منذ الفشل الذريع في لبنان والارض تهتز تحت كرسي اهود اولمرت. صحيح أنه نجح في احباط مطلب اقامة لجنة تحقيق رسمية، الا ان لجنة فينوغراد ايضا قد تعتبره مسؤولا رئيسيا عن الاخفاقات التي تسببت في خسارة اسرائيل للحرب لاول مرة في تاريخها.
الحفاظ علي البقاء في ظل الفشل السياسي ـ العسكري، مضافا اليه التورط في تحقيقات، يستوجب حسب ما يعرف اولمرت ـ وسابقه شارون برهن علي ذلك ـ الصعود الي مسار التنازلات الاقليمية حتي ينجو من الإقالة أو التقديم للمحاكمة، ذلك لانه اذا قدم ضحايا آخرين في هذا المجال فقط، فانه سيصل مثل شارون الي مكانة الخشخاش، أي أن كل فشل سيغفر له، وكل صفقة مريبة ستصبح مشروعة، وكل ملف سيُغلق. اذا كان شارون قد حصل علي المغفرة بأثر رجعي بعد فكرة اقتلاع المستوطنات ومن قبل أن ينفذها، وغفرت له خطيئة لبنان وجرائم المستوطنات، فماذا سيكون حال اولمرت الذي لا يحمل علي ظهره حتي بعضا من الأحمال التي تحول شارون بسببها الي مكروه وملاحق في السياسة الاسرائيلية. كما أن اولمرت حصل علي معجزة عيد الأنوار التي يمكنها أن تنقذه سياسيا وقانونيا: بشار الأسد يعرض عليه بصورة علنية اجراء المفاوضات ومن دون شروط مسبقة.
ولكن بصورة غير مفهومة وغريبة بعض الشيء يقوم صاحب المعجزة الذي يفترض فيه ان يتلقفها فورا باعتبارها فرصة لن تتكرر لتخليصه من مشاكله، برفضها ويرد اليد الممدودة اليه.
من الطبيعي ان يقول رئيس الموساد الذي يفترض فيه أن يكون شكاكا، في لجنة الخارجية والأمن بأن الأسد لا يقترح المفاوضات فعلا، أو ان للسوريين شروطا مسبقة. ولكن ان يرفض اولمرت التفاوض مع الأسد خلافا لمصلحته الخاصة في البقاء معللا ذلك بوجوب تدارس اعمال سورية أولا وليس الكلمات التي تصرح بها؟.
التصريح مثير للاستغراب. ذلك لانه اذا تجاوب مع السوريين فسيصبح مقربا من الاوساط التقريرية وسيحصل علي مكانة الخشخاش ليكسب الكثير من الوقت السياسي والقانوني. وما الذي يتوجب عليه أن يضحي به من اجل ذلك في نهاية المطاف؟ هضبة الجولان؟ اذا كان مستعدا، وهو خريج حركة بيتار، للتنازل عن اغلبية مناطق الضفة الغربية للعرب، فلن يكون التنازل عن هضبة الجولان صعبا عليه. ليس من المنطقي الافتراض أن هذا هو السبب. كما أن ما قاله بعد لقائه مع توني بلير، ورغم دعم بلير لهذا الخط، لم يكن مقنعا: مطالبنا واضحة (من قبل التفاوض)، يتوجب علي سورية ان تكف عن التآمر علي حكومة السنيورة في لبنان وأن توقف دعمها للارهاب.
التلميح الي ما تفكر به الاوساط التي تستطيع أن تقرر بقاء اولمرت السياسي او عدم تقديمه للمحاكمة حول دعوة رئيس سورية، جاء لرئيس الوزراء من خلال سلسلة مقالات تشير الي أن اغلبية الجهاز الاعلامي والقانوني تتساوق مع هذا الخط عموما. جوهر المسألة: علي اولمرت ان يتجاوب مع الرئيس السوري حتي وإن عارضت الولايات المتحدة، إلا اذا اتضح أن هذه مجرد مناورة. كما أن هذه الاوساط بالتأكيد لا تمانع التنازل عن هضبة الجولان وتخريب مستوطناتها اذا اتضح أن نوايا الأسد حقيقية.
ليس مفهوما بالمرة اذا لماذا لا يستغل هذا الشخص الحاذق الفرصة الأكثر جدية التي سنحت له لانقاذ مكانته ومنصبه والتخلص من مشاكله القانونية كما كان قد حدث مع شارون. والي جانب ذلك ايضا: اذا انطلقت المباحثات مع سورية، فمن المعتقد أن لجنة فينوغراد، مثلما فعل ميني مزوز خلال فك الارتباط، ستأخذ باعتبارها الظروف السياسية والانقلابية الحاصلة ولن تجرؤ علي أخذ مسؤولية إزاحة رئيس الوزراء في ذروة المباحثات السلمية مع سورية، علي عاتقها.
وسائل الاعلام ايضا ستتصرف علي هذا النحو بالتأكيد، خصوصا انه يملك في صفوفها اصدقاء شخصيين أكثر مما كان لدي شارون، وهؤلاء سيُسرون اذا هبوا لمساعدته بعد ان حصل علي الشرعية الملائمة.
التفسير الشائع بأن اولمرت لم يستجب لسورية بسبب المصالح الامريكية، ليس تفسيرا مقنعا. الامريكيون، كما تفيد تجربة الماضي، لم يعارضوا أبدا خطوة تفضي الي الانسحاب الاسرائيلي حتي عندما فوجئوا من خطوات اسرائيل واستغربوا منها، كما كان قد حدث في بداية عملية اوسلو. هذه العملية التي أخذوا يطالبون بعد ذلك بتنفيذها بشدة.
من المصلحة الامريكية الصارخة ان تتخلي سورية عن محور الشر بعد حصولها علي هضبة الجولان. لذلك من الممكن الافتراض أن يكون هناك شيء ما هام يحدث تحت الارض علي المحور الاسرائيلي ـ السوري بصورة تخالف تماما الرفض العلني لمبادرة الأسد. ومن اجل مفاجأتنا جميعا وزيادة ردود فعل الانجاز من خلال ذلك، تتردد تصريحات اولمرت وتسيبي لفني غير المقنعة علينا ان نعرف متي توجد فرصة حقيقية ومتي تكون هناك صورة لها.
وسموّ الخشخاش اذا حدثت انطلاقة هامة علي الطريق، سيُحمل حينئذ من طرف البلاد الي طرف العالم.
يسرائيل هرئيلكاتب في الصحيفة(هآرتس) 21/12/2006