محمد عبد الحكم دياب
عندما يقول الشعب كلمته علينا الإنصات والاستماع والتدبر، وعندما تتحرك الجموع فليس أمامنا إلا التلبية والمشاركة وتقديم كل ما نقدر عليه ونطيق، فلا وقت للأنانية أو الادعاء أو المبالغة؛ في ساعة عمل وجهاد لنصرة ثورة قفزت فوق حدود الأيديولوجيات، وتجاوزت خلافات الأحزاب، وتخطت الفروق الدينية؛ فوحدت الشعب بفئاته وقواه. إنها لحظة فاصلة في تاريخ الشعب؛ طالما انتظرها وتطلع إليها. ومن الواجب أن تتضافر الجهود وتتكامل المساعي من أجل أن تصل هذه اللحظة إلى غايتها، وهي النصر النهائي والتخلص من الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار، وفور فتح تونس لباب الثورة لبت مصر فورا، وخرج شعبها.. شبابا وشيبا؛ رجالا ونساء، وبدأوا مسيرة التحرير الكبرى. وقد مدت الأحياء الشعبية والعشوائيات الثورة بزخم عظيم لم يكن متوقعا؛ لم يبق أهلها على الهامش، ويحسب للمنظمين وصولهم إلى أعماق هذه المناطق، وهذا خفف من احتمالات التخريب، التي كانت ممكنة لو تركت كتل بشرية بذلك الحجم خارج الحساب. وأقل تقدير للثورة ولأرواح شهدائها هو ترك هذه المساحة لها؛ نتعرف على مطالبها وشعاراتها من أفواه صانعيها والمشاركين فيها مباشرة؛ على مدى الأيام الأربعة الأولى من اندلاعها. ومن نوافل القول الإشارة إلى أن رياح الثورة هبت من تونس، وهذا ما أثبته مراسل صحيفة ‘الأوبزرفر’ في القاهرة وهو يستطلع آراء البعض في اليوم السابق على اندلاعها، ووجد منهم من يقول: ‘ان كانت تونس قادرة على فعلها فلماذا لا نكون نحن’، وقال آخر: ‘إما اننا سنموت او نحيا في يوم 25 يناير’. وكما تمكنت فدائية كتاب وصحافيين من انتزاع هامشا لحرية الكلمة والرأي والتعبير، فسوف تسعى هذه الجموع لانتزاع حقها في الفعل والإضراب والعصيان والتغيير الديمقراطي، ونجاحها يمثل تتويجا لتضحيات أجيال متواصلة من أجل الوصول إلى هذا اليوم. وكان تقدير مراسل الأوبزرفر أن خروج 75 يمثل انتصارا للأجيال الجديدة، وهي أجيال بعدت عن احزاب المعارضة الرسمية. وفي الوقت المحدد خرجت الألوف وتجاوزت العدد المقدر بكثير، وفتحت باب التغيير والثورة. وتكلم المتظاهرون بصوت الشعب، فماذا قالوا؟:
قوم يا محمد قول ليونس.. ثورة في مصر وثورة في تونستونس تونس خدي بايدينا.. امتى الدور حا ييجي عليناتونس تونس شدي لفوق.. خللي حكومة مصر تفوق تونس تونس هاتي الفكرة.. بكرة حاييجي الدور بكرةثورة في تونس وثورة في مصر.. ثورة ثورة حتى النصرثورة ثورة حتى النصر.. ثورة في كل شوارع مصرثورة ثورة يا مصريين.. على حكم المجرمين اهتف اهتف علّي الصوت.. اللي هيهتف مش هيموتيا جمال قول لابوك.. كل الشعب بيكرهوكيا مبارك يا مبارك.. بِن علي في انتظاركيا زين قول لمبارك.. الطيارة في انتظاركيا زين قول لمبارك.. السعودية في انتظاركابن علي بيناديك.. فندق جدة مستنيك يا مبارك شد حيلك.. الطيارة بتناديلك بالطول وبالعرض.. حنجيب مبارك الأرضعلّي صوتك بالهتاف.. مش حنطاطي مش حنخافارفع ارفع في الأسعار.. بكرة الدنيا تولع نار غلوا السكر غلوا الزيت.. لما بعنا عفش البيتالتغيير بقى مطلوب.. قبل الشعب ما ياكل طوبعلّي سور السجن وعلّي.. بكرة الشعب يقوم ما يخلّي يا حرية فينك فينك.. أمن الدولة بينا وبينكياحرية فينك فينك.. الطوارئ بينا وبينكياحرية فينك فينك.. حسني مبارك بينا وبينكالاعتصام الاعتصام.. حتى يرحل الحكامأمن الدولة يا قوة يا عظمى.. إنت قوة ملهاش لازمة أمن الدولة ليه ليه.. إحنا في سجن ولا إيهأمن الدولة يا أمن الدولة.. فين الأمن وفين الدولة ابعد ابعد ماتضربينش.. مش لاقيين رغيف العيشحسني حسني بيه.. كيلو اللحمة بـ 100 جنيهقول حكاويك قول أشعارك.. ليه الغاز بعته بعارك يا مجلس شعب مساء الخير.. أمين تنظيمك مليارديرحزب يا حاكم صباح الخير.. أمين سياساتك مليارديردي دولة عز وحديده.. أحنا بقينا من عبيدهفين اللقمة وفين الطب.. أحمد عز رمز النهب ما في علاج ولا في طب.. حسني مبارك عدو الشعبياحربية ياحربية.. هاتوا إيديكم ويا إيديهيا حربية يا حربية.. سرقونا شلة حراميةقولوا للشعب قولوا للجيش.. مش لاقيين رغيف العيشحد أدنى للأجور.. خلي الشعب يثوريا وطنا يا موحدنا.. ضد حكومة بتهددنا لا إله إلا الله حسني مبارك عدو الله بيقولوا علينا مختلين.. طيب من هنا مش ماشيين يا قوانين الحريات.. هي دي انتخاباتهذا ما تمكنت من جمعه وترتيبه طوال الأيام الماضية، يضاف إليها هتافات ضد حسني مبارك واستبداده؛ وضد الحزب الحاكم.. الحزب الوطني باطل.. جمال مبارك باطل.. أحمد عز باطل.. وجاء ذلك مصحوبا بطلب إقالة أحمد نظيف رئيس الوزراء، وحبيب العادلي وزير الداخلية، وحل مجلسي الشعب والشورى، ووقف تصدير الغاز إلى الدولة الصهيونية، وإلغاء لجنة جمال مبارك المعروفة باسم لجنة السياسات. ورغم تعطيل السلطات الأمنية لوسائط الاتصال الالكترونية؛ كان المتظاهرون يتواصلون في المدن والأحياء، وكان الرصد الكفء للمظاهرات ملفت للنظر، ونجد نموذجه فيما حكاه من وصف نفسه بالراصد أحمد عبد الحميد، ومع ما لحقه من تعب وما أصابه من برد من جراء المياه التي أغرقتهم من خراطيم الشرطة، وشهادته الميدانية تستمد أهميتها من نقلها لأجواء تعيشها الثورة، وكانت بمثابة مفاجآت ملفتة تصادفه في حياته:
المفاجأة الاولى: حجم الناس وكثرة عددهم، ويرى أن الكل كان يتصور أنه ذاهب للمظاهرة وحده وأن الباقين يجلسون في بيوتهم، وهذا لم يحدث. المفاجأة الثانية: هي ان معظم من خرجوا، ومنهم من أسماهم الفرافير، وهو لا يقصد ما كان يعنيه يوسف إدريس في مسرحية شهيرة بهذا الاسم، إنما يقصد شباب ‘الفيسبوك’، ويصف شكلهم بأنهم في بحبوحة مادية نسبية، ومعهم أعداد غفيرة من مهن متعددة، وقد قابل زملاء كانوا معه في الجامعة؛ لم يرهم من عشر سنين، ويستغرب كيف نزل هؤلاء الشارع وليسوا من المطحونين ‘قوي’ مثل بقية الناس، حسب تعبيره. المفاجأة الثالثة: هي على الرغم من ان معظم الناس كانوا شبابا؛ كان هناك مسنون ونساء؛ يسرن على مهل، ولم يكن عددهم قليلا، ومنهم من كان يصطحب أولاده معه. المفاجأة الرابعة، كانت عن الفتيات في مجموعته؛ كانوا الأكثر عددا، ووصفهم بأنهم ‘بنات فرافير’ بالمعنى الذي ورد في الفقرة السابقة. ووصفهم بأن من يراهم في الشارع يقول دول تربوا فىي شرنقة ذهب، ولا يسيرون في الشارع وحدهم، ووصفهم ‘بس ايه رجالة وجدعان؛ بنات بس رجالة مش عارف ازاي’!. المفاجأة الخامسة: تمثلت في الخوف على الفتيات من التحرش، ولم يتحرش بهم أحد. ‘كله كان محترم وخايف عليهم أكثر منا’ وكان هذا دليله على أن التحرشات يقوم بها مدسوسون من وزارة الداخلية. المفاجأة السادسة: تجنب العنف، وحين بدأ البعض يهاجم مركبات الامن المركزي، التي كانت تطلق خراطيم المياة على المتظاهرين؛ هتف الكل: سلمية، سلمية، سلمية!. المفاجأة السابعة: وهي عندما بدأ الاعتصام بميدان التحرير، وجلس الجميع وسط الميدان؛ بدأ البعض في تنظيف المكان من المخلفات؛ ‘علشان الناس تعرف اننا متحضرون’. المفاجأة الثامنة: حول وجودهم في ميدان التحرير؛ فحين تطلع إلى المكان الذي كان يشغله مع زملائه وجده نظيفا بالفعل!. المفاجأة التاسعة: وهي عن فتاة لم تكن معروفة له؛ ‘بتحلف بالمصحف وبالنبي’ واكتشف أنها مسيحية، وسأل كيف لم يظهر هذا؟! ويرد: ‘لأن كلنا بنحب بلدنا وبنهتف علشان تبقى أحسن’، فلم تظهر مثل هذه الفروق الطفيفة! المفاجأة العاشرة: عن مقدار النشوة والفخر وهو يهتف باسم مصر بأعلى صوته فيقابل بالتصفيق الحاد؛ ويستطرد: بلد مفروض أنه وطنك، وتتمنى الحياة فيه طول عمرك، وتعيش فيه بقية حياتك؛ دون أن تتهم أو تدمغ بالعاطفية والحمق، وواتته الفرصة أخيرا ليعلن حبه لبلده، ومن غير خجل!. المفاجأة الحادية عشرة: هي عن مشاعر الخوف و القلق، بسبب ما يمكن أن يقوم به الأمن ضد المتظاهرين، قال: تنظر للسماء وتهتف مع عشرين أو تلاتين الف وتقول الله أكبر و يارب، فتطمئن لانك نصرته، وهو من المؤكد سينصرك، وقد فعل وله الحمد والشكر. المفاجأة الثانية عشرة: وكانت عن جمال مشهد من يتجمعون، ويؤدون الصلاة معا في هذه الأجواء المشحونة!. المفاجأة الثالثة عشرة: هي عن وصفه باقي زملائه ‘بأنهم زى الفل من غير مبالغة و بكل ما فى الكلمة من معان: شهامة وجدعنة، وحب للبلد، ووعى وفهم عميق وإيمان. المفاجأة الرابعة عشرة: وكانت عن أن أقوى الهتافات التي تجمع الناس، وهى تلك الموجهة ضد مبارك وحكمه، وكانت دليله على أن الشباب فاهم جدا وعارف أين المشكلة؛ الهتافات الأخرى لم تكن تقابل بنفس الحماس! المفاجأة الخامسة عشرة: حول روايته لابراهيم عيسى والناس تحمله على الاعناق، وكان حبهم له ظاهرا وواضحا، وعبر عن مشاعره وهو يقابل نوارة نجم (كريمة الشاعر أحمد فؤاد نجم)، وسلامه عليها وهي تذرف دموع الفرح مما وصفه بجمال وبهاء ما تراه، وأضاف معلقا ‘المحترم محترم فى كل حاجة، واللي بيرضي ربنا، ربنا بيديله كتير’. المفاجأة السادسة عشرة: عن مشواره الطويل من الجيزة إلى ميدان التحرير، وقطعها مع زملائه طولا وعرضا، وكلما حاول الأمن إيقافهم؛ ينضم إليهم آخرون، ويزداد العدد.. في ميدان مصطفى محمود، وشارع جامعة الدول العربية، وشارع البطل احمد عبد العزيز، وميدان الدقى، وشارع التحرير، وطريق الأوبرا، وميدان التحرير.
وننهي هذا بالمطالب التي أقسم عليها المعتصمون بميدان التحرير؛ ليلة السادس والعشرين من هذا الشهر، وتلخصت في:1) تنحية حسني مبارك عن الرئاسة فوراً.2) إقالة الوزارة كاملة.3) حل مجلس الشعب المزور.4) تشكيل حكومة وطنية.
وكان يحدوهم الأمل باستمرار الاعتصام حتى تلبية هذه المطالب، ودوام الاتصال بالناس ودعوتهم للخروج، وكذلك حث النقابات والأحزاب والجمعيات من أجل انتزاع مطالب الشعب المشروعة، وتنظيم الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في كل مكان حتى إسقاط حكم مبارك.
وأعتقد أن إتاحة الفرصة للاستماع لصوت الشعب كان واجبا يمليه الموقف، وهو ما اعتاد المستبدون والطغاة على تجاهله، وها هي الثورة تعيد له الاعتبار؛ وسيبقى الشعب معلما وقائدا؛ نقف أمامه إجلالا واحتراما وهو يقدم الشهداء والضحايا قربانا للتحرر من الطغيان والطغاة!’ كاتب من مصر يقيم في لندن