د. سعيد الشهابي
حرب باردة تدور رحاها سرا وفي العلانية بين لندن وطهران، لها محاور عدة، ومسارح متنوعة. تصاعدت نغمة هذه الحرب بعد قيام الجمهورية الاسلامية بعقد مؤتمر دولي حول الهولوكوست، القضية التي أصبح التشكيك فيها من المحرمات في عدد من الدول الغربية. ليس معروفا دوافع طهران لعقد ذلك المؤتمر، ولكن الواضح ان محاور الاختلاف بين العاصمتين تتوسع، وان ميادينها اصبحت ممتدة من افغانستان الي العراق ولبنان وفلسطين، ولها عناوين فاقعة احيانا في مقدمتها المشروع النووي الايراني والموقف الايراني إزاء عدد من القضايا الساخنة ومن بينها الساحة اللبنانية. ولكن السؤال هنا: لماذا اختارت بريطانيا تصعيد الموقف مع ايران في هذا الوقت؟ في الوقت الذي تلوح فيه معالم انفراج محدود بين واشنطن وطهران، وفي الوقت الذي تتجلي معالم اخفاق السياسات الانكلو ـ امريكية في المنطقة، وتتعالي فيه الصيحات في لندن وواشنطن لسحب القوات من العراق. رئيس الوزراء البريطاني مضطر لترك منصبه في غضون الشهور الستة المقبلة بعد تدني شعبيته وتصاعد الصيحات المطالبة بتنحيه في اثر الفشل الذريع للسياسة الانكلو ـ امريكية في العراق. لم يكن بلير متحمسا لترك المنصب ولكن لم تعد حظوظه في البقاء كافية لتشبثه به. وتكرر القول مؤخرا بان بلير يسعي لتحقيق تطور في أوضاع الشرق الاوسط في الفترة المتبقية من حكمه، ولذلك ازدادت زياراته للمنطقة. بداية هذه الزيارات ليست مشجعة، فلم يستطع حلحلة الوضع الفلسطيني، بل ادت تصريحاته لاضعاف قدرة بريطانيا علي القيام بدور الوسيط المحايد والمتوازن، عندما تحدث بطريقة سلبية عن منظمة حماس، واعتبرها عائقا امام السلام. وبدا أكثر تصهينا من بقية الزعماء الغربيين. ولم يكن أكثر ايجابية عندما تحدث عن العراق، وبدا مغايرا في موقفه لاقتراحات لجنة بيكر ـ هاميلتون التي اقترحت إشراك ايران وسورية في قضية العراق واحلال الامن في ذلك البلد المعذب. واضاف تعقيدا الي الوضع عندما حرض دول المنطقة ضد ايران، وسعي لاظهارها كبلد ضد السلام الأقليمي والدولي. وأثار غضب الجمهورية الاسلامية بدفعه لاستصدار قرار عن مجلس الامن الدولي بفرض عقوبات اقتصادية محدودة ضدها. يصعب الحديث بقدر من الثقة حول العلاقات البريطانية ـ الايرانية، التي ما برحت تتقلب وتضطرب، صعودا وهبوطا، مع كل تطور في المنطقة. والواضح ان كلا من لندن وطهران ترفضان الانصياع للظروف السياسية الطارئة التي توصل العلاقات الي ما يقرب القطيعة، لعلمهما ان قطعها يزيد الوضع تعقيدا بدلا من حله او احتوائه، وان اعادة تلك العلاقات لاحقا سيتحول الي عقدة اضافية تتحدي الجانبين. بلير قال في اليوم الاخير لزيارته للمنطقة ان ايران تدعم علانية الارهاب في العراق وتقوض الحكومة اللبنانية وتعرقل عملية السلام الاسرائيلية ـ الفلسطينية. وجاء الرد الايراني علي لسان محمد علي الحسيني، المتحدث باسم الخارجية الايرانية ان النهج السلبي والباعث علي الشقاق من جانب بريطانيا والترويج للحرب والسياسات الاحادية للرئيس الامريكي جورج بوش وتوني بلير تسبب في اشاعة التوتر والتطرف في المنطقة. وردا علي دعوة بلير دول المنطقة للتوحد ضد ايران ازاء مشروعها النووي، قال المسؤول الايراني ان تصريحات بلير لا يمكن ان تضر بالاخوة الصادقة وحسن الجوار بين دول المنطقة. دعوة بلير هذه كانت ابعد ما يكون ليس عن الدبلوماسية فحسب، بل عن متطلبات المنطقة وحاجاتها، ومناقضة لاطروحات اكثر من جهة غربية مهتمة باوضاع المنطقة وآخرها لجنة بيكر ـ هاميلتون. والمعروف ان توني بلير لن يقضي في منصبه اكثر من ستة شهور مقبلة، وانه سوف يتخلي عن منصبه، بعد ان تصاعدت الانتقادات ضد سياساته خصوصا ازاء مسألة الحرب في العراق. وسعي رئيس الوزراء البريطاني الذي تدنت شعبيته بمعدلات غير مسبوقة لاحتواء هذا التداعي في حظوظه السياسية، لتحسين ملفه الشخصي بالتعهد بالتصدي لقضايا الشرق الاوسط في ما تبقي من فترة ولايته، ولذلك قام بزيارته للمنطقة، ومفاوضاته مع بعض الزعماء العرب. وما يزال يضع نصب عينيه مسألة صفقة سلاح ضخمة تتجاوز قيمتها صفقة اليمامة، وتقوم السعودية بموجبها بشراء عشرات الطائرات العسكرية من نوع تايفون. وقد قوبلت هذه الدعوة باستغراب من اوساط سياسية واعلامية بريطانية، وانتقدت علي صفحات الجرائد ومن بينها صحيفة التايمز. فقد كتب السيد أناتولي كالتسكي يوم الخميس الماضي مقالا بعنوان: انك تهاجم الدولة الخطأ، يا سيد بلير. وجاء في ذلك المقال سرد لعدد من التطورات ذات المغزي السلبي للمصالح البريطانية، مطالبا بلير بالتصدي للملكة العربية السعودية اذا كان يريد حقا مواجهة الارهاب. احتوي السرد المذكور علي عدد من الامور: أولها انصياع بريطانيا مؤخرا لطلب سعودي بتجميد بعض القوانين البريطانية المعنية بمكافحة الفساد لكي لا يتم التحقيق في الاوضاع المالية للامراء السعوديين بعد ما تردد عن حصول بعضهم علي عمولات كبيرة في صفقة اليمامة. ثانيها: فشله في احياء عملية السلام المعنية بالصراع العربي ـ الاسرائيلي، وثالثها: الحملة التي تعرض لها رئيس الوزراء شخصيا في بعض وسائل الاعلام البريطانية، بانه ساوم علي المصالح البريطانية في اطار علاقاته الوثيقة مع جورج بوش. الكاتب اشار، من جهة اخري الي انه كان من الاجدر بالسيد بلير ان يوجه اهتمامه للوضع السعودي، معتبرا ان السعودية تحتل موقع الصدارة في اطار الحوار حول الحرب ضد الارهاب. ويمضي الكاتب بقدر من التوسع لعرض المسألة السعودية، معتبرا ان الرياض هي التي تغذي ظاهرة التطرف في العالم الاسلامي، بأموال النفط. والمعروف ان المال النفطي كان قد توفر للحكم السعودي منذ الطفرة النفطية قبل ثلاثين عاما، وان الرياض انفقت اموالا هائلة لدعم المجموعات الدينية في بلدان كثيرة خصوصا البلدان ذات الكثافة السكانية العالية مثل جنوب شرق آسيا وباكستان. تلك الاموال ساهمت في غرس بذور التطرف والطائفية في العالم الاسلامي، الامر الذي ادي في النهاية الي تفجر الازمات الامنية الواسعة، وتنامي ظاهرة الارهاب. الكاتب يعتقد ان السعودية هي الدولة التي لا تمارس الديمقراطية ولا تؤمن بها، ولا يمكن الثقة بها كشريك في محاربة الارهاب، لانها هي التي رعت، وما تزال ترعي المجموعات الدينية التي نشأت منها المجموعات المتطرفة. الواضح ان بريطانيا لن تستجيب لهذه الدعوة، ولذلك اسبابه. اول هذه الاسباب اقتصادي، اذ تمتلك السعودية عائدات نفطية عملاقة (بلغت ميزانيتها السنوية اكثر من مئة مليار دولار)، بينما تتجاوز عائداتها النفطية السنوية المائتي مليار دولار سنويا. هذه الاموال الهائلة لا يمكن ان تترك بأيدي العائلة المالكة السعودية، بل يتسابق الغربيون لاستعادة جزء منها الي الغرب. ولذلك تراجعت الضغوط التي بدأت بعد حوادث 11 ايلول (سبتمبر) علي السعودية بشأن الديمقراطية وحقوق الانسان، واصبحت اموال النفط السعودي عاملا اساسيا في شراء المواقف الغربية خصوصا الامريكية والبريطانية، ومحاصرة الدعوات المطالبة بالتطوير الديمقراطي. السنوات الخمس الماضية كانت حافلة بالاتصالات السرية والمساومات حول المسألة الديمقراطية كوسيلة ضغط لاستعادة جزء من الاموال النفطية السعودية. بريطانيا اليوم تطمح في ضمان صفقات تسلح عملاقة مع السعودية، ويصعب الاعتقاد بامكان الضغط البريطاني عليها لأسباب سياسية وديمقراطية. وثمة صراع يدور في الخفاء بين تيارين سياسيين مؤدلجين في المنطقة: احدهما تمثله ايران بمواقفها المعادية للولايات المتحدة و اسرائيل وقدرتها علي التحرك ضد مصالحهما، وثانيها تمثله السعودية وتوجهها الذي يعتبر اكثر انسجاما مع السياسات الغربية، فهي غير مرتاحة لصعود نجم منظمة حماس في الاراضي المحتلة، وحزب الله في لبنان، والمشروع النووي الايراني، والدور الشيعي في العراق. السبب الثاني ان بريطانيا اصبحت تتحسس من تراجع دورها في الشرق الاوسط خصوصا بعد ان اصبح هناك وعي شعبي بان ذلك الدور لم يعد ايجابيا بل مرتبطا بشكل وثيق بالسياسة الامريكية الفاقعة، وفشل بريطانيا في ممارسة دورها التاريخي في منطقة الخليج. ثالثها: ان بريطانيا اصبحت معنية بشكل اكبر بالمشروع النووي الايراني، واكثر حماسا لمواجهته، لتكون بذلك منسجمة مع السياسة الامريكية. وقد لوحظ في الاسابيع الاخيرة تصاعد الاهتمام البريطاني بهذا المشروع، واعلان لندن مواقفها علنا ليس ضد ذلك المشروع فحسب، بل للترويج المتحمس ضده، وصياغة القوانين الدولية التي تدين ايران، وتدعو الي المزيد من العقوبات بلغة تعتبرها الجمهورية الاسلامية معادية لها. ومنذ بداية الاهتمام الغربي ضد المشروع النووي الايراني، تصدرت بريطانيا الدعوة لاستصدار قرارات دولية عن مجلس الامن ضد طهران، وجاء القرار الاخير الاسبوع الماضي ليزيد من حدة التوتر وحالة الاستقطاب بين طهران ولندن. في ظل هذه الحقائق، يصعب استشراف العلاقات البريطانية الايرانية، نظرا للعقد التاريخية التي ارتبطت بهذه العلاقات، وحرص كل منهما علي عدم قطع الشعرة الهشة في ما بينهما، وفي الوقت نفسه تواصل التحشيد من كلتا العاصمتين ضد الاخري. ويبقي العراق المسرح الاهم للمناوشات السياسية بين لندن وطهران، بما لكل منهما من علاقات تاريخية مع العراق، وتقاطع علاقاتهما في بعض الاحيان، وتضاربها في اغلب الاحيان. بريطانيا تتهم الجمهورية الاسلامية بالتدخل في العراق، وترد ايران مؤكدة حقها في الاهتمام بالشأن العراقي، وتحريضها ضد قوات الاحتلال. وبين هذين الموقفين يبدو الموقف الامريكي اكثر استعدادا لاعادة النظر في استراتيجية التدخل العسكري ومعاداة ايران، خصوصا بعد صدور توصيات لجنة بيكر ـ هاميلتون. ثمة مطالبات جادة من بعض الاوساط السياسية والاعلامية البريطانية باعادة النظر في سياسات بلير التي جعلت بريطانيا تابعة لواشنطن، معتمدة لتحقيق ذلك علي شخص غوردون براون، الزعيم المنتظر لحزب العمال الحاكم. الواضح ان تعقد الوضع في العراق اصبح عائقا كبيرا امام اي مشروع عسكري ضد ايران، خصوصا بعد اختلاط الاوراق السياسية في المنطقة. فبالاضافة الي العراق التي اصبحت جرحا نازفا للشعب العراقي والوجود الامريكي والبريطاني، فان الوضع في لبنان لا يقل خطرا وأهمية. فالدعوة لنزع سلاح حزب الله اللبناني لا يمكن فصلها عن السياسات الانكلو – امريكية تجاه ايران، وقد جاءت ردة الفعل البريطانية الاخيرة ازاء مؤتمر الهولوكوست الاخير في طهران، لتضيف الي حالة الانزعاج الايراني من الممارسات البريطانية، وما تعتبره حربا استخباراتية سرية تشنها بريطانيا ضد مصالحها في العراق والخليج، بالاضافة الي موقف لندن الذي تميز بانسجامه الكامل مع الموقف الامريكي تارة، وتحريضه ضد ايران من جهة اخري. هذه الحرب الاستخباراتية في الوقت نفسه، محكومة بآفاق العلاقات بين لندن وطهران، وهي علاقات حرص الطرفان علي الحفاظ عليها وعدم التفريط بها خصوصا بعد التجربة العدائية الطويلة التي استمرت بين صعود وهبوط علي مدي عشرين عاما. وبرغم حرص العاصمتين علي الابقاء علي العلاقات الهشة بينهما، فالوضع يقترب من حالة القطيعة، الامر الذي ينذر باعادة رسم خريطة التحالفات في الشرق الاوسط وخصوصا في منطقة الخليج. انها نار تساهم اطراف عديدة في إذكائها خصوصا زعماء اسرائيل، ولن يطفئها الا عقول الساسة في طهران ولندن، فهل يفعلون ذلك؟ ہ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن9