كتابة أورهان باموك.. وخروج الهامشي من هامشيته

حجم الخط
0

محمد سمير عبد السلام

في كتابة أورهان باموك (نوبل 2006)، تناقض رئيسي يكمن في استدعاء صورة الوجود الأول للدال ـ سواء أكان مكانا أو شخصا أو نصا من التراث الثقافي ـ في حالة انتشار ومساءلة للتحقق النهائي لهذا الوجود، فالتكوين الإبداعي عند باموك لا يمكن فصله عن صوره الأخري / الهامشية المنتجة بواسطة مخيلة تناهض ذكري الحدود بين الدال وتخييله، وتمعن في الاستجابة لإغواء الصيرورة السردية الكامنة فيها منذ البداية، ويكملها النص.

كتابة باموك تعري دائما ما لا يقبل الظهور أو التحديد، وتحتفي بالعنصر التمثيلي في الشيء، لتناهض خطاب العنصر الثقافي المهيمن، لحظة اكتشاف إرادة الهيمنة، فلا يمكن فصل الأخيرة عن تمثيلات الهامش الإبداعية، وأسئلته المضادة لهويته الزائفة، وسرده المغيب لقوة المنظور الأحادي.

هكذا يولد الهامش حركة (تعقيد ثقافي تكويني) نكتشف فيها حدة الاستجابة لدموية الصراع الحضاري، مع الامتزاج الذي يحققه تفاعل الواقع والكتابة في بكارة حسية متجددة، تعارض ذاكرة الصراع المصاحبة لتمييز الأنا عن الآخر / المختلف.

الامتزاج يحقق قبول الغيرية ضمن صيرورة الأنا، وتطورها الروحي الداخلي، ومن ثم كان الآخر عند باموك ذا طابع مادي محسوس يختلط فيه المكان / اسطنبول بالانفعالات المولدة من المكان، وتنتجه في الوقت نفسه، وهو طيفي أيضا، لأنه مراوغ للمركز وحدوده الثقافية. إنه أداء ما بعد حداثي يدمر سياقه الأول باستمرار دون أن يمحوه، ولكن يعيد صياغته كأثر لا كقوة مهيمنة.* الثلج، غطاء للمأساة وصفاء ذات متجددة: في نص أورهان باموك الروائي ثلج (Snow) طبع بدار الجمل ترجمة عبد القادر لؤي ـ لم يعرف البطل كا ملامح مدينة قارص، ولم يجد فندق الجمهورية، فقد محا الثلج ملامح الأشياء، وضاعت تحت غطائه، فقط رأي عربتي خيل تذكران بالماضي.

هل كان الثلج مناهضا للمعرفة؟ هل هو أداء للمحو والتدمير؟ أم غطاء للمأساة المتعلقة بإشكالية المعرفة، ومساءلة وجودها؟ الثلج جزء من مخيلة الذات، والمكان في الوقت نفسه، ففندق الجمهورية يهرب من الذاكرة، ويحتجب تحت الثلج، فتنقطع مساحته في الذاكرة، ويمتد الاحتجاب إلي الوعي المدرك، ليسخر من إرادة المعرفة لدي كا، ويجسد بداخله وعيا بالمأساة، بالجمود الذي يخفي، ليجدد الذات، لكنه يكشف آثار التهميش، والانتحار في البلدة.

دائما ما أوحي انتشار الثلج وسقوطه بطاقة متجددة وصفاء مواز للرتابة، وإغواء بالخروج من دائرة الذات، فهو إذا لا يكشف المأساة كاملة للوعي، ولكنه يكشف ما لا يمكن الإحاطة به أبدا وهو الآخر / الطيف الخفي المتجاوز لكل من الانتحار والتهميش.

إنه يخفي تطابق المعرفة وظهور الأشياء. ما هذا الحضور الخفي؟ هل هو حركة تقاوم الحد الفاصل بين الصلابة والصفاء المحتمل بوصفهما دالا واحدا في حالة عمل تناهض المركز والهامش معا؟ أم أنه البديل الوجودي الآخر لمركزية الظهور الزائف كما يصفها بودريار في واقعنا المعاصر؟

الثلج بداية تحول لعلامات الماضي ـ مثل عربتي الخيل ـ وتوليد لصورة بديلة لها في الذاكرة تشبه الانتشار النصي المقاوم لمأساة الثلج التي انطوي عليها وجوده.

هل نقول إن الثلج كتابة؟ أم أن الكتابة تعلن عن هوية سردية قوامها الثلج المجرد من هويته الأولي، مثل كا والفتيات المنتحرات، وشوارع قارص؟

كان كا يمشي صباحا في الشوارع، ويجلس في مقاه مملوءة بالأكراد العاطلين، ويمر بأحياء فقيرة، ويسمع قصصا حول الفتيات المنتحرات، بينما تنبثق بداخله صورة الثلج من الذاكرة، في حضور استقبالي آخر، حين كان يتمثل له في طفولته كقطعة من حكاية، أما الآن فيبدو كملجأ أخير. لقد وضع الثلج في مواجهة مع أثره الآخر، حين انتقل من الماضي إلي المستقبل كحكاية محتملة أخري تسائل واقع المهمشين، لكنه أيضا يجسد جمود واقع أوشك أن يصير حكاية أو أطيافا أسطورية أو نصية خارج المأساة.

إن استعادة بكارة السرد من وعي طفل، تضع وحشية المأساة في حالة من البراءة تذكرنا بالتحول الثالث للروح عند فريدريك نيتشه حين تمتزج قوة الأسد بالتغير الكامن في براءة الطفل (1). التغير هنا كان انقلابا علي الأصل، أو حالة من حالاته نراها أكثر وضوحا في حكايات المنتحرات الصغيرات، فسارد أورهان باموك يجسد استعادة أطياف الحكاية منها، دون أن يستسلم لقوة الانتحار خوفا من الوحدة العميقة هناك.

لقد جاء حدث الانتحار برأيي كقوة نيتشوية نابعة من علامة الثلج ليتخلص من هموم البشر المطمورة في المكان، تجلت هذه القوة في حركة الدم السائل بسخاء من فتاة أطلقت علي نفسها النار ببندقية صيد لأبيها، ثم تلوت وسط الدماء التي بدت انقلابا لبراءة الثلج علي مأساته، وكانت الفتاة فبل ذلك قد تناولت العشاء، وضحكت مع إخوتها.

هل كان الانتحار بريئا إلي هذا الحد؟

هل جسد مأساة في وعي الفتاة؟ أم صفاء لبراءة مراوغة لرتابة الموقع الهامشي؟

أما كا المراقب لانتشار الثلج فقد راوده حلم انتحار بطيء بحبوب منومة، دون أن يحقق حدث السقوط، لأن كا في حالة انتظار أن يقع أمر ما، أو معاينة لحظة صفاء تناهض حتمية موت قادم.

لقد غطي الثلج مقترنا بالزمن آثار المكان التاريخية مثل القلعة السلجوقية، والأحياء الفقيرة التي تلي شارع أتاتورك، في رحلة كا اليومية، وكأن الفضاء لا يبالي بتاريخ القوة الإنساني إذ تتداخل الأشياء الصغيرة مثل نباح الكلاب، ولعب الأطفال مع حدس المكان، وامتداد الثلج الذي يمحو أي حدود ممكنة، وحين اختلط منظره بالضوء الأصفر برزت فكرة الله بداخل كا. قوة الإبداع البديلة تقصي وحشية الإنسان في صور الصفاء المبهرة التي تستبدل الحضور بخفاء جذاب في حالة تجاوز وعمل.

إنه انفجار داخلي، تحول أنثوي قوي للمخيلة (الواقع) نحو الماء من داخل تحولات المكان الرتيبة، مثل انقلاب دور السينما إلي دكاكين للملابس.* خروج الهامشي من موقعه: من داخل دائرة المركز، يقع الهامش في حالة مضادة للهامشية المفروضة عليه سلفا، بوصفه نقطة ثابتة تتحدد ضمن علاقتها بقوة متعالية، ولكن هذا التحديد يصبح موضوعا باعثا علي السخرية، إذا خرج الهامشي من موقعه البنائي المزعوم.

ثمة علاقتان محتملتان هنا، إما الاستسلام لعنف شكلي مضاد، أو الخروج المتجاوز للدائرة بالكلية.

في نص له بعنوان (غضب الملعونين) The Angry of the Damned يصف أورهان باموك استجابة شكلية عنيفة وغاضبة لعجوز، إزاء أحداث 11 ايلول (سبتمبر) تؤكد موافقته اللا واعية الأولية علي ما حدث، رغم أنه لم يكن رجلا دينيا Religious أبدا، فهو يكافح في وظيفة بسيطة، ويشرب الخمر، ويتشاجر مع زوجته، كما أنه حين أعلن غضبه، لم يكن قد رأي المشاهد المرعبة علي شاشة التليفزيون، ويري باموك أن الشعور بالسحق يولد مثل هذه المشاعر، وأن مشكلة الغرب لا تكمن فقط في الكشف عن إرهابي يستعد لزرع قنبلة، ولكن في فهم الأغلبية التي تعاني من الإذلال، ولا تنتمي إلي العالم الغربي (2). يستشرف أورهان إذا حوارا منتظرا، خارج المركزيات الانعزالية المتعالية، لنزع تلك الاستجابات الشكلية العنيفة التي ترفض الهامشية من داخلها، وذلك بنقل ذاتها في موقع القوة، لتفريغ الأخيرة من محتواها المقدس مثلما نزعت عن نفسها الوقوع الحتمي في الهامش دون أن تمحوه.

إن مثل هذه الطاقات التدميرية الخارجة، لا يمكنها تحقيق التجاوز لخطاب المركز، فالخروج المنتظر أكثر تعلقا بإجهاض فلسفة الإقصاء الأبوية المتواترة في تاريخ الحضارات، فالاستماع إلي الهامشيين يخرجهم من لعنة الوجود، بوضعهم في نطاق تفاعلي دون حدود، ويحقق باموك هذا التفاعل في كتابته الأدبية التي تدخل مسيرة الآخر الحكائية ضمن عوالم الأنا، وبهذا الصدد يري إيهاب حسن أن نصوص الأدب تحقق إتمام اللغز التخيلي للإنسان، إذ تحقق مجدا يتجاوز كل الحسابات الإنسانية، عن طريق اعتنائها بما بعد التميز في حدود أو ما يطلق عليه Beyond singularities فالعمل الأدبي يملك قوة تبدو كلحظة عنيدة وكونية تجمع بين المحلي والعالمي، بين جلجامش وموبي ديك وهملت والشعر الفارسي والأقنعة الافريقية (3). كذلك يجمع باموك بين الكتابة التداخلية وحرفية الأماكن والشخوص، ليخرجها من تميزها الروائي الفريد، لتكون صيرورة أخري للواقع المشاهد في وعيه ولا وعيه، ذلك المنتظر خارج علاقات القوة الأحادية.

كتب باموك في نص له بعنوان (مدينة الأشباح) City of ghosts أنه يشعر بأن هناك شخصا آخر اسمه أورهان، يمشي في شوارع اسطنبول، ويعيش في بيت يشبه بيته، ربما هو توأمه، أو تضاعفه الذاتي، هو لا يتذكر كيف أنتج هذه الفكرة، أو كيف أتت هي إليه، لكن بداخله ذكري حول آخره الشبحي هذا My ghostly other، قد يحدق فيه الآخر في أحلامه، أو في حالات من الرعب أو الصمت القاسي (4). هكذا يأتي الانقسام كأداء وجودي للتعدد والانتشار في الواقع، كمجال حرفي للتجاوز، وانفتاح الحدود علي (الأنا ـ الآخر) في تكوين إبداعي متغير، عندئذ يقع الواقع في فضاء استبدالي للكتابة، فباموك لم يهتم بمعرفة هذا الآخر، لكنه يقر بفاعليته الخفية ـ مثل الثلج ـ المتخطية لمركزية الصراع الثقافي.

إن الشبح يؤدي في الواقع، ما هو مضاد لمركزية الخطاب الواقعي الذي عرفناه من خلاله.

إن أورهان الآخر متحرر من عقدة الذنب، وصلابة الجذور، لأنه ينطلق بحرية إلي السينما ولا يضيع وقته في الصراع.

إن فقدان الجذور الصلبة لدي شبح باموك يلائم الاختفاء الكامن في طبيعته، والتي لا يمكن عزلها عن جمود الواقع، وأخيلته الأخري الخارجة إلي أطياف الآخر في آن، ومن ثم يصير الحديث عن عقدة الذنب موضوعا للسخرية.* التراث ولقاء المختلف:

تجسد حكايات ألف ليلة وليلة، عند باموك لقاء الشرق بالآخر الأوروبي، في تشكيل واقعي / ثقافي محسوس، فعن قراءته لها بمدينة جنيف السويسرية صيفا، يقول: ويبعد بيتنا مسافة بسيطة عن شواطئ بحيرة جنيف، وفيما كان الهواء العليل ينسم من خلال نافذتي التي حملت إلي نغمات عزفها أحد المتسولين، كنت أنتقل من الواقع، وأتوه في عالم علاء الدين والمصباح السحري (5)لقد خرج وعي باموك من داخل الواقع الآخر، المولد من سرد الواقع الحرفي خارج نفسه، كما مارس فعل الإغواء باتجاه الشرق الأكثر ارتباطا بطبيعة الغرب السحرية في تلك اللحظة.

هل تكون المياه المؤنثة كما يصفها باشلار تبديلا للهوية؟ في الليلة الرابعة عشرة بعد المئة في حكاية علاء الدين والمصباح لم تمت زبيدة لكن اختطفها أحد الجان وطار بها، ووضعوا بدلا منها جنية تصورت بصورتها، ثم خرجت من القبر.

ما الهوية؟

ما الموت؟

أهما حكايتان دون اكتمال؟

إن الفاعلية البديلة تناهض الهوية والحتمية معا في اتجاه التعاطف مع السياق الآخر الممتد من الأول ويغايره في آن، وهي سمة متكررة في ألف ليلة، ويكسبها الواقع طزاجة تشبه الماء، وغناء المتسول داخل أورهان وخارجه.* الهوامش: ( 1 ) راجع:Friedrich Nietzche / Thus Spake Zarathustra / translated by Thomas Common / www.holtof.com/library/nietzche/select.htm ( 2) راجع:Orhan Pamuk / The Anger of the Damned / translated by Mary Lisn / The New York Review of Books / v.48 / n.18 / NOVEMBER 15 2001 ( 3 ) راجع:Ihab Haan / Globalism and Its Discontents / on www.ihabhaan.com/index.htm( 4 ) راجع:Orhan Pamuk / City of ghosts / translated by Maureen Freely / Guardian Unlimited / MARCH 12 ـ 2005 ( 5 ) راجع:

أورهان باموك / قراءة أو عدم قراءة ألف ليلة / ت: ريم شمس الدين / الحياة 13/10/2006.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية