عبد الحميد سحبان
جلست أرقب لوحة غروب الشمس عند شاطئ البحر، فهالني منظر احتضان صفحة الماء الأزرق اللامتناهي للجمرة الحمراء الهائلة، والحمرة تغمرني سرحت أفكر في أمر عالمنا المنكوب، وقلبي يطفح ألما وحسرة، ساءلت نفسي المنبهرة بروعة هذه اللوحة التي تتكرر كل مساء دون أن يستخلص منها الانسان عبرة روعة هذا الكوكب وجماله.
ـ ماذا يقع الآن بحق السماء، ما هذا البلاء، وأي مصيبة هذه التي حلت بنا في هذا الزمن المقيت، هل هذه هي قمة ما وصلت اليه الحضارة البشرية، أم أن للقضية سرا آخر؟
كم هي جميلة لوحة الغروب التي أراها الآن أمامي منتصبة مكتملة، لا ينقصها سوي أن يتوقف الزمن لبرهة حتي أتمكن من الاستمتاع بها قدر الامكان؟ هيهات!!! عقارب كل الساعات، تشير الي أن الزمن حين يأتي المساء، فنان لا يتقن وضع اللمسات، بل يكتفي باسدال ستارة سوداء.
سألت نفسي التي حاصرتها الظلمة من كل جانب:
ـ أين هي انسانية الانسان، أين هي مثله العليا، أين هو صوت الفضيلة، أين هو الحق في الحياة الذي تمنحه الطبيعة بسخاء لكل من يحمل صفة الانسان، مهما كان لونه وجنسه وعرقه واعتقاده، هل الأقوياء هم وحدهم الجديرون بالحياة، وبعدهم فليكن الطوفان؟ آه.. كم صرت أكره هذا العصر المرشوش بالشر المرصع بالموت والدمار. اتجهت بتثاقل صوب ضوء المدينة المتراقص كشموع مبثوثة في رأس شمعدان ضخم، قلت في نفسي وصور المجازر البشعة التي ترتكب يوميا في مشرق الأرض هذه الأيام.
ـ ما هو سر هذا الذي يأتي وبدون رحمة علي البشر والشجر والحجر؟ فجأة، تحولت تساؤلاتي الي مسلمات أنتجها يأسي وألمي العميقان من تكرر مشاهد الرعب والذعر والبشاعة، أيقنت حينها أن الانسانية اختفت وانقرضت ولم يبق منها سوي الشبه في الشكل والهندام لكائن كان اسمه الانسان، لقد صرنا في غابة تملؤها وحوش أنيقة، لكنها أكثر فتكا ببعضها البعض، لا مكان بينها للضعيف أبدا. متي كان قانون الغاب رحيما بالضعفاء، أليس بمقتضي باب تنازع البقاء يحكم عليهم بالموت والتنحي أمام القوة والبطش، فيا ليت شعري ماذا تملك الطرائد المغلوبة أمام فتك السباع والضباع؟
وأنا أقترب من الشارع الرئيسي للمدينة حيث يرتفع زئير محركات السيارات، رأيت الناس يهرولون في كل الاتجاهات لا يلوون، عيونهم زائغة وقلوبهم واهية، وعلي وجوههم مسحة من الحزن غامضة، يتحركون في كل الاتجاهات وكأنهم دجاج في قفص ينتفض فزعا وذعرا من أن يقع في قبضة بائع الدجاج، تساءلت بحرقة:
ـ هل طغت حيوانية الانسان وغرائزه لتطمس تنوره وتعقله؟ ألهذا السبب كان يصيح سعد المخبول في وجوه أهل حينا بأصوات الحيوانات التي كان يري أنها تناسب قسمات وجوههم؟
لسوء الحظ، لم يكتب لهذه النظرية العجيبة في أصل خلقة الانسان الحيوانية أن تنتشر، لأن صاحبها كان أحمق فاقدا لعقله، فخلقة البشر حسب جنونه منسوخة عن صور الحيوان المتنوعة والعجيبة بما في ذلك أسماك البحر ووحوشه، كان يضايق سكان الحي كثيرا بمواجهته لهم بصورهم الحيوانية كما كانت توحي له بها بنات أفكاره، ولم يسبق أن عجز أمام وجه من الوجوه، فلكل خلقة تفسيرها وأصلها.
لقد ساءني كثيرا لما نهق في وجهي عند رؤيته لي، لكنني أيقنت فيما بعد أن من يحاول أن يفهم أكثر مما يجب لا يمكن أن يكون سوي حمار بأذنين كبيرتين.
هذا عن الصفات فماذا عن الأفعال؟ نعم، ففي أفعال الانسان شيء من الحيوانية، ألم يعرفه أرسطو قبل الميلاد بالحيوان السياسي، وعرفه ابن خلدون في العصر الوسيط بالحيوان الاجتماعي؟ ومما لا شك فيه أنه انحدر واندحر ليصير في العصر الحديث مجرد حيوان.
هل لهذا السبب يعد البشر مصدر كل البلاء في هذه الأرض؟ سألت أحد العارفين عن معني لفظة البشر لعلني أجد فيها شيئا يبعد شبهة الحيوان عن الانسان، لكنني فوجئت لما عرفت أنها تعني أَلَّبَ الشَّر وكي يسهل استعمالها كلفظة لغوية اختزلت في لفظة أَلـْبَشَر انها لفظة فريدة تشهد علي شراسة الانسان وسوئه، وحجة دامغة علي أن الأمر يتعلق بصانع الشر في هذا العالم، أليس هو مكتشف النار والحرق اللذين سيكونان نهاية هذا الكون لأنه لا حيلة معهما.
ولن تستغرب اذا قلت لك أن بني آدم عاشقون للدم المسفوك، لأنه وكما يقولون لا يعتبر الرجل عندهم جديرا الا اذا شق طريقه بالدم، لقد فسر عالم آشوري خبير بخبايا النفس الانسانية كان لي حظ الجلوس في احدي حلقاته، أن آدم كانت تنطق في البدء يَا دَمْ طلبا للمزيد من الدم، والفتك، والبطش، وكيف لا وهو مخترع القتل والدفن منذ الأزل.
تعال اذن أعدد لك منجزات دميم الأفعال هذا، لتقف معي علي أنه من طينة الحيوان!!! لقد قام وجه الضبع بالتهام أسرة الرجال الحمر عن آخرها، وساق عديم الضمير قطعان السود للبيع في سوق النخاسة الدولية واستعبدهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، واكتسح المارد الأبيض جنوب الأرض استعلاء واستكبارا، وأشعل عاشق الدم فتيل حروب طاحنة سقط ضحيتها ما لا يعد ولا يحصي، وأقام الصقر الجارح حفلتي شواء عظيمتين بلحم الجنس الأصفر لم يشهد التاريخ مثلهما لا قديما ولا حديثا، وعمل الجاحد علي جعل أسطورة أرض الميعاد حقيقة وسعي الي سلخ هوية المدينة المقدسة، ودمر الديناصور حضارة دجلة والفرات للمرة الثانية، وحاول المتغطرس سلب بسمة لبنان عروسة البحر الأبيض المتوسط الأزلية، وعاث المفسد في الأرض تخريبا وتدميرا، وأحدث المتهور ثقبا هائلا في مشيمة الأرض، صمام حياتنا ووقائنا الوحيد أمام سموم الفضاء التي لا تعد ولا تحصي السائلة منها والصلبة.
ماذا يمكن لنا أن ننعت به هذا الكائن المتجبر المتهور سوي أنه سيد أسياد الحيوان وأسمي وحوش الأرض، فحاشا أن ينعت بغير ذلك اسما ووصفا؟
نصيحتي لك يا أخي بعد أن وصلت الي شقتي سالما أن انتبه لنفسك، فالمدينة عفوا الغابة اليوم تعج بالوجوه الفتاكة، فان لم تكن علي حذر فقد تكون لقمة سائغة لأحد الذئاب الجائعة.