موسم الحج وذكري حريق مني

حجم الخط
0

تدمع عيني في كل عام وأنا أشاهد الحجيج وهم يتّجهون الي المشاعر المقدّسة في يوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية الذي يسبق يوم الحج الأكبر أي الوقوف بعرفة، لأنني أعلم أنّ هناك ثمة مصيبة من المرجّح أن تحدث فتحصد حياة العشرات منهم ان لم نقل المئات، فلا زلت أذكر ذلك اليوم المريع وهو يوم التروية سنة 1996، يوم احترق أكثر من 700 حاج وحاجة، في ذلك اليوم كنت قد وصلت أنا وأصدقائي الي مِني حيث توجهنا الي مسجد هناك يطلقون عليه اســـــم جامع الكويتيين حيث جلسنا فيه وبدأنا بقراءة القــــرآن، و قبيل الظهر بقليل بدأنا نســـمع أصوات الحجيج وهم يدعون اللهم أنزل المطــــر، لم أفهم أنا وأصدقائي ما الذي يحدث خارج المسجد، ومع مرور الدقائق أخذت مشاعر الرعب والخوف تظــــهر علي وجـــوه من كانوا في الداخل، فقررنا أن نخرج من الجامع لنعرف ما الذي يحدث في الخارج، وعنــــدما خرجنا كانت السماء تغطيها سحب سوداء كثيفة والحجيج يركضون في كل الاتجاهات تتملكهم مشاعر الرعب والخوف، فرائحة الموت انتشرت بسرعة البرق وامتلأت مني بالصراخ وزفير النيران المندلعة كان بمثابة موسيقي تصويرية لمشهد الموت الجماعي المريع.

ركضت أنا وأصدقائي واتّجهنا الي أحد الجبال القريبة منا، وفي طريق الهروب، مشاهد مؤلمة قد حُفِرَتْ في الذاكرة، جثث محترقة، ورجال ونساء كبار في السن، ملأهم الخوف والرعب، منهم من تمكّن من الهرب ومنهم من استسلم للنيران، ليلقي وجه ربه، وعندما بدأنا بصعود الجبل كنا نسمع أصوات انفجارات جرار الغاز الكبيرة التي تناثرت شظاياها لتزيد الطين بلة، في ذلك اليوم انتابني شعور بأن الموت قد اقترب ولم يبق لي الاّ لحظات وتلتهمني النار، أو شظية طائرة من جرار الغاز المنفجرة تخترق جسدي وترديني قتيلاً، استمريت بصعود الجبل مُخْتَرقاً سحب الدخان، وعندما بدأت أري زرقة السماء أدركت بأنني قد نجوت من الموت بأعجوبة، ولم أر أصدقائي الذين لم يتمكنوا من اكمال الطريق ولكنّهم أيضاً نجوا.

وهناك علي قمة الجبل بدأت أري مني الملتهبة والمنكوبة، وبعد أن أكلت النيران كلّ شيء أخذت بالانحسار تدريجـــياً الي أن انطفأت، وبعد تلاشي الدخان نزلت من الجبل، لتبدأ المأساة بأخذ شكلٍ آخر، فقد رأيت شيخاً مغربياً طاعناً في السن يتكئ علي عصي ويرتدي ملابس الاحرام البيضاء المتّشحة بالسواد والتي تفوح منها رائحة الحريق، رأيتــــه ينادي وينك يا حاجة راكي رحت بالعافية والعافية هي النار باللهجة المغربية، فقــــد فقد زوجته في الحريق ولا يعلم أين هي، رحمة الله الواسعة تمثّلت في عدم وصول كل الحجيج الي مني فــــقد كانوا في الطريق، فلو بدأ الحــــريق بعد ساعتـين لكانت هذه الكارثة فريـــــدة من نوعــــها لم تشهد الانسانية لها مثيلاً، ومرّت تلك الليلة الثقيلة التي قضيتها مستمعاً لمآسي الحريق المحزنة.

وفي الفجر توجّهنا الي عرفة وفي اليوم التالي بدأ العيد الذي لقضائه كان لا بدّ من الرجوع الحــــزين الي مني المحـــترقة والتي كان لا بد من قضاء يومين آخرين فيها لرمي الجمرات، وموقع الجمرات هذا عادة ما يكون ساحة أخري للموت الجماعي بسبب سوء ادارة الحشود. وبعد سرد هذه الشهادة أري من الضروري ذكر بعض الملاحظات، فقبل الحريق عندما كنت أتجه الي جامع الكويتيين لاحظت الجرار الكبيرة لغاز الطهي والتي كانت السبب في اندلاع الحريق، ورأيت الخراف المعدّة للذبح، وهنا أسأل ألا يستطيع أولئك الناس أن يصبروا قليلاً ويتوقفوا عن التهام الطعام الذي يبدو أنّهم لا يعرفون غيره في الحياة، فقط عليهم أن يتوقفوا عن الطهي وأكل اللحوم لمدة ثلاثة أيام فقط، واين هي ثقافة الحج التي توضح وتشرح فلسفة المبيت في مني، فمن الممكن أن تكون مني مكاناً رائعاً للتخييم والتعبد.

باسم فارسرسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية