حمدان حمدان
دماء شعب فلسطين غير مسقوفة ولا تقف عند خط، بل هي لا تقف عند زمان، وها هي اليوم، لا تقف عند مكان، من حيث هي تمتد من جنوب فلسطين الي وسط بغداد، فلا تجد من يسأل عنها، الا في استمطار الدعاء، والموعظة الحسنة، التي باتت لا تسمن ولا تغني من جوع.
اليوم، تنقلب المقاومة الفلسطينية، الي تجربة الانتحار الجماعي، او هي في ولوج مسادا كنعانية محدثة، تعفي اسرائيل من مغبة ابادات جديدة، طالما ان القوم يقومون بالمهمة المستبدلة بالبنادق المصوبة الي النحر الوطني، بديلا مخزيا عن شعار: كل البنادق نحو العدو الصهيوني!
لن نجرب الدخول الي دهاليز كافكا الفتحاوية والحماسية، والآيلة بدورها الي غاطس النفق المظلم، بين وثيقة اتفاق ووثيقة اسري، ولا عن المسؤولية في افشال مفاوضات الحكومة الوطنية، ولا عن المرجعيات في مؤسسات منظمة التحرير او التشريعي او الفصائلي.. وسواها مما يثبت جدارة الافتراق بأكثر مما يثبت وجوب بل ومصيرية الوفاق، بترف شعب غير مأزوم، ولا تنهمر علي رأسه المصائب منذ قرن ونيف، وكأن في الزمن فسحة من مراحل، ما زالت تتحمل المزيد من التهارش والمحازبة، ومنطق الحمولات والحارات وقبائل صغيرة اسمها احزاب وفصائل تعرف كيف تختلف لكنها لا تعرف كيف تتفق.
فبالامس القريب، قبيل وفاة الاستاذ هشام شرابي، كتب الرجل مقالة وزعت بآلاف النسخ المصورة، تحت عنوان تعالوا لنتعلم كيف نختلف فالمسألة عند استاذنا الكبير، لم تكن في اعطاء درس للوفاق، بأشد ما في اللغة من انشائية وسطوع بلاغة.. ذلك انه يعلم بأن للوفاق شروطه وظروفه ومنهاجيته المقوننة في برامج لا يمكن خذلانها او الخروج عليها مع كل حادثة او حديث، فالوفاق برنامج طويل الأمد، قائم ومكين، وليس عرضة لتقلب الاهواء والامزجة، في ان نقبله ثم نقيله بين ليلة واخري، اما التوافق في جوهره الاعلي، فانه يتأتي نتيجة تراكمات تقربية نفسية وسياسية ووطنية، وبهذا فانه كمحصلة داخلية، لا يخضع (بل من غير الوطني ان يخضع) لأي انصياع لاملاءات اقليمية او دولية، مهما كانت هذه الاعتبارات، طالما انها تقود الي مشروع فتنة داخلية تحرق نضالات الشعب الفلسطيني، منذ دخول اللنبي مدينة القدس، ومن بعده دايان. وهناك في درس الشرابي، علامة فارقة علي طبيعة الاختلاف بين الجماعات او الفصائل والاحزاب.. وهذه العلامة، تكمن في النظرة السلمية لادارة الاختلاف، فاذا ما وقع الاضراب نتيجة للاختلاف، فان الأمة تكون قد غادرت عافيتها العقلانية، جريا وراء الغرائز واضاعة المصير، وليس من الممكن التنبؤ بدرجة سوء المصير الذي ستصل اليه، نظرا لاقالة العقل، بل وسوء العاقبة، التي ادت فيما ادت، الي خروج امم من التاريخ، الي درجة التلاشي، من حيث هو واقع تاريخي، لا تضخيم فيه ولا مغالاة.
قد يكون الاحتلال الصهيوني المديد، واساليبه المستنكرة والمتوحشة.. هي التي ادت الي ما وصل اليه فلسطينيو الداخل اليوم، لكن هذه الحجة علي صوابيتها التامة، لم تكن تتماشي مع شعب ذكي، عاصر انعكاسات حربين عالميتين، مع نوعية من احتلال استيطاني مدعوم بكل اسباب القوة العالمية العاتية.. لكنه بعد ثمانين عاما من انهاك مزدوج (بريطاني وصهيوني) تمكن من ابداع انتفاضتيه الاولي والثانية بما اثار اعجاب شعوب العالم أجمع.
اليوم، وبعد استشهاد عرفات، يتراجع الذكاء الفلسطيني الي درجة انحطاطية تسوغ للدخول في غياهب الفتنة، وكأن العقل الفلسطيني قد امتنع عليه توليد مخرج آخر، غير الاحتكام للبندقية المشرعة في وجه فلسطيني قد يكون مرشحا للشهادة او النصر علي العدو الصهيوني وليس للشهادة او النصر علي اخوة الامة والدين. إذ ما الذي سيبقي لفلسطين محررة اذا مات شبابها واجيالها في ابادة مزدوجة صهيونية واحترابية داخلية؟ كيف لنا ان نخفي رؤوسنا امام شعوب العالم، وقد سبق لشعبنا ان استأثر باحترام العالم وتقديره، بمن في هذا العالم شعوب القوي الامبريالية ذاتها دون تردد او مواربة.
نسأل الله ان يصيب بالصمم، كل قيادة فلسطينية، تعطي اذنيها للخارج دون تبصر، سواء كان هذا الخارج دوليا ام اقليميا.. فنحن نعلم، باعتبارنا من جيل كهول فلسطين، بأن ايماءات الخارج ونصائحه لم تكن كلها في يوم لوجه الله وفلسطين، فالخارج هو الآخر، والآخر كما يقول سارتر هو الجحيم، ولا ينطبق هذا الآخر السارتري قدر انطباقه علي كارثتنا الفلسطينية، فاذا كان السيد الرئيس عباس، كما تنثر الدعوة الحماسية علي هذا القدر العظيم من الحظوة لدي امريكا واسرائيل، اذن ما الذي يمنع من تحقيق السلام العادل، بما ترتضيه فتح وحماس بآن، دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، ما الذي يمنع العلاقة الحميمة من اقامة شرط النجاح لحليف تعتبره حماس في وضع ما فوق الصداقة مع واشنطن وتل ابيب؟ وهل في التاريخ الفلسطيني القريب، بان فشل سياسات الرئيس الشهيد عرفات، ومن بعده الرئيس عباس، انما كان بنسبة كبري، نتيجة للسياسات العدوانية الاسرائيلية، بأكثر مما هو فشل للبرنامج.
من جهة مقابلة، اذا كانت حماس علي هذه الدرجة العظمي من حميمية العلاقة مع ايران، اذن ما الذي منع السيد رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية وقد كان في طهران بالامس القريب.. من ان يطالب بحماية شعبه الفلسطيني في العراق، فقد تعالي صراخ المنظمات الدولية الغريبة، لدرجات التقتيل والتهجير، في حي الملاعب الفلسطيني في بغداد، حيث يلاقي هذا الحي سوء العذاب علي يد ميليشيات عراقية طائفية لا تخفي وجهها الايراني منذ ان تدربت في مدارس السافاك الصفوي، لربع قرن او يزيد.
فاذا كانت ايران حادبة علي مد يد العون للقضية الفلسطينية، اذن كيف تكون علي هذه الدرجة من الحيادية فيما يتم تقتيل الفلسطينيين في الساحة العراقية او حملهم علي الرحيل الي مخيمات رثة، تعيد الذاكرة الي مخيمات العام 1948، حيث لا ماء ولا تصريف ولا سماء إلا من رحم ربك. اليس العراق ساحة من ساحات ايران المثلي اليوم؟ ألم تقترح تقديم المساعدة لانتشال امريكا من ورطتها العراقية، بموجب توصيات لجنة بيكر ـ هامتلون، فكيف لها ان تقدم مثل هذه المساعدة الكبري، للوضع الامريكي في العراق، فيما تعجز عن تقديم مساعدة صغري، لانقاذ بضعة آلاف من فلسطينيي العراق، بالصاق تهمة الصدامية بتعميم مطلق، غير ان الحظ المنكوب، لهؤلاء الفلسطينيين، انهم ولدوا علي مذهب السنة، ولا نعتقد بأي سبب آخر، لتشريع الابادة بحق هذا الشعب الصغير، ان التوغل في سماع رأي الآخر الخارجي، هو مفتاح الطريق للذهاب الي اقتتال داخلي، وتبدو المعادلة قائمة في المستحيلات المتقابلة، فأمريكا واسرائيل تريدان حلا لا يتحقق فلسطينيا الا باقتتال داخلي، نزع سلاح المقاومة قبل تحرير الارض وتسييد السلطة بجعلها دولة فلسطينية حقيقــــية.. وغيرها من شعارات منظمة التحرير بشأن القدس وعودة اللاجئين.. علي ان التجريد من السلاح يسبق مثل هذه الوعود، ومع ذلك فان هناك عشرات التحفظات الاسرائيلية المسبقة ضد برنامج خريطة الطريق.
بالمقابل، فان حماس تقبل بدولة في حدود (السبع وستين) لكنها لا تقبل بالاعتراف بوجود اسرائيل، ومن الممكن نظريا، ان يكون كل الشعب الفلسطيني والعربي والاسلامي، مع هذا الرفض دون سؤال، لكن الواقع الفلسطيني بعمومه (الداخل والخارج)، اضافة الي الواقع العربي والدولي، لا يشير الي اية امكانية لتحقيق أمنية الرفض بالاعتراف، ولو من باب ما يجمع عليه العالم من باطل الاعتراف باسرائيل، فقد جرت سياسات اعلامية عربية، ظلت تقول لوقت طويل، ما (يسمي بالكيان الصهيوني)، وكان لزاما علينا، بعد ان اصبحنا من مربي الاجيال الفلسطينية الصاعدة، ان ننبه الي لزوم شطب (كلمة اسرائيل) حيثما كانت، وقد تبين بعد عقود، ان سياسات النعامة هذه، مع تسخين البلاغة الخطابية، لا تجير مظلوما ولا تسترد حقا ضاع.
ومن هنا الي مستقبل مجهول، فان شعب فلسطين، قد يضطر للاعتراف باسرائيل واقعيا، وليس حقا تاريخيا علي الاطلاق، وهذا ليس من قبيل السفسطة الكلامية (فن ابداع الكلام)، بل تترتب عليه نتائج تتماثل مع القول العربي المأثور (لا يضيع حق وراءه مطالب)، وبمعني العلم السياسي المعاصر، فان الحرب هي السياسة بمعني آخر، فاذا كان ثمة حرب، فمن المفترض ان تكون لها أطراف، والحروب الانسانية تاريخيا، كانت تنتهي الي صيغ مختلفة، اما غالب ومغلوب بصيغتها الشهيرة (دون قيد او شرط)، او تنتهي الي التسوية عبر المفاوضات حسب واقع الحال، والمفاوضات بدورها لا تصل الي وسطية التسوية المرحلية، الا بقوة محاربة خلفها، سواء كانت قتالية او لوجستية او تعبوية، ويضيف كلاوزفتز، المنظر الاستراتيجي الشهير، بان القوة الاساس، خلف المقاومة هي الحاضنة الشعبية الداخلية، او كما يسميها ماو تسي تونغ (بحر السمك بلا حدود)، وقد يتماثل هذا التشبيه مع الواقع الموضوعي لجميع الشعوب، الا شعب فلسطين الموزع الاوصال.
اما الحقيقة الثانية في قوة الاستراتيجية، فتكمن في التواصل الجواري الايجابي مع المقاومة، ونموذجها الأعم في فيتنام والجزائر وكوريا الشمالية اليوم.. وما من ريب ان الرأي العام العالمي وما يشكله من حالة دفاع رمزية عن حق الشعوب في التحرر، يظل في محل اعتبار ولا يجوز الاستخفاف بوزن الشعوب التي ظلت مؤيدة للحق الفلسطيني، الي درجة ان الرمزية الفلسطينية في الكوفية، صارت تلبس من النرويج الي بريطانيا.
ان الواقع الفلسطيني كما آل اليه تاريخنا العربي، لا يتماثل مع اي واقع آخر في تاريخ الشعوب، ومن هنا، فان الشعب الفلسطيني (خصوصا شعب الداخل) يجب ان يجترح حلا تعاقديا مهما تنابذت البرامج والمشارب، وهي دعوة ليست رومانسية بحال، قدر ما هي مصيرية، ذلك ان الثنائية التي باتت تحكم مصير فلسطين، قائمة الآن، اما في الوفاق او الافتراق، والافتراق هنا ليس بمعناه السلمي (لكم دينكم ولي دين) بل بمعناه الدموي، الذي تطرب له اسرائيل، وترقص له ادارة بوش، ولما كان الوفاق هو الحل الثاني الذي لا ثالث معه، فان الجهد المنصب علي بلوغه، مهما كانت المشاق والتضحيات بل والتنازلات حتي الي حد طلب العزلة.. لافـــــضل من المشاركة في بغي الفتنة القاتلة للجميع، فقد روي عن نبي هذه الامة محمد (ص) انه قال اذا تلاقي مسلحان بسيفيهما، فان القاتل والقتيل كليهما في النار)، فهل ناديت اذ ناديت حيا، في فلسطين والعراق ولبنان.. فلطالما يظهر القوم، كامل الصدوع لما يقوله الرسول الكريم، ام هو الظاهر والباطن، فيما تدغدغ النفوس رجعة الي جاهلية سوداء؟!
ہ كاتب من فلسطين يقيم في سورية8