د. عبدالوهاب الافندي
(1)في الأسبوع الماضي، أصدر عدد من العلماء السعوديين نداءً للتضامن مع العراقيين السنة المهددين كما قالوا بالتحالف الصليبي ـ الصفوي. وقد سبقت هذه الدعوة ما نشر في واشنطون بوست بأن السعودية قد تدعم السنة في العراق إذا انسحبت القوات الأمريكية، وما تبع ذلك من تنصل السعودية الرسمية من هذه المزاعم وفصل مستشار السفارة الذي نشرت الدعوي تحت توقيعه ثم استقالة السفير السعودي في واشنطن الأمير تركي الفيصل وسط شائعات (نفتها السعودية الرسمية أيضاً) بوجود خلافات داخل العائلة الحاكمة حول أمور كثيرة منها السياسية إزاء العراق.(2)ليس بمستغرب أن يعلن ناطقون باسم السنة في السعودية التضامن مع سنة العراق في جو الاستقطاب الطائفي السائد، ولكن ما يدعو إلي التوقف هو استخدام هذه اللهجة الطائفية التصعيدية المتطرفة ووصف شيعة العراق بـ الصفويين في محاولة مركبة لنفي الإسلام والعروبة والهوية العراقية عنهم.(3)في نفس يوم الإعلان عن الخطاب السعودي أعلن رئيس الوزراء توني بلير أن إيران تشكل أكبر تهديد للأمن في منطقة الشرق الأوسط بسبب برنامجها النووي وتدخلاتها في العراق ولبنان. وقد أعلن الاتحاد الأوروبي أيضاً في قمته الأسبوع الماضي عن اصطفافه ضد إيران. وفي الأسبوع الماضي أيضاً قام بلير بجولة في المنطقة بدأت من تركيا السنية، ثم عرج علي فلسطين المحتلة والأردن والعراق وبعض دول الخليج. وقد أكد بلير دعمه للحكومة السنية في لبنان ثم (مع دول عربية معروفة وإسرائيل) دعمه للرئيس الفلسطيني محمود عباس ضد كل من حزب الله وحماس المدعومين من إيران، وبالطبع لحكومة المالكي في بغداد. ولا شك أن البعض يمكن أن يشتبه (إن كان من تلك العقلية) بمؤامرة وهابية ـ صليبية ـ صهيونية ضد إيران والمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق. ألم يعلن بلير دعوته لتحالف معتدل من الخليج السني؟(4)الذي لا شك فيه أن السنة في العراق هم ضحية هجمة شرسة من فرق القتل ذات الهوية الطائفية والمدعومة نوعاً من الحكومة العراقية. وما لا شك فيه أيضاً هو أن بعض فصائل ما يسمي بالمقاومة العراقية دأبت منذ مدة علي ممارسة الاستهداف الطائفي للشيعة علي الهوية، أحياناً بالتذرع بحجج تكفيرية مستقاة من بعض التأويلات الوهابية المتطرفة. والذي لا شك فيه أن من يسمون بالعقلاء (مجازاً) في الجانبين لم يأخذوا علي يد سفهائهم وينكروا عليهم ويعزلوهم، إما ضعفاً، وإما تواطؤاً وإما غفلة عن تدبر العواقب.(5)لقد ظللت منذ وقعت واقعة الاحتلال أكرر أن ما يجري في العراق هو حرب أهلية، وأن الحديث عن مقاومة الاحتلال لا معني له في بلد تؤيد فيه طوائف بكاملها الاحتلال وتلوذ به. وقد اعترف كثيرون مؤخراً بما تغافلوا عنه، بمن في ذلك جهات إعلامية أمريكية مثل شبكة إن بي سي. وقد طالبنا علي أساس ذلك بإعطاء الأولوية للمصالحة بين العراقيين كشرط أول للتحرك المشترك نحو إنهاء الاحتلال، ولكن البعض ظل علي عناده.(6)الفهم الخاطئ للإشكال القائم دفع البعض للاحتفال بتصريحات مقتدي الصدر صاحب التوجهات الطائفية المتطرفة الذي يناهض الاحتلال لفظياً ويلوذ به كغيره عملياً. وقد كان من السخرية أن اتضح الآن أن الجماعات الموالية للصدر هي التي تتولي كبر أعمال القتل علي الهوية، ومن قبل بادرت ـ بحسب اتهامات لها ما يدعمها ـ باغتيال الزعيم الشيعي المعتدل السيد عبدالمجيد الخوئي. ومن السخرية أيضاً أن بعض الأصوات السنية مثل قادة الحزب الإسلامي أصبحت تطالب ببقاء الاحتلال كحماية لها من الاستهداف الطائفي.(7)الوضع في العراق وصل حداً لم تعد تحتمل المجاملة، ولا بد من تسمية القتلة بأسمائهم، وتحميل كل صاحب مسؤولية مسؤوليته أمام الله والأمة. ولكن أضعف الإيمان، وأهون المسؤوليات، هي ألا يساهم أي كان في إذكاء نار الفتنة باستخدام لغة تحريضية متطرفة لا تخدم أي غرض سوي توسيع لهيب الصراع إلي خارج العراق. وقد نهي الله تعالي المؤمنين عن التنابز بالألقاب وكثير من الآثام الأخري التي غاص الكثيرون في وحلها المفضي إلي جهنم، من دعاوي الجاهلية إلي قتل النفس البريئة. ومن كان يؤمن بالله فليقل خيراً أو ليصمت.(8)إن العدو الأكبر للشيعة والسنة معاً هو التطرف والغلو. الجماعات المتطرفة والأطروحات المتطرفة تدمر أول ما تدمر أصحابها، وغالباً ما تجلب الكوارث علي الجماعة بكاملها، فهي فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة. ولمن شاء عبرة في تطرف العنصريين الروديسيين البيض، أو الصرب أو الهوتو وقبلهم نازيو ألمانيا واليابان الذين جلبوا علي قومهم الدمار حين زعموا التصدي للدفاع عنهم ورفع رايتهم. وهناك سباق الآن بين الشيعة والسنة في العراق عمن سيصبح هوتو ذلك البلد أو صربه، وهو سباق ستكسبه الفئة التي تسلم قيادها لمتطرفيها.