودة الي موطنه بعد منفاه القسري الطويل مشاركاً في الدولة الجديدة، تسافر فيتوريا اثره استكمالاً لالتزامها، قبل ان يهاتف فؤاد البطل الناحل مخبراً اياه بالفاجعة التي وضعت فيها قنابل قوات التحالف الحبيبة في حالة اصابتها الحرجة. ضد كل المعوقات، يعبر ايتيللو نحو انسانيته الجديدة، حين يشرع في رحلة بحث مزدوجة، لا تخلو من مواقف انتقادية حادة لمآلات الخراب التي عممها الاحتلال علي العراق والذي دخله متنكراً كطبيب في بعثة الصليب الاحمر الدولي. ومع اجتهاد فؤاد في ايصاله الي سريرها، يكتشف العاشق ان بقاء محبوبته علي قيد الحياة هو رهن بالدواء. ويعلق في البحث عن الوجهة التي ستوصله الي عقار الحياة. وامعاناً في المفارقة، يضع بينيني (ومشاركه في كتابة السيناريو فنتشنزو كريامي) شاعره الولهان في مواجهة جنود الاحتلال الذين يشكون فيه كانتحاري (هو الذي زنر جسده بكافة انواع العقاقير واوعية التطهير ومحاليلها!). وبما ان الحب يصنع معجزاته، فان الشاعر الايطالي سيكتب قصيدته المجيدة الاخيرة والمتمثلة في انقاذ الحبيبة. ہ ناقد من العراق يقيم في لندن