ليس من الهين اتخاذ قرار التصفية او الاغتيال (السياسي) تجاه أي رمز او ناشط او مثقف في أي زمن كان، ما لم تكن هناك مكاسب كبري او أهداف عظمي لا يمكن تحقيقها لا بحتمية هذا الاغتيال سواء كان هذا القرار من مجموعة مناوئة او تنظيم سري او جهاز استخباري، ليس من باب الرأفة والرحمة لدم يراق من قبل هؤلاء الذين يفترض ان يدركوا معني الحياة وازهاق الروح فحسب، وانما وقبل كل شيء من اجل نجاح الاهداف وعدم كشفهم كجهة منفذة التي في سبيلها تم التخطيط والتنفيذ وتعدي العقبات وتذليل الصعوبات لتصفية هذا المسؤول او ذاك المتحمس لفكر او لفكرة ما يدافع عنها او يهاجم في سبيلها ذلك التنظيم او تلك الدولة او يحرض عليها او يشكل عليها خطرا ما.. ولعل الأصعب والأخطر والأعظم حين يكون الهدف من الاغتيال غير مباشر يقصد منه اشاعة الفوضي والاضطراب السياسي والاجتماعي التي من شأنها خدمة الدولة او ذاك التنظيم لتحقيق مأربهم فيما بعد..! ان طبيعة العمليات (اغتيال بعض الرموز الوطنية والشعبية اللبنانية التي أصبحت معروفة للجميع من الرئيس رفيق الحريري الي النائب الوزير بيار الجميل) التي نفذت علي الساحة اللبنانية مؤخرا اتصلت مع بعضها البعض في سلسلة مترابطة متواصلة مبرمجة كانت لها قواسم مشتركة تمثلت فيما يلي: أولا: الدقة المتناهية في الاستطلاع الميداني والحصول علي المعلومات الدقيقة والتخطيط المحكم، والتوقيت الملائم، والمكان المناسب، وحجم المتفجرات وطريقة التنفيذ التي تخدم الهدف فقط وبدقة عالية جدا حيث كان التنفيذ الدقيق الذي لا يخطئ الهدف انطلاقا من القاعدة الاستخبارية (ان العمل الاستخباري لا يحتمل الفشل) سواء من حيث التنفيذ او عدم الكشف او عدم ترك دلائل ومؤشرات للجهة المنفذة.. ثانيا: التقنية العالية التي استخدمت في تعطيل أجهزة الاتصال والكشف والوصول ونوعية المتفجرات الفاعلة والمؤثرة والقدرة علي زراعتها وتفجيرها دون اثارة شك وريبة رغم تكرار العمليات ومستوي الوعي الذي تولد من هذا التكرار.. ثالثا: الحرص الشديد علي عدم ترك اي دليل اجرامي او تحقيقي يمكن من خلاله التعرف علي هوية المنفذين من خلال التقيد التام بالمهارات الاستخبارية كالاختفاء وخطة الهرب والانسحاب السريع المنظم بعد التنفيذ وما الي ذلك.. رابعا: الخبرة والاحتراف والقدرة الميدانية الفائقة التي تنم عن تدريب عالي المستوي للمجموعة المنفذة والتي استطاعت تكرار هذه العمليات من الاستطلاع والوصول الي الهدف وزراعة المتفجرات والانسحاب واعادة التنفيذ مرة أخري وبنفس الأسلوب والدقة والتقنية دون ترك أي اثر يمكن الاستفادة منه.
خامسا: ان طبيعة الشخصيات التي تم اغتيالها تمثل رموزا وطنية شعبية لبنانية ذات بعد سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي كان لها موقف موحد وواضح من مجمل القضايا اللبنانية لا سيما الموقف من الوجود السوري في لبنان مطالبة برحيله علي أساس وثيقة الطائف وبقية توابعها… مما يعني ان المستهدف لهذه الشخصيات يحقق اكثر من غرض في وقت واحد، تصفية هذه القوي وخلط الأوراق واشاعة الفوضي وبث التشكيك وبالتالي وضع لبنان في حالة عدم استقرار تخدم مصالحه.
الدكتور محمد احمد جميعانعمان / الأردن6