العراق يعوم فوق بركة من الدم والفوضي.. حطمت الميليشيات الجسور ولم يعد هناك مكان لـ الحكي كبرنا مع قصص عنتر وعبلة.. والزير سالم… آخر القصاصين الشعبيين كان في الموصل.. وانقرضوا بعد 1958
محمود سعيد قبل نصف قرن لم يكن هناك تلفزيون في العراق، وكانت أجهزة المذياع الراديو قليلة جداً، معظم تلك الأجهزة كانت موجودة في المقاهي. كانت الحياة بسيطة جداً. في الربيع والخريف يرجع الناس الي بيوتهم مع حلول الظلام، ليتناولوا العشاء الوجبة الرئيسية بعد عمل يوم طويل شاق. وكان ما تبقي من الوقت ينقضي بتبادل الحديث بين الأصدقاء والأقارب حتي يأتي موعد النوم. أما في الشتاء حيث الليل طويل، والبرد قارس فكان الجميع يلتمون حول موقد الفحم، يتناولون الشاي الأحمر الساخن اللذيذ، يراقبون البلوط والشاه بلوط ينضج ثم يتفتق علي النار، ويستمتعون بالمحادثة. خلفت تلك الجلسات أجمل الذكريات وحفرتها في الذهن، وما زالت تدفئ القلب الذي يكاد يتجمد في جليد الغربة ويتفتت لآلام الوطن الغارق في الدماء. انني أتذكر الآن كيف كان الفحم يومض تحت الرماد الأبيض، والبلوط أو الشاه بلوط يتشقق ويندفع أحياناً كالقذيفة خارج النار، فنلمسه برؤوس أصابعنا ونقذف به في الهواء بضع مرات لكي يبرد فنستطيع تناوله ونتمتع بطعمه اللذيذ، وبين الحين والآخر نزيد استمتاعنا لنرشف بهدوء الشاي الأحمر. أما أجمل لحظات تلك الأمسيات فكانت الانصات الي الحكايات التي استقرت في تفكيرنا وملأت قلوبنا بالمتعة والتوتر والسعادة.
عندما كنا صغاراً كان الذي يلقي تلك القصص والحكايات هي الأم، الجدة، العمة، أي بالغ يتوافر علي شيء يستحق الحكي أو القص. تتعلق عيوننا بشفاه القصاص، وكلنا شوق الي ما ستأخذنا اليه الكلمات التي تذهب بنا بعيداً في رحلاتها الجميلة واللذيذة الي قصور الملوك، وتدعونا الي حفلات زواج الأميرات والأمراء، لنشاهد حفلات الرقص والغناء واحتفالات النصر والأعياد، تغوص بنا عميقاً في أدراج التاريخ لنصاحب من المغامرين في البحث عن أسرار الحياة والموت والكنوز، نفرح للانتصارات، ونحزن للهزائم، ونبكي لآلام المعذبين، ونضحك من كل قلوبنا للحيوانات الخرافية التي تضطهد الأطفال. غيّر القصاصون الشعبيون علي مر العصور أسماء شخصيات أسطورية عظيمة وأعطوها لحماً ودماً شعبياً، فكالكامش أصبحت في أساطيرنا حديديان، وعشتار ملكة النور وأنكيدو صديق العمر، وهكذا. وعندما كبرنا وقرأنا أخذنا نكتشف التشابه في تلك القصص مع ما ورثنا من وثائق حفظها الزمن. كنا نستمع الي القصص حتي يدرك ذوونا أن وقت النوم قد حان.
في الصيف يحين وقت نوع ثانٍ من القصص يستحق الاستماع، تلك قصص البالغين، لكن لم يكن هناك من مانع لنا لنحضر مجالسها، كانت زوايا الشوارع الواسعة، أو ساحات المدينة تفرش بحصائر يجلس عليها المستمعون، واحداً لصق الآخر، يحيطون في نصف دائرة واسعة بالقصاص. يجلس القصاص عادة علي كرسي، فيكون أعلي منهم لكي يراه الجميع. علي يمينه سيف عربي في غمده، وعلي يساره عصي تجوال ثقيلة. كان يستعملهما كليهما عندما يتفاعل مع موقف ما ويريد أن يمثل حركاته بدقة وسط استحسان الجميع وتصفيقهم، كان يقرأ لنا عن أبطالنا التاريخيين بحماسة وانفعال شديدين. يقرأ من مجلد أصفر ثخين قصة عنترة، وحينما تنتهي يقرأ من مجلد آخر قصة سيف بن ذي يزن، ثم قصة أبي زيد الهلالي، ثم قصصاً أخري. كانت القصص طويلة جداً ربما تطول القصة الواحدة منها موسماً كاملاً. عنترة بن شداد بطلنا المفضل. قصة عنترة بن شداد كما يعلم قسم كبير منكم قصة عربية فريدة، مليئة بالأحداث الدرامية والمفاجآت. عنترة بن شداد زعيم قبيلة عبس المشهورة. لكنه أسود اللون لأن أمه جارية سوداء. وهذا يعني بالمفهوم الاجتماعي السائد آنذاك أنه عبد بالرغم من كون أبيه زعيم قبيلة. كان عنترة شجاعاً جداً، أميناً، ذا خلقٍ سامٍ، وشاعراً عظيماً. كان رجلاً كاملاً بكل المقاييس. روي بعض المثقفين والمطلعين علي الأدب الانكليزي أن شكسبير خلق شخصية عطيل بعد أن قرأ قصة عنترة. وقع عنترة في حب ابنة عمه عبلة. عبلة جميلة. بيضاء يضرب المثل بذكائها وجمالها الساحر. أضربت عبلة عن الزواج. صدّت خطبة غير واحد من الملوك والأمراء ورؤساء القبائل لأنها كانت تبادل عنترة الحب.
لكن أباها وأبا عنترة رفضا بشكل قاطع أن تتزوج عنترة لسواد بشرته ولكون أمه جارية سوداء أيضاً. ثم تدخلت المصادفات لصالح عنترة، فقد هوجمت قبيلة عبس واختطف أحد زعماء القبائل عبلة من خيمتها، وكانت قد أذلته برفضها الزواج منه. وهرب بها مع المحاربين من أفراد قبيلته. وفي حالة يأس مزرية اضطر أبو عنترة وأخوه الي التنازل عن موقفهما، فوعدا عنترة بأنهما سيوافقان علي تزويجه عبلة ان هو أنقذها من مختطفيها، وبالرغم من فرحة عنترة بذلك لكنه رفض العرض مطالباً بتحقيق ما هو أهم، وهو حريته. وذلك يعني أنه يطالب أن يعترف به ابناً شرعياً حراً كباقي أخوته البيض. ظل عنترة يثير خيالنا وأحاسيسنا ويرجف قلوبنا بقصته الأسطورية الجميلة، وبصفاته الأخلاقية الرفيعة، وبشعره العظيم المليء بصور جميلة أخاذة، وأوصاف دقيقة بديعة، وتعبيرات بليغة محكمة وبسيطة في الوقت نفسه. ومن يقرأ قصة عنترة لا بد أن يتعاطف مع آلامه وصراعه العادل من أجل الحرية. يعتبر عنترة أحد الفرسان المشهورين بالاضافة الي ربيعة بن مكدم وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والقعقاع بن عمرو وغيرهم، فقد ورث هؤلاء الفرسان العظام مبادئ فروسية نبيلة عالية مغرقة بالقدم، ثم أصبحت عالمية حينما انتقلت طقوسها الي الأندلس ومنها الي أوروبا وباقي العالم. كانت مبادئ الفروسية العربية التي التزم بها عنترة وغيره والتي كرسته كفارس نبيل مكلل بالمجد والشرف تقضي أن لا يبدأ أي عراك قط، وأن لا يضرب عدوه من الخلف، وأن يحذر عدوه من مبارزته ويسمح له بالانسحاب قبل أن يؤذي نفسه. بمثل تلك القصص النبيلة امتلأت رؤوسنا وقلوبنا.
آخر قصاص شعبي من الموصلآخر قصاص شعبي رأيته كان في الموصل سنة 1952. ربما عاش القصاصون بعد هذا التاريخ بضع سنوات في أماكن أخري من مدن العراق لكنهم اختفوا بالتأكيد بعد سنة 1956 حينما ظهر التلفزيون في العراق.
بعد نحو عقدين من الزمن رأيت قصاصاً شعبيا في المغرب في مدينة طنجة، في بداية الثمانينات. كانت رؤيتي له أشبه بعثوري علي كنز، اذ كنت أظن أن هؤلاء المبدعين الرائعين قد تلاشوا كلية في الوطن العربي.
كان هذا القاص المغربي ذكياً جداً، حكيماً، وخطيباً مفوهاً من الدرجة الأولي، وكانت لقصصه أهداف سامية نبيلة، وكان يشد المستمعين بمهارة رائعة. بدأ قصصه بقوله: انظروا أيها الاخوة. عندما خلق الله البشر خلقهم علي أربعة أشكال، خلقهم كلهم يركضون. لكن ثلاثة منهم يركضون وراء سراب الا واحداً يركض من أجل شيء حقيقي يستحق الكفاح من أجله. أحد الثلاثة يركض من أجل النساء. عندما يري أي امرأة يلاحقها. هذا النوع من الناس يعتبر المرأة نوعاً من الحلوي، وبالرغم من أنك تراه رجلاً ظاهراً الا أنه طفل في الداخل، لم ينضج بعد. لذلك فهو يريد أن يتذوق أنواع الحلوي كلها. لكنه لا يدرك أن هذا مستحيل. لذلك فهو يركض نحو السراب، ولن يكتفي من النساء حتي يموت. النوع الثاني من الراكضين هو الذي يهوي جمع المال. انه عبد للمادة، حتي لو ملك جبلاً من الذهب يستمر بالركض ليحصل علي المزيد. أما النوع الثالث فهو الذي لا يكتفي بما يحصل عليه من نفوذ وقوة، هذا النوع لا يكتفي بمركزه حتي لو أصبح ملكاً أو رئيسا في وطنه، مشكلته عويصة ومرضه لا حل له. انه يري نفسه أكبر من الملك والرئاسة، يأخذ بالتطلع الي الدول الأخري ليخضعها الي نفوذه، أو يغزوها. هذه الأنواع الثلاثة من الرجال ستذهب الي الجحيم لا محالة. النوع الرابع فقط هو الذي سينتهي به المقام الي الجنة. لماذا؟ يتوقف. لا أحد يجيبه. ثم يعاود الكلام: انه النوع الذي يركض نحو المعرفة والعلم، سيعيش هذا النوع من الناس في الحياة بسعادة غامرة لا تشوبها شائبة قط. ثم توقف القصاص، وأخرج أحجاراً جميلة ملونة. تناول الحجر الأخضر بين يديه. قال: اذا أخذت هذا الحجر فسوف لا تنظر الي أي امرأة بشهوة غير زوجتك. وستفعل زوجتك معك نفس الشي. وستعيشان معاً في سلام وحب وسعادة، ثم رفع الحجر الأزرق: هذا الحجر هو حجر القناعة. انه سيقضي علي شرهك في جمع المال، وسيقضي علي طلبات زوجتك غير المعقولة. سيجعلها تتوقف عن دفعك لشراء ملابس لها، أثاث فائق الجودة لبيتك، جواهر، أدوات تجميل. بعد ذلك رفع الحجر الأحمر وقال ان هذا الحجر سيقتل التأثير الشيطاني في روحك، ويجعلك تحترم الآخرين، ويمنعك من اقتراف أي اعتداء علي أي كان، ويوقف النزعة الشريرة في داخلك من الصعود علي أكتاف الآخرين واستغلالهم. لذا فسيشعر ضميرك بالراحة وستعيش حياتك كلها في سعادة لا مثيل لها. ثم رفع الحجر الأصفر، قال: اذا اقتنيت هذا الحجر فسيندفع أطفالك نحو العلم والمعرفة، وسيتفوقون علي أقرانهم. ثم توقف برهة وقال: كل هذه الأحجار ستجعلك تعيش بسعادة، لكنك ان عشت بسعادة فسيحسدك الآخرون. سيحاولون أن يقضوا عليك. تلك هي طبيعة الناس. الشر مزروع في القلوب جميعاً الا ما رحم ربي. ثم وضع حجراً أخيراً أسود اللون في راحة كفه ودار نصف دورة ليرينا الحجر اللامع بوضوح. ثم قال: هذا الحجر يمنع الحسد والغيرة والتآمر ويقتل الروح الشريرة عند الآخرين. ان شراء أي نوع من هذه الأحجار الكريمة لن تكلفك سوي بضعة دراهم لا غير. ذهلتُ، اهتزت الأرض تحت قدمي! كيف يبيع كل هذه الحكمة، الذكاء، البلاغة الفائقة بهذا السعر الزهيد.
قلت لنفسي لن يقبل بهذا امرؤ عادي الا اذا كان ما ادعاه صحيحاً عن قوة حجر القناعة الذي لا بد أنه يضعه في جيبه طوال الوقت.
جذور قديمة للقص والحكيان رجعنا الي التاريخ رأينا أن عملية الحكي والقص قديمة جداً، ربما تعود الي مئات آلاف السنين. فلكل شعب من شعوب العالم أساطيره الخاصة وأبطاله الشعبيون وقصصه التي لا يتوقف عن تداولها جيلاً بعد جيل! وربما كانت أول أسطورة سجلها التاريخ هي أسطورة الفيضان. وكتبت في العصر السومري، في فترة تتراوح بين 5000 ـ 7000 سنة. هذه الأسطورة الجميلة فرضت تأثيرها علي جميع أديان الشرق الأوسط من دون استثناء. اضافة الي هذه الأسطورة كتب السومريون أساطير أخري. وتعد ملحمة كالكامش قلقميش أشهر الأساطير السومرية. أما أكثر الأساطير السومرية جمالاً فهي أسطورة عشتار. هناك شيء عام مشترك بين جميع أساطير العصور القديمة وهو صراع متأجج أبداً بين الطيب والخبيث، والحب والكراهية، بين الحقيقة والأكاذيب، مع أو ضد الانسانية. لكن أساطير ما بين النهرين تمتاز عن الأساطير الأخري بعمقها الفكري والأخلاقي والروحاني. فعلي سبيل المثال يوجد شبه كبير بين أسطورة بروميثوس اليوناني وكالكامش السومري، فالأول تحدي الآلهة لسرقته النار لمساعدة البشر الذين يحبهم، أما كالكامش فقد تحدي الآلهة وبحث ليجد سر الحياة والموت. وبعد عدة مغامرات تكاد أن تكون قاضية وجد عشبة الحياة، لكن الحياة سرقتها عندما راح في قيلولة قصيرة. عندئذ استنتج كالكامش أن الأبدية مستحيلة وأن هناك بديلا عنها وهو اسعاد العائلة من زوجة وأطفال وأم وأب.
تقول كتب التاريخ ان القاء القصص الشعبية وتأليفها ازدهر ازدهاراً لا مثيل له في العصر العباسي المجيد. رفعت الي الخليفة شكاوي متعددة تطالبه بمنع القص في الساحات العامة وتقاطع الجادات والطرقات والشوارع. وفي وقت ما صادف أن طلب ذلك لفيف من المفكرين والسياسيين والمغنين والمغنيات ورجال الدين غير مرة. عندما سمع الخليفة تلك الشكاوي وجدها تنبعث من دوافع شخصية فالمفكرون والعلماء يقولون ان القصص تستهوي الناس جميعاً وقد تناقص بسببها وبشكل ملفت للنظر طلاب ودارسو التفكير العميق والعلوم، وقال المغنون والمغنيات ان القصاصين كادوا يقضون علي مهنتهم. فقد قلّ الزبائن بشكل واضح. أما أشد من لازم القصاصين العداء فهم رجال الدين. كانوا يصرخون في كل خطبة من دون انقطاع: ان القصاصين يلهون الناس عن ذكر الله. لم يلتفت الخليفة اليهم. كان يطالبهم بسبب مقنع لم يقدمه أحد. فما دامت الصلاة قائمة في أوقاتها، وما دام القصاصون يصلون هم أنفسهم فالتهم باطلة ولا ضير من القاء القصص. أما عدم حضور الناس دروس الفكر العلمي والفلسفي فعزاه الخليفة الي أن الدروس تلقي بشكل جاف تنفر الشباب. وضحك طويلاً لعلة كساد الغناء والفن، قال لهم ان ذلك لا يعود الي القصاصين، فكل ابداع يحتاج الي فترة ليجدد دمه. وسيأتي قريباً فنانون يبتدعون ما يمكن أن يقاوم التأثيرات كلها.
في الفترة بين 150 ـ 450 هجرية أي قبل أكثر من أحد عشر قرناً، ازدهر القص الشعبي والأدبي بشكل معجز. فقد ظهرت القصة القصيرة الفنية لأول مرة لا في أي مدينة عربية أو غير عربية فحسب بل في بغداد. وكان اسمها آنئذ المقامة، واشتهرت مقامات الحريري والهمداني بشكل كبير وحليت صفحاتها بالرسوم الفنية الجميلة. ومن يقرأ مقامة من هذه المقامات يظنها وكأنها كتبت الآن. في الفترة نفسها ظهرت أول رواية كاملة فنية عظيمة خالدة أيضاً وهي: ألف ليلة وليلة. أسمي الأوربيون هذه الرواية بـ الأيام العربية بعد ترجمتها عشرات المرات. ألهمت هذه الرواية مختلف الكتاب في جميع أنحاء العالم طيلة تلك القرون الطويلة. هذه الرواية ليست ممتازة فحسب بل فائقة، ولا غلو ان اعتبرناها أفضل عمل أدبي عالمي ظهر من فجر التاريخ وحتي الآن. ويعود تميزها الي أنها صورت بعفوية وبشكل فني حياة مئات الناس في شتي المجتمعات والطبقات، كاشفة ثقافتهم، مشاكلهم، سموهم، وانحطاطهم، طيبتم وقسوتهم، حبهم وكراهيتهم، أنانيتهم وتضحياتهم، ولمحات كثيرة وافية من طبيعة الحياة التي يحيونها. منع المرأة من قراءة الف ليلة وليلةمنعت المرأة من قراءة ألف ليلة وليلة في بعض المجتمعات المتدينة لأن الرواية كشفت بصراحة بعض العلاقات الجنسية لا لغرض اشاعة الاباحية، بل لطبيعة حرية التعبير التي طبعت عليها الحياة في العصر العباسي، فقد كتب الكتاب آنذاك عن كل شيء يمكن أن يفكر فيه انسان، ولم يقفوا جامدين مصدومين مطيعين أمام المثلث الممنوع الموجود الآن: الجنس والدين والحكم، فقد كتبوا مع الدين وضده، وشرح قسم منهم بتفصيل الكثير من العلاقات الجنسية، وانتقد آخرون الحكم، بينما دافع عنه آخرون. ارتفعت ألف ليلة وليلة الي قمة الابداع الأدبي بجدارة، وكانت وما زالت تجتذب القراء والكتاب والباحثين في جميع أنحاء العالم، وستبقي الي أمد طويل اذ لا يوجد لها مثيل قط في جميع الآداب العالمية.
قامت امبراطوريات وممالك عظمي ثم انهارت، ونجح فاتحون عظماء في السيطرة علي بقاع كبيرة من العالم وفشل آخرون في السيطرة علي مدينة واحدة لكن القصاصين استمروا يتوارثون تلك المهنة الجليلة فيما بين النهرين وبقية الدول العربية، غير أن الاسم تغير اذ يطلق عليهم الآن: الكتاب، القصاصون، الروائيون. ولدت الدولة العراقية الحديثة في 1921 لكن مرضاً وبيلاً ولد معها في عقلها يصيبها بالصداع حين تظهر أمامها أي كلمة مطبوعة، فلم تسمح لأي مجلة أدبية أو ثقافية بالصدور، وعندما تصر جهة ما علي اصدار مجلة ويري النور عدد منها أو عددان يشتد صداع الدولة فتقوم علي الفور بسحب الترخيص. ونتيجة لهذا المرض اضطر الأدباء العراقيون من شعراء وكتاب وقصاصين وروائيين الي ارسال نتاجهم الي المجلات المصرية واللبنانية والسورية. ومع ذلك استطاع العراق أن يأخذ زمام المبادرة في الشعر، فقد قام ثلاثة شعراء نازك الملائكة والسياب والبياتي بتطوير الشعر القديم وأبدعوا الشعر الحر الذي تصدر حركة الشعر المعاصرة في الوطن العربي منذ نصف قرن والي حد الآن.
ثم بدأ عهد جديد بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، فقد خلق الوضع الجديد جواً متحرراً أينعت فيه مجلات أدبية وثقافية وشعبية وفنية. وازدهرت حركة أدبية رائعة وفي لحظة ما بدا وكأن الأدب يعيش عصره الذهبي. فجأة تغير الوضع السياسي سنة 1963. أعاد الأمور الي سابق عهدها المظلم. ثم أخذت الأمور تتطور بعد بضع سنوات نحو الأفضل بخطوات بطيئة، فقد طفقت السلطات بجذب المثقفين واغرائهم واغداق الهدايا عليهم، فكافأت من وقف معها من الكتاب والشعراء وصمت من لم يطعها، ووقف مضطراً علي الحياد. لكن هذا الوضع لم يستمر غير بضع سنوات فقط، فقد أعلمت السلطات جميع المثقفين أن يعوا المبدأ التالي: لقد انتهي عهد الحياد، من لا يقف معنا فهو ضدنا. حينئذ بدأ عهد جديد حيث جند معظم المثقفين الي جانب الدولة ودعاياتها. وكوفئ من أخذ الموضوع بجدية علي موقفه واندفع في تأييد الحزب والدولة. حصل المتعاونون علي رواتب ضخمة لا يستحقونها قط في الأوضاع العادية، وحصل قسم منهم علي بيوت حكومية فارهة تقدر قيمتها بملايين الدولارات، وحصل قسم ثانٍ علي سيارات ثمينة، وكانت كميات ضخمة من النقود توزع عليهم جميعاً في المناسبات العامة. فجأة انتهي ذلك العهد أيضاً كبقية العهود، فحين نفذت الأمم المتحدة الحصار علي العراق في بداية التسعينات كان أول شيء انقطع عن المثقفين هو الامتيازات الحكومية، وأصبح معدل الراتب تحت الحصار يتراوح بين 5000 ـ 8000 دينار. ويعادل هذا بين 3 ـ 5 دولارات في الشهر، وهذا هو معدل رواتب بقية الموظفين العراقيين. ولكي يتغلب العراقيون مثقفين وغيرهم علي الصعوبات المادية وبغية تحقيق مستوي أدني للعيش اضطروا لبيع ما جمعوه من مجوهرات وحلي ذهبية في العقود الماضية، ثم أخذوا يبيعون ما في بيوتهم من أثاث وأجهزة تلفزيون ومكيفات وحتي الثلاجات. وبعد اشتداد البؤس والجوع أصبحت المستشفيات مكاناً مألوفاً للمواطن العراقي مثقفاً وغير مثقف، اذ أخذ البعض يبيع أجزاء عضوية من جسده كالكلية علي سبيل المثال. هرب، أو هاجر قسم كبير من المثقفين من العراق الي بقية الأقطار العربية وغيرها، وكان محظوظاً من وجد عملاً فيها. بينما لم يحالف الحظ آخرين كثيرين. فأصبحوا لاجئين في معظم الدول الأوروبية وكثير من الدول الأخري. رحبت النسبة العظمي من العراقيين مثقفين وعاديين من كل الطبقات والمذاهب والأديان والقوميات من دون تمييز، رحبت بالتغيير الذي حدث بعد 2003، وعاد المستقبل مضمخاً بوعود هائلة لبناء عراق جديد تحت حكم ديمقراطي، سداه وعود الدول العظمي ولحمته رغبة الشعب الطيب، وأدواته ثقافة العراقيين الواسعة ومهنيتهم العالية، لكنهم أدركوا بعد مدة قليلة من التغيير أنهم كانوا يحلمون، وأن كل تصوراتهم لم تكن غير سراب في سراب. وفي مدة ستة أشهر فقط أدركوا لسوء الحظ أن الوضع الجديد ليس بأفضل من الوضع تحت سلطة البعث. وبعد سنة واحدة اكتشف الجميع بما لا يقبل الشك أن العراق الجديد يحكم من قبل مليشيات اجرامية احترفت القتل والتعذيب، ولا تتصف بغير اللصوصية والقسوة والظلم وأنها لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالشعب ولا بالدين ولا بالعراق أيضاً، وأنها تريد أن تفرغ البلد من بضعة ملايين نسمة كي يستقر لها الوضع كلية، كي تحكم العراق بيد دولة عدوة، وتسوط الشعب بقرارات رجعية ظالمة. العدوان علي المثقفينمنذ أن سيطرت هذه المليشيات الدموية علي رقبة العراقيين بدأت باصدار قوائم تحوي أسماء مئات المثقفين العراقيين تغتالهم وفق خطط منهجية، ثم توقفت عن ذلك، لكن القائمة الأخيرة تكشف قسوة وعنفاً وحقداً لا حد له ففي القائمة اسم أطوار بهجت التي اغتيلت قبل أكثر من سنة وهي مذيعة القناة العربية التلفزيونية، أما الاسم الذي يتصدر القائمة فهو كمال عبد الله، وهو شاعر أعمي ممتاز في ستيناته، وهناك اسم عبد الخالق الركابي وهو روائي مقعد معروف لا يتحرك الا علي عجلة، وتشمل القائمة بضعة كتاب غير عراقيين. وفي القائمة دنيا ميخائيل وهي تسكن مع زوجها وابنتها قبل أكثر من عقد في ديترويت وحصلت علي جوائز مهمة في الشعر. وهناك أيضاً اسم لطفية الدليمي وهي من كتاب القصة القصيرة المتميزين في العراق، ومن أفضل المترجمين العرب من الانكليزية، وفي القائمة أكثر من عشرين اسماً لقصاصات وروائيات وشاعرات.
ان أكثر الأخبار التي تدفع المرء لليأس هي الأخبار التي حدثت في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 اغتيل في يوم واحد سبعة أطباء، واختطف أكثر من مئة موظف في وزارة التعليم العالي، وفي سنة واحدة اغتيل 160 أستاذاً جامعياً من بينهم ثلاثة من خيرة الأساتذة في العراق والبلدان العربية: عصام الراوي، محمد الذهبي، نجدة الصالحي. وفي خلال ثلاث سنين اغتيل أكثر من 650 الف عراقي، من بينهم 11 الف ضابط أحيل الي التقاعد ثم اغتيل، وفي نفس الوقت أفرغت البصرة من ثلث سكانها، قتلوا واضطروا الي الهروب، وصودرت جوامعهم وكنائسهم وأموالهم. ان العراق الحالي يعوم فوق بحيرة من الدماء والفوضي. فخلال العهد القديم كان الشعب العراقي يري جسوراً عدة، لكن الوصول الي تلك الجسور محفوف بالمخاطرة والمخاوف، أما الآن فلا وجود لأي جسر، ويبدو للمثقفين من كتاب وشعراء وروائيين وباقي الشعب العراقي أن لا أمل لوجود جسر آخر في الأمد المنظور. ہ تعني كلمات: المخبر، والراوي من يروي الخبر عن شخص أو أشخاص، كالبخاري ومسلم وغيرهما ممن اقتصروا علي رواية الأحداث التاريخية الواقعية كما سمعوها ومهمتهم توثيقية بحتة، وكانوا لا يضيفون من عندهم أي شيء، لأنهم قصروا عملهم علي غربلة ما ورد من الأخبار المسموعة والمتناقلة، بغية تثبيت الصحيح منها، وابعاد الخاطئ. أما الحاكي فهو الذي يروي الأخبار بتفصيلات يدخل فيها شيئاً من عنده. ولهذا قل استعمال هذه اللفظة الا في الدارجات العربيات حيث تعني كلمة القصاص. أما القاص فهو من يكتب الحادثة بشكل مهني لوصف الحقيقة، ولهذا يمتلك القاص حرية كبيرة في صياغة الخبر لا في تعديله، وينطبق هذا علي الصحافي المحترف اليوم فهو يفعل ذلك بامتياز. أما القصاص فهو الذي يقرأ القصص من تأليفه أو من تأليف غيره، لفائدة مادية كالنقود أو النفوذ، أو فائدة معنوية كالشهرة، والامتياز، والاشادة. وهو ما ينطبق حالياً علي كتاب القصة والرواية. ولهذا علينا أن نقول عن المعاصرين، كنجيب محفوظ وغائب فرمان طعمة، وأمين معلوف وأحمد محمد أمين وسالمة صالح ومركيز وغيرهم انهم قصاصون. وهذا يعني أن كلمة روائي استعملت مجازاً في غير واقعها، لأنها لا تعني من يكتب القصة الطويلة أساساً بل جاء الاسم من قبيل الاصطلاح فسد فراغاً لم يكن موجوداً في العربية. وخلاصة ذلك نستطيع أن نحدد أن كلمة القصاص تعني من يكتب القصة القصيرة والمتوسطة، وأن كلمة الروائي هو من يكتب القصة الطويلة، وفائقة الطول كتولوستوي.
ہ نص المحاضرة التي ألقيت في جامعة دي بول شيكاغو في يوم 15/11/2006والكاتب اكاديمي عراقي7