علاء هلال
صادق الكنيست، الأسبوع الماضي، علي قانون “مَجمع اللغة العربية” بناءً علي صيغة قانون “مَجمع اللغة العبرية”، الذي تُبني بكامل نصه، من دون ملاءمته للعرب * الوزير تمير تري في المَجمع المنوي حشده أداة للتطبيع و”جسرًا” للعالم العربي؛ د. فاروق مواسي يقول إن “الحاجة تبرر الواسطة”، في رده علي اعتماد النائب مجادلة العضو في حزب “العمل” الصهيوني لطرح القانون، وعضو المَجمع، اللغوي د. الياس عطا الله لا يفهم كيف حدث كل هذا رغم معارضة المَجمع لهذه الخطوة * الكنيست بتتكلم عربي؟!
رازي نجّارأطلّت علينا وسائل الإعلام العربية في الأسبوع الماضي بخبر يزفّ إلي الجماهير العربية بشري مصادقة الكنيست بالقراءة التمهيدية علي اقتراح قانون إقامة “مَجمع لغوي عربي في إسرائيل” (هكذا جاء في الخبر)، الذي بادر إليه النائب غالب مجادلة من حزب “العمل” الصهيوني. وذكر الخبر، الذي يُرجَّح أنّه جاء جاهزًا من مكتب مجادلة، أنّ 28 عضو كنيست صوّتوا إلي جانب القرار، في حين عارضه 13 عضوًا من أحزاب اليمين بتعليل أنّ “مجمع للّغة العربية سيكون أشبه بمجمع للّغة العبرية، وهذا ما نرفضه لأنه سيكون بمثابة وجود دولة في داخل دولة”، الأمر الذي يضيف للحدث زخمًا وطنيًا مجادلة في أمسّ الحاجة إليه، كونه ابن حزب “العمل”، حزب “وزير الحرب البطل”، عمير بيرتس.
وللحقيقة والتاريخ علينا أن نذكّر أنّ “مَجمع اللغة العربية” قائم منذ سنوات ثلاث، ويضم 11 عضوًا انضم إليهم عضو آخر مطلع هذا الشهر، وهذا المَجمع مُسجَّل كجمعية ويرأسه د. فهد أبو خضرة. المجمع قائم، من دون مقر دائم ومن دون ميزانية دائمة سوي مبالغ ضئيلة تأتي من بعض المؤسسات التي يشرف عليها مدير مديرية الثقافة العربية في وزارة التربية والتعليم، موفق خوري. من هنا جاءت الحاجة عند أعضاء المَجمع لمأسَسته بغية تطويره والحصول علي ميزانيات تمكنه من القيام بمشاريع يتعذّر تنفيذها في الوضعية الحالية للمجمع للأسباب الآنف ذكرها.
ومع أننا لم نقم بالاتصال بجميع أعضاء المجمع إلا أننا فهمنا أنه كان هناك تفاهم تام حول الذهاب في المسار القانوني البرلماني، وهنا بدأت الإشكالية.
لماذا العمل عن طريق “العمل”؟ تعود القصة إلي اجتماع المَجمع في السنة الماضية في مدينة شفاعمرو، عندما قام عضو المجمع، د. فاروق مواسي، بطرح الموضوع علي جدول أعمال المجمع كأمر مفروغ منه، وصرح بأنّ النائب غالب مجادلة من حزب “العمل” قام بتقديم مشروع القانون من أجل المصادقة عليه، هكذا من الباب إلي الطاقة. يُذكر أنّ الفترة كانت فترة الانتخابات التمهيدية في حزب “العمل” (البرايمرز)، وهذا معطي يطرح من باب الدقة في المواعيد لا أكثر!”إحتجاجي كان سريعًا، وسألتُ: من توجّه لمجادلة، ولماذا مجادلة؟ وكان هذا بحضور كل الأعضاء بالإضافة إلي مراقب”، يقول محدّثي عضو المَجمع، د.
الياس عطا الله، ويتابع: “ليكن واضحًا أنّ اعتراضي جاء علي كيفية التوجه للكنيست وليس علي إقامة المجمع، فأنا قلق علي اللغة العربية لأن العَبرَنة والعامية تغزوانني في كل مكان؛ في كتب التدريس وفي الشارع وفي حديث شبابنا وفي مواقع الانترنت، هناك خطر محدق في كل مكان يهدد اللغة العربية. “في ذلك الاجتماع عبرتُ عن رفضي بأن يقوم النائب مجادلة بتقديم اقتراح قانون باسم المجمع لأنني لست مقاولا لحزب “العمل” أو أيّ حزب. قناعتي الحزبية ترفض ذلك والاستقامة ترفض ذلك، ولئلاّ أُتَّهم، طلبتُ ألا يُحوّل الموضوع لنواب التجمع الوطني الديمقراطي، وأن يتم الاتصال مع كل النواب العرب ليقدّم الاقتراح باسمهم جميعا كمشروع جماعي للنواب العرب من الكتل العربية. وبالفعل وافق الأعضاء علي مطلبي واتفق علي توكيل زميلين بالاتصال بالنواب العرب، لأن تقديم الاقتراح من خلال مجادلة يعتبر التفافا علي القرار الجماعي ولا مبالاة بالقناعات السياسية لأعضاء المجمع”. ويلخص عطا الله مجريات الأحداث: “منذ ذلك الاجتماع لم أسمع شيئا عن الموضوع إلي أن ظهر خبر المصادقة في الكنيست… تبع ذلك اجتماع للمجمع في مقر “بيت الكرمة” في حيفا بتاريخ 1/12/2006، وهناك سألت عن الموضوع فقيل لي من بعض الحاضرين إن تقديم اقتراح القانون جاء نتيجة اندفاعة شخصية للنائب مجادلة! وأنا بدوري رفضت هذه الإجابة لأن فيها نوع من الاستخفاف بعقلي، فسألتُ عن اتفاقنا من السنة الماضية، فكان الجواب: لم نستطع أن نجمع النواب العرب”! مواسي: “الغاية تبرر الواسطة”! وفي حديث، أمس الأول الأربعاء، لـ “فصل المقال”، مع د. فاروق مواسي، قال: “من بادر إلي طرح القانون هو النائب مجادلة، وذلك بعد أن توجّهت إليه… أنا شخصيًا أرحب بكل من يقوم بجهد لخدمة اللغة العربية لأنّ هذا يصب في مصلحتنا وفي قضيّتنا التي لا نألو في خدمتها لأنّ فيها مستقبل أولادنا. نحن حفزنا مجادلة والنائب ملكيئور بأن يقوموا بتقديم الاقتراح، وجاء تحفيزنا بأشكال مختلفة، ونحبذ أن ينضم أيّ عضو كنيست لاقتراح القانون”. ويضيف مواسي: “الغاية تبرر الواسطة، بالذات إذا حرصنا علي أن تكون الغاية سليمة ولا يعبث فيها أحد. إنّ نجاح الاقتراح سيؤدي إلي التعاون مع المجمع القائم ونحن لا نري إشكالية في مثل هذا التعاون علي أسس صحيحة وسليمة”. وختم مواسي حديثه في الإشارة إلي معلومة نشرتها إحدي الصحف المختصة “باصطياد” الأخبار: “لي عتب علي نواب التجمع لأنني سمعت أنهم خرجوا من قاعة الكنيست قبل التصويت علي القانون وعادوا بعده، وآمل أن يكون الخبر غير صحيح لأنني أتوسّم فيهم العمل من أجل لغتنا ورفعتها، لكن المستقبل أمامنا وأنا علي يقين من أنّ موقفهم سيكون ايجابيًا بالضرورة”. النائب واصل طه من كتلة التجمع يقطع يقين مواسي، ويطرح إجابة علي عتابه: “الحديث عن تغيّبنا عن التصويت عمدًا غير صحيح، ثم أنّ الاقتراح يحظي بدعم الحكومة وكان سيمرّ في كل الأحوال. لنا تحفظات علي اقتراح القانون وسنطرحها خلال القراءات القادمة، فالقراءة التمهيدية لا تتيح النقاش بحسب إجراءات الكنيست، ولا أريد هنا أن ادخل في استعراض الكمّ الكبير من الاقتراحات الجيدة للعرب التي عارضها مجادلة وحزبه”. وحول الاعتراض الواضح لعطا الله علي تقديم القانون من خلال عضو في حزب صهيوني علّق مواسي: “صحيح أنّ هناك تحفّظًا لسبب حزب ليس من وقته أو همّه أن يحل قضايانا (“العمل”) لكن شاءت الظروف أن يُطرح الموضوع بهذا الشكل، وكان بالأحري علينا تأييده ودعمه بشكل ديمقراطي”. يُذكر أنّ مواسي لم يُخفِ رأيه الحقيقي في حزب “العمل” (“المعراخ”- كما أسماه)، لكننا لا نستطيع نشر ذلك لسببيْن: الأول أنه لا يليق بأن ينشر في صحيفة، وثانيًا أننا لا نريد أن ندق إسفينًا بين مواسي ومجادلة مراعاة للعلاقة البناءة التي تجمعهما.”هاي تِك” مجادلة… الآن، وقبل الخوض في الجدل الدائر حول مضمون اقتراح القانون، نقف قليلاً عند المجهود الذي بذله النائب مجادلة في صياغة نص القانون، الأمر الذي أتاح لنا فرصة التعرف علي خبايا العمل البرلماني عند بعض النواب أمثال مجادلة. والقصة وما فيها أنّ النائب مجادلة كلّف نفسه عناء دخول موقع الكنيست علي شبكة الانترنت، وفتح ملف الـ “وورد” لقانون “مَجمع اللغة العبرية” من سنة 1953، ثم قام بتنفيذ عمليتيْن في غاية “التعقيد” تعرف في العلوم الدقيقة (الـ “هايتك”) باسم “قص واحفظ” (كوبي آند بيست)، وهكذا، بكبسة زر (ولكي لا نتجني علي أحد نقول كبستيْن) صار عندنا قانون خاص باللغة العربية، فألف مبروك لشعبنا وللغته، فعندنا نائب “مُتكتك” تكنولوجيا!
أيّ عرب يريدون؟
معارضة د. عطا الله علي مضمون القانون، عدا عن أنه نقل حرفي للقانون بشأن “المجمّع العبري”، تستند علي ما جاء في البند (4 ب) من اقتراح القانون الذي ينصّ علي أنّ الحكومة، من أجل تعيين أول 15 عضوًا في المجمع، تعيّن “لجنة تعيينات” لتختار بنفسها الأعضاء المؤسسين للمجمع.
وهنا يتساءل عطا الله: “أنا أريد توضيحًا بالنسبة للجنة التعيينات؛ ما هي رؤيتها للأعضاء الذين أسّسوا المجمع الحالي؟ وطبعًا لم ألقَ إجابة علي هذا السؤال. أردت ضمانًا لمن تعبوا وأسّسوا من دون مقابل أن يكونوا أعضاءً مؤسسين في المجمع الذي سينبثق عن القانون كما حدث مع المجمع العبري عام 1953”. ويعود قلق د. عطا الله إلي تفسيرات المؤسسة الحاكمة الخاطئة لقانون التمثيل الملائم للمواطنين العرب (للنائب د. عزمي بشارة)، حيث أنّ هناك تخوفًا من أن تعيّن الحكومة شخصيات عربية “مقبولة عليها، فهل قلنا “عرب جيدون”؟!
رئيس المجمع الحالي، د. فهد أبو خضرة، يشارك زميله عطا الله “تشاؤله”، لكنه يتحدّث بلهجة أكثر تفاؤلاً: “يهمّنا أن يقام مَجمع مُعترف به رسميًا من مؤسسات الدولة بحيث توفر له الميزانيات، ويهمّنا أكثر أن يبقي المؤسسون للمجمع الحالي موجودين. نعم، سيكون هناك جدل وحوار مع لجنة التعيينات المذكورة، ونحن سنقول إنّ عندنا 11 عضوًا مؤسسًا، وأعتقد أننا سنتوصّل إلي حلّ وسط يحفظ حق المؤسسين. هكذا كان في كل دول العالم وآمل أن يتم في حالتنا أيضًا”.- البند (4 أ) من اقتراح القانون ينصّ علي أن يكون عضو المجمع دون الخامسة والسبعين من عمره، هكذا ستخسرون الأديب والشاعر حنا أبو حنا!
أبو خضرة: “هذا البند سارٍ في كلّ الدول، لكننا سنجد صيغة ملائمة لكي يكون أبو حنا معنا، كمستشار مثلاً”.- وزيرة التربية والتعليم، يولي تمير، في دعمها للقانون في الكنيست، أشارت إلي أنّ المجمع سيكون “جسرًا” إلي العالم العربي، أليس هذا هو التطبيع؟
أبو خضرة: “أنا أقول هذا حق طبيعي وليس تطبيعًا. إذا رأته تمير كذلك فهذا حقّها… نحن نري أنّ هذا مشروع حضاري ووطني من الدرجة الأولي، وضروري أن يكون بالصيغة المقبولة علينا”.- وإذا لم يكن كذلك؟
أبو خضرة: “هناك مجمعنا القائم منذ 3 سنوات، نحن سنرضي بالقانون المقترح إذا توفّرت الشروط الملائمة لنا، وإلا سنكتفي بالقليل، أي بالمجمع الحالي الموجود ونستمر”. قل ولا تقل!
إذًا، الطريق ما زالت في أولّها، وما هذا إلا تقرير تمهيدي عن قانون مرّ في القراءة التمهيدية، وبما أننا في أجواء كلمة “تمهيدي” والتمهيدي في حيواتنا هو الصفّ الذي يُحضّر أبناءنا للصف الأول، حيث يتعلّم أولادنا القراءة، نودّ أن ننبّه النائب غالب مجادلة الذي سُمع في إذاعة الشمس متحمسًا وهو يتكلم عن “مُجَمَّع” اللغة العربية، إلي أنّ القانون الذي مرّره ويفتخر به، يتحدّث عن “مَجمَع” (ميم فتحة، جيم سكون، ميم فتحة، عين سكون) اللغة العربية، وجاء هذا القانون ليحمي اللغة العربية من هكذا حالات تنكّل باللغة من علي كل منبر!