كلما أقرأ (حوارية السيد والعبد) أحس بغبطة، قلما أشعر بها.. فهذا النص البابلي القديم، (برأيي المتواضع) واحد من درر الأدب الانساني، وكم حسدت كاتبه المجهول وتمنيت في قرارة نفسي، لو أستطيع أن أكتب مثيلا له.. وتتجسد عبقرية هذا النص في تشكيكه بأصول ومرتكزات خيارنا الأخلاقي وقدرته الفذة علي منح السلوك الانساني قيمته النسبية واليكم بعضا من ترجمته: أيها الخادم، اصغ اليّ.. نعم سيدي نعم سأمارس أعمالا غير مستقيمة.. افعل ذلك، افعل. فانك اذا لم تأت أعمالا غير مستقيمة، من أين لك بلباسك، ومن يقدم ما يملأ معدتك كلا أيها الخادم. لن أمارس أعمالا غير مستقيمة… لا تمارس عملا غير مستقيم، سيدي، لا تفعل ذلك، من يفعل ذلك اما أن يقتل أو يسلخ جلده واما أن تقلع عيناه أو يرمي في السجن أيها الخادم، اصغ الي… نعم سيدي نعم أيها الخادم أقرض الناس مالا.. أقرض الناس مالا سيدي، اقرض مالك. ان من يقدم قرضا يحافظ علي محصوله من الحبوب، ويجني فائدة علي ماله كلا أيها الخادم، لن أقرض الناس مالا.. لا تقرض مالك سيدي، لا تقرض، فتقديم القرض سهل كممارسة الجنس، ولكن سداده صعب كالحمل والانجاب أيها الخادم سأقوم بعمل صالح يخدم بلادي… افعل ذلك سيدي، افعل.
لأن من يقدم خدمة لبلاده يجزيه بها الاله مردوخ كلا أيها الخادم لن أقوم بعمل صالح يخدم بلادي.. لا تفعل ذلك أبدا.. اذهب الي خرائب المدن القديمة، وتمشي بينها. انظر الي جمجمة الانسان الوضيع، وجمجمة الانسان العظيم، هل تستطيع التفريق بينهما؟ هل تستطيع التمييز بين من قدّم خيرا ومن قدم سيئة؟
لا بد من الاعتراف أن هذا النص ذريعة لتناول علاقتنا باللغة، خصوصا العربية، التي يبدو أنها أوصدت أبوابها أمام النسبية، تاركة فضاءها الدلالي، مشحونا بالشعر والميثولوجيا، والثنائيات المانوية (خير، شر) (ليل، نهار) (كفر، ايمان) وخاضعا لهيبة المقدس وسلطته المطلقة… فاللغة من الجوهر، مقاربة للعالم الحسي والتجريدي، ووعاء للعقل ونطاق وحيّز له.. أي أن الكلمات ودلالاتها، محاولة ادراكية واعية لتحيين وتشيئ (صورة العالم في ذواتنا) لكن اللغة اذ تتصيّر تاريخيا من طور المأمأة الي الحضارة فانها تصبح سلطة وقوة رمزية. أيها الخادم، اصغ الي.. نعم سيدي، نعم ماهو الخير في رأيك اذن.. أن يدق مني ومنك العنق ونرمي في النهر، فمن يستطيع في هذه الحياة أن يتطاول فيرقي السماء، أو يتسع فيحيط بالعالم(الترجمة مقتبسة من كتاب الأسطورة والمعني لفراس السواح)نادر قريط ـ فيينا [[email protected]]6