لندن ـ “القدس العربي” من خالد الشامي:
استيقظ المصريون امس علي اعلان الرئيس حسني مبارك عن اكبر تعديلات دستورية تشمل 34 مادة في الدستور الذي وضعه الرئيس الراحل انور السادات عام 1971 وعرف بـ الدستور الدائم، وهذه اكبر تعديلات منذ نحو ثمانين عاما.
وبدأ اليوم التاريخي بالقاء مبارك خطابا في القصر الرئاسي امام كبار رجال الدولة ومعارضين تم اختيارهم بعناية وعلي رأسهم الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع الذي لوحظ انه جلس في الصف الاول، بينما السيد جمال مبارك في الصف الثاني، وهو ما اعتبر دليلا علي امتنان الحكومة من الدكتور السعيد بعد مشاركته في العديد في ما وصف باكبر حملة تلفزيونية حكومية ضد جماعة الاخوان. وتطالب بعض احزاب المعارضة بتعديلات واسعة للدستور منذ اكثر من عشرين عاما، الا ان مبارك كان يحذر دائما من التلاعب في مواد الدستور معتبرا انه اساس للاستقرار السياسي، ومن هنا تتضح ابعاد المفاجأة الدستورية واهمية توقيتها كذلك.
وتثير التعديلات المقترحة اسئلة صعبة حول شكل النظام السياسي الجديد اذ انها لا تصل لجعله برلمانيا مع احتفاظ رئاسة الجمهورية بسلطات واسعة، ما دفع احد المعارضين للقول انهم يريدون نظاما برلماسيا (…) بينما وصفه مسؤول حكومي بانه سيكون نظاما مختلطا مثل النظام الفرنسي، الا انه لم يذكر وجود فوارق موضوعية اساسية مثل عدم وجود قيود علي تشكيل الاحزاب او اصدار الصحف او قوانين مقيدة لممارسة العمل السياسي في فرنسا.
وايا كان نوع النظام، فان مراقبين يرون في التعديلات بوادر عام سياسي بالغ السخونة في مصر نظرا لاحتوائها علي نصوص اشكالية عديدة، ومن بينها:
ـ النص علي حظر اي نشاط سياسي علي اساس ديني يمهد الطريق الي حملة امنية واسعة ضد جماعة الاخوان حيث ان عقد اي مؤتمر او ندوة او خوض انتخابات من اي نوع تحت شعار الاسلام هو الحل سيدخل تحت طائلة هذا التعديل. واعتبر مراقبون ان هذا النص غير ضروري حيث ان القوانين الموجودة بالفعل تمنع انشاء احزاب دينية، معتبرين ان الهدف هو الانتقام من الاخوان بعد فوزهم بخمس مقاعد البرلمان في الانتخابات الاخيرة، وان الحملة الاعلامية الحكومية الاخيرة ضدهم كانت تمهيدا لهذا التعديل.
ـ تعديل المادة 88 من الدستور التي تنص علي ضرورة الاشراف القضائي الكامل علي الانتخابات، يمهد الطريق الي ابعاد القضاة عن اللجان الفرعية للتصويت حيث يجري التزوير عادة. واستغرب خبراء قانونيون ان ينص التعديل الدستوري علي اجراء الانتخابات في يوم واحد وهو ما يضع عبئا هائلا علي القضاة ويجعل التأكد من نزاهتها شبه مستحيل.
ـ تعديل المادة 136 التي كانت تشترط اجراء استفتاء شعبي ليصبح قرار رئيس الجمهورية بحل مجلس الشعب قانـــــونيا، ما يفتح الطريق امام حل المجلس الحالي واجراء انتخابات حسب القــــواعد الجـــديدة لضمان ابعاد المستقلين و الاخوان.
ـ الغاء المادة 179 الخاصة بجهاز المدعي الاشتراكي الذي قام بملاحقة عدد كبير من قضايا الفساد وآخرها قضية العبارة الغارقة، واحلالها بنص جديد يشير الي قانون لمكافحة الارهاب يتضمن اجراءات استثنائية لتعطيل المواد 41 و44 و45 بالدستور وهي التي تضع شروطا صارمة للحد من حريات المواطنين او القبض عليهم. ومن المقترح ان يقتصر تطبيق القانون علي قضايا الارهاب فقط، الا ان المعارضة تتخوف من استئثار الحكومة لتعريف الارهاب والانشطة الداعية له سواء كانت سياسية او اجتماعية او اقتصادية، معتبرة ان الحكومة قد تستخدم القانون كأداة للقمع السياسي كما فعلت مع قانون الطوارئ طوال ربع قرن.
ولاحظ المراقبون عدم وجود جدول زمني محدد لالغاء حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1981، اذ اكتفت التعديلات بالاشارة الي ضمان سن قانون جديد لمكافحة الارهاب يجعل من غير الضروري تطبيق قانون الطوارئ في مواجهة هذه الآفة. وهذا ما كانت تردده الحكومة بالفعل منذ اعوام، دون ان تحدد اي تاريخ للانتهاء من اعداد القانون الجديد.
ـ اما المادة 182 الخاصة بسلطات رئيس الجمهورية في حالات العجز الدائم او المؤقت، فيطلب التعديل المقترح نقل سلطات الرئيس الي رئيس الوزراء بشرط الا يقوم الاخير خلال فترة تمتعه بـــــتلك الصلاحيات بحل مجلس الشــــعب او تعديل الدستور (…). ويفتح هذا التعديل واسعا باب التكهنات حول اسلوب انتقال الرئاسة وسيناريوهات ما تسميه المعارضة بـ التوريث.
وكان مبارك اعلن في خطاب امام مجلسي الشعب والشوري الشهر الماضي عزمه البقاء في الحكم ما دام في الصدر قلب ينبض او نفس يتردد.
وربط المراقبون هذا التعديل بتكهنات اثيرت مؤخرا حول قيام رئيس الوزراء الحالي بدور مهم في المرحلة المقبلة قد يشمل تولي سلطات رئاسية محددة لحين اجراء انتخابات رئاسية جديدة في اعقاب اقرار التعديلات المقترحة في الصيف المقبل الذي قد يكون شديد الحرارة، ومثقلا بمفاجآت اخري عديدة.