هل ستذهب معهم الي ايران .. هذه المرة؟

حجم الخط
0

أحمد وجيه شلبي

عندما غزا صدام الكويت قامت قيامة الغرب ولم تقعد.. هاجموا الرجل بعنف وهددوه بالويل والثبور وعظائم الأمور.. وظن المغفلون من العرب وقتذاك أن الغرب يستنكر غزو دولة لدولة أخري بالقوة، وظنوا أن الغرب يهدف الي تحرير الكويت والحفاظ علي استقلالها.. وبكل تأكيد لم يكن الأمر كذلك.. فأمريكا هي التي أعطت صدام الضوء الأخضر كي يحتل الكويت، وكلنا نتذكر حوار صدام الشهير مع السفيرة الأمريكية في العراق قبيل الغزو، وهو ما تم التعتيم عليه فيما بعد.. والكثيرون منا يعلمون الدور الذي قامت به أمريكا في اشتعال الأزمة بين الكويت والعراق قبل الغزو، ووصولها الي طريق مسدود انتهي بالحرب. وبعد الغزو زادت الضغوط بشدة علي صدام.. وبكل أسف شارك الكثير من حكام العرب بغباء فيما حدث، دون أن يتوقعوا النتيجة النهائية لما شاركوا فيه!!! انني اتذكر ومعي كثيرون من الناس العاديين كيف اعترضنا بشدة علي ما كان يحدث وقتذاك.. أذكر هذا لأبين أن المؤامرة كانت واضحة، وما كان يحاك ضد العرب كان جلياً لكل من صدقت نيته واستخدم عقله. لقد كان التآمر علي العراق والأمة العربية ظاهراً لكل ذي عينين.. لم نكن نؤيد غزو الكويت ولم نكن نعترض علي تحريرها، ولكن كنا نشم بوضوح رائحة الطبخة المسمومة التي تطهي للعرب، ويشارك حكامنا بكل همة في اعدادها!!! وحدث في بداية أيام الغزو أن طرح صدام اقتراحاً أو مبادرة ينسحب بمقتضاها من الكويت، مقابل انسحاب اسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 في اطار شامل لحل قضية الشرق الأوسط. وبكل أسف تهجمت وسائل الاعلام في الدول العربية الحليفة لأمريكا علي المبادرة وسخرت منها ومن صاحبها! ركزت دعاية الغرب الكاذبة ومعها دعاية الحلفاء العرب علي فكرة أن صدام يرفض الانسحاب من الكويت.. ولم يكن هذا صحيحاً؛ فقد حدث في الأيام الأخيرة قبيل حرب الخليج الثانية، أن زار بريماكوف مستشار الرئيس السوفييتي العراق، والتقي بصدام حسين الذي أفصح له عن استعداده للانسحاب من الكويت مقابل تعهد أمريكي بعدم ضرب العراق.. وبلغ بريماكوف الرسالة للرئيسين الروسي والأمريكي.. وكان الغريب أن رفض بوش الأب الفكرة؛ فقد كان المطلوب تدمير العراق وليس تحرير الكويت.. وهذه القصة رواها بريماكوف بالتفصيل في مجلة تايم الأمريكية بعيد الحرب. وأثناء حشد أمريكا لـ قطيع العرب في تلك الأيام السوداء من أجل تحرير الكويت أو بالأحري تدمير العراق، جري الحـــديث من قبل الغرب عن ضرورة ايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.

كان واضحاً أن الحديث عن حل القضية الفلسطينية هو عبارة عن مخدّر للشعوب العربية التي تتألم لمحنة الشعب الفلسطيني؛ كي تقبل بالتعاون مع الغرب في مهمته اللعينة؛ أو كي تغمض عينها عما سيحدث من تدمير للعراق لاحقاً!!! ثم بدأت الحرب القذرة بغرض معلن وهو تحرير الكويت، وكان الغريب والملفت للنظر أن كل القصف والتدمير انصب علي العراق.. علي الجسور ومحطات الكهرباء والمياه والمصانع وكل ما ينتمي للعصر الحديث في هذا البلد الشقيق.. ثم تلت مرحلة التدمير مرحلة الحصار والتجويع.. ثم غزو العراق.. دون أن يسأل الحكام المتعاونون أنفسهم: ما علاقة كل ما حدث بتحرير الكويت؟ في بلادنا أتذكر رسوما كثيرة يضع فيها الفلاح أمام الحمار جزرة أو حزمة برسيم مثبتة أمامه؛ كي يجدّ الحمار ويسرع في السير لعله يظفر بالجزرة أو بالبرسيم!!. ان هذه الصور تذكرني بالحكام العرب والشعوب العربية الآن؛ فكلما طلب منهم الغرب تنازلاً فادحاًً، وضعوا أمامهم جزرة حل المشكلة الفلسطينية؛ فيجدّ العرب ويجتهدون في تقديم المطلوب؛ أملاً في الوصول الي حل لهذه المشكلة التي طالت وأدمت القلوب.. لقد آن الأوان كي يفهم الحمار أنه لن يصل الي الجزرة بهذه التنازلات، وأنه كلما قدم تنازلاً من هذه التنازلات الخطيرة، ابتعدت الجزرة أكثر وأكثر!!! ويجب أن يفهم العرب أن أمريكا لو أرادت حل مشكلة فلسطين خلال شهر واحد لفعلت.. انهم (أي الأمريكان) ببساطة يريدون لهذا الجرح أن يستمر دامياً.. وهم ببساطة يخططون كي يزيد النزف من هذا الجرح مستقبلاً!!! انني الآن أري أمريكا والغرب عموماً يخططون لضرب ايران.. وهم يلوحون بحل مقبول للمشكلة الفلسطينية؛ حتي يقبل الحمار الاشتراك أو المساعدة في تدمير ايران هذه المرة. ان المتتبع لسياسة الغرب الخبيث مع العرب، يجد دائماً الأمريكان والأوروبيين والاسرائيليين (ولا فارق كبيرا بينهم) عندما يتحدثون الي العرب يطلبون منهم أشياء محددة مقابل أمور ليست محددة.. ايقاف الانتفاضة، أو انهاء العمليات الاستشهادية، أو وقــــف اطــــلاق صواريخ القسام.. مقابل خلق المناخ المناسب لحل المشكلة، أو الجلوس الي طاولة المفاوضات، أو بدء عملية السلام.. الخ! دائماً يطلبون شيئاً محدداً ودقيقاً يأخذونه من العرب، مقابل أمور مبهمة وغير واضحة لا يحصل العرب من ورائها علي شيء في نهاية المطاف!!! وفي النهاية لا يسعني بعد أن سمعت بوش الابن وبلير وأولمرت يرددون مؤخراً عبارات مبشرة عن حل القضية الفلسطينية واقامة دولتين وسط مناخ قاتم ينذر بحرب جديدة في الخليج، سوي أن أتوجه لـ الحمار لأسأله بكل أدب: هل ستذهب معهم الي ايران.. هذه المرة؟

صحافي بجريدة العربي الناصري 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية