صاحبة العصمة ..

حجم الخط
0

سهيل كيوان

في ذلك اليوم الصيفي عاد ابني الغض(محمود)من رحلة عجائب قضاها عند خالته في قرية جبلية معزولة ما زالت تعتبر الغنم غنيمة والماعز عزا وخير مكان في الدني ظل خروبة، حدثني بفرح عن مشاهداته، الأرنب بين الأشواك، العصافير، السلحفاة، الأرجوحة المعلقة بحبال من الليف في فرع شجرة الزعرور، أما عن ثمار الصبار فقال” غسلها لنا زوج خالتي من مياه البئر الباردة وأكلنا الكثير منها”! – ماذا قلت! كم أكلت منها؟ – الكثير..- يعني كم؟- خمسة.. ستة… لا أذكر.

ما أن سمعت هذا التصريح الخطير حتي توقعت حدوث أمر جلل! عملية قطف ثمار الصَبّار وتنظيفه وتقشيره ثم تناوله فن قائم بذاته، قطافه يكون في الفجر المُندي، وبالوقوف عكس مجري النسيم كي لا تطير إليك اشواكه الدقيقة التي يصعب التخلص منها، وبصنارة خاصة وهي قطعة أسطوانية من الألومنيوم المرقق بطول 15-20 سم لها فتحتان واسعة من طرف وضيقة من الطرف الآخر تثبت برأس عصا طويله، أما الوعاء الذي تُملأ فيه الثمار فيسمي(صبرية) وهي نصف قفة، ولكن بعد هزيمة القش أمام البلاستيك عدو البيئة غابت القفة والصبرية والقرطلّة وحتي السلة، بعدها تُنظف الأكواز ببيت من البلان الأخضر أو قصفة خروب وإلا فالندامة! خصوصا وأن زمن الإبل في بلادنا قد ولّي، فقد كنا في طفولتنا عندما تهاجمنا أشواكه نركض عند العم ( فاعور الجمّال) فيمسح لنا علي الأشواك بلعاب الإبل فيزيلها ويخفف آلامها، رحم الله العم فاعور وجماله، أذكر ردّة في صف السحجة في الأعراس(روّحت عصريّة جمالك يا فاعور) يَسمعها فيرمي بحطته وعقاله الي الفضاء طرباً ويدخل حلبة الرقص مهزوزا بالنشوة!

هناك ضرورة للإنتباه عند تقشير الصبار ثم عليك أن تتناول منها بقدر وأن تتركها وبك خصاصة، فهي رغم مذاقها اللذيذ ليست من ثمار الجنة! فبذورها كثيرة وقاسية جدا وتجاوز الحد المعقول في تناولها يؤدي الي إنسدادات تعرفها مؤخرات شعوب المنطقة! لم يطل انتظاري فقد تناهي إلي بكاء فلذة كبدي الذي بدأ كعزف منفرد نشاز علي(زنبوط بصل)، وما لبث أن فجّر مواهبه في البكاء والأنين والعويل! كان جالساً علي مقعد (اللامكان)! وهذه ترجمة فصيحة حرفية لمكان يسميه آباؤنا (الغير مطرح) محاولاً التبرز! وكانت والدته تخاطبه بغضب وتحثه”.. حاول مرة أخري.. شد!

لكنه كلما اجتهد أكثر تفاقمت أزمته وصرخ وسال لعابه وزعق بيأس…. آخ.. آخ إنها تؤلمني يمّه.. يمّه.. يمّممممممه! وقع الطفل في المِحنة!

وكل ثانية تمر عليه الآن هي قطعة عذاب لا شك أنسته متعة رحلته الأجمل وأغرب من الخيال!

احترت أنا الآخر، فما الذي أستطيع عمله لطفل قد(عصّم)، وعَصَم القربة ربط فتحتها وشدها! حماتي التي حضرت صدفة أخرجت من جعبتها نصيحة لزوجتي”أبرشي قليلا من صابونة الزيت ودسيها له!” سألتها مناكفاً ألا ينفع (الشامبو)أو صابون(لاكس) أو(هاواي) العالمي الشهرة لمؤخرة ولدنا! فأصرّت أن لا بديل لصابونة الزيت الأصلية!

أمسكت والدته بكتفيه ودست جسده النحيل بين فخذيها وأنا أطالبها بتوخي الحذر والإعتصام بحبل الصبر، فظهرت (صاحبة العصمة) صفراء لامعة تحت نور مصباح الحمام وبدا أصغر سنا مما يوحي وجهه ورأسه، دست له مبروش الصابون وهو يزداد صراخاً، واطّرد عويله كلما حاول أكثر، خصوصا وأن والدته لم تكن ودّية معه بل راحت توبخه بعصبية وأكاد اقول بسادية!” ألم أحذرك منه… كم من الأكواز تقلعطت”! وكان محمود مضحكا وهو يردد من خلال نشيجه….. أربعة… خمسة.. ستة آخ لا لا أذكر آخ.. وفجأة (نزلت) النهاية السعيدة، زفر بقوة وكأنه قربة نفّست!

صمت لحظات ليتأكد بأنها فرجت بالفعل، مسح دموعه وبدا خجلا علي ما أبداه من ضعف وصاح بفرح” مبروك يمّه مبروك يابا..”! وانقلبت آلامه ودموعه الي ابتسامة عريضة، ورحنا نتبادل التهاني أنا وزوجتي وحماتي والجيران – مبروكة (ال..) ! فعلا من يتخلص من هكذا علقة يستاهل تهنئة. ثمرة الصبار التي نعتبرها تراثا عربيا ويسميها الشاعر لوركا علي ما أذكر(التين العربي) وجعلناها شقيقة للتين والزيتون يقول( المنجد) وللأسف أن أصلها مكسيكي وهذا سبب لي غصة خفيفة وارتباكاً، فكيف تكون مكسيكية الأصل وقد عرفها أهل الأندلس قبل اكتشاف المكسيك!

هذه الثمرة يعترف الإسرائيليون بعروبتها ولكنهم لم يستسلموا فقد هجّنوها فصارت قليلة الأشواك وبذورها أقل قساوة من الأصلية وبإمكان من لم تطر أضراسه الي شمس الشمّوسة أن يطحنها، ولكنها تلائم مرضي السّكر لأنها فقدت حلاوة ومذاق الصبار الأصيل! ما أسفر عنه لقاء أولمرت بأبي مازن لا يساوي أكثر مما أخرجه محمود الطفل بعد آلام جهنمية! ولن نقول مبروك لأن (واحدة عن واحدة تفرق) فما خرج من هذا اللقاء لن يفتح مسالك مغلقة وليس حلا ولا هو طريق حل لمشكلة (تعصيم) مزمنة، بل هو إبرة أخري من الموروفين لتغييب أوجاع أصبرت، ليس سببها ثمار الصبّار البريئة بل مرض الإحتلال الخبيث الذي لا شفاء منه إلا بحلقه من جذوره! كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية