محمود قرني
القاهرة ـ “القدس العربي” ـ يواصل مشروع مكتبة الأسرة ـ الذي تصدره هيئة الكتاب تحت اشراف حرم رئيس الجمهورية ـ خطواته الممسوسة نحو شيء من الجدية، وتجاوز ركام الفساد الواسع الذي تركه الراحل الدكتور سمير سرحان معششا في أضابير المشروع.
فها هي السنة الثانية للمشروع في عهد رئيس هيئة الكتاب الدكتور ناصر الأنصاري، وقد اختفت تماما تلك الكتب سيئة السمعة لرؤساء تحرير الصحف الحكومية وبعض الصحف المعارضة، وحاول المشروع العودة الي الدور المنوط به في منح قارئه البسيط مكتبة زهيدة الثمن تؤثر في نقله ايجابيا الي مرحلة أكثر وعيا، ولا نقول ان المشروع تخلص من كل سوآته، وان تجاوز بعضها، وهو مطالب بتدعيم صفوف لجنة اختيار الكتب المنشورة بمزيد من المثقفين من مختلف الأجيال.
في العام الجاري أصدر المشروع عددا وفيرا من تجربة شعراء جيل السبعينيات وكذلك فعل في العام الماضي كذلك أصدر عددا من الشعراء الرواد من حقبة الرومانسية، كذلك أصدر عددا من الكتب اللافتة مثل الأعمال الكاملة لـ يوجين يونسكو وكتبا مرجعيــة مثل: الموسيقي الشعبية المصرية لمحمد عمران، معني الحياة لألفـــــريد آدلر ترجمة عادل نجيب، والتصوير عند العرب لأحمد بك تيمور وتاريخ الموسيـقي المصرية لسمير الجمال، ومقدمة ابن خلدون كاملة في ثلاثة أجزاء، وتناقضات الحداثة في مصـر للدكتور أحمد أبو زيد، والبحث عن العقل للدكتور نور فرحات والوجه الغائب لمصطفي ناصف، كذلك أعاد طرح بعض الرواكد القديمة في غلاف جديد يحمل عنوان مشروع العالم الجاري وهي حيلة تلجأ اليها الهيئة لتصريف مخزونها من الكتب الراكدة.
ولا شك أن المشروع أعاد نشر عدد كبير من تراث المكتبة العربية والأجنبية، عبر سنواته الماضية لا سيما مشروع النهضة الذي تضافرت جهوده مع مطلع القرن الماضي، وفي هذا السياق أعاد المشروع الاعتبار لأسماء مهمة من هذا الرعيل مثل محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، طه حسين، رفاعة الطهطاوي، قاسم أمين، أحمد لطفي السيد، هذا الي جانب ابتعاث أسماء ضاربة في عمق الثقافة العربية مثل المعري، ابن سينا، ابن رشد، ابن عربي، وهو ما حدث علي المستوي الابداعي والفكري، كما استطاع المشروع عبر سنيه المبكرة، وعلي سبيل المثال، اصدار الكوميديا الالهية، رسالة الغفران، بدائع الزهور، تاريخ الثورة الفرنسية، مروج الذهب، الفتوحات المكية، الأمير لميكيافيللي، الجمهورية لأفلاطون، تهافت التهافت لابن رشد، كليلة ودمنة، تهافت الفلاسفة، والتاريخ الجامع لهيرودوت، بالاضافة الي اصداره عددا من المراجع المهمة والتي يأتي من بينها موسوعة مصر القديمة لسليم حسن والتي تقع في ستة عشر جزءا وتاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر لعبدالرحمن الرافعي ويقع في ثلاثة أجزاء ضخمة، بالاضافة الي عدد من الكتب الفكرية المهمة مثل: تاريخ الفكر المصري في العصر المسيحي، فضلا عن المختارات الابداعية المتميزة لكبار شعراء العربية، وكذلك اصدار عدد من الروايات والمجاميع القصصية، التي تمثل علامة في تطور القصة والرواية العربيتين.
وقد ساعد السعر الزهيد والمدعوم الذي تباع به كتب واصدارات المشروع علي اتاحة الفرصة لعدد غفير من العامة الذين يطمحون الي الارتباط بشكل ما بالمعرفة الجادة أن يقتنوا العديد من هذه الاصدارات، لا سيما وأن ذلك يأتي في ظل ارتفاع غير محتمل في أسعار الكتاب علي المستوي العام، فضلا عن أن نسبة التوزيع المرتفعة بشكل مذهل أكدت خطأ الافتراض الذي يروج له الاعلام بأن اهمال المثقف والثقافة ناتج من فساد المنتج الثقافي نفسه وغيابه، وقد أثبت الاقبال الرهيب علي شراء كتب المشروع عكس هذا الافتراض، بل علي المستوي المقابل يثبت سوء الطوية والجهل الذي تتمتع به أجهزة الاعلام المختلفة.
ورغم هذه النجاحات التي لا يمكن انكارها الا أن ذلك لا يمنعنا من لفت الانتباه الي عدد من الملاحظات مثل أن المشروع في جملته لم يكن بريئا كل البراءة في توجهه نحو القارئ العام والانشغال بانشاء مكتبة لكل مواطن، إذ المؤكد أن في مصر من يكدحون ليل نهار ولا يبلغون لقمة العيش الكريمة سواء لهم أو لأولادهم، وما عُرف عن الدولة في مصر منذ السبعينيات أنها اعتمدت دائما علي تغليب خيار القوة والبطش في تعضيد وجودها، وجاء التوجه الثقافي والاعلامي بصفة عامة ـ تأكيدا علي هذه العقيدة.
ولم تكن الثقافة أبدا قائدة للعقل الأمني، بل ما كان يحدث ولا زال هو العكس تماما، والعامة ـ فيما أظن ـ يعلمون المأزق الرهيب الذي وقعت السلطة تحت سنابكه منذ بداية التسعينيات في المواجهات المسلحة مع التيارات الدينية، وهي الحقبة التي شهدت أعلي درجات العنف في القرن الحالي منذ جلاء الانكليز عن مصر، وقد وصل الأمر بالسلطة أن قتلت بعض قيادات هذا التيار وسط الشوارع، ومن جانبه رد التيار نفسه بأعمال عنف متبادلة كانت أكثر احراجا للنظام، ولم يكن آخرها تلك التفجيرات التي حدثت في منطقة الأزهر وشرم الشيخ ومنطقة دهب في سيناء.
في ظل هذه الاختناقات السياسية والمجتمعية المتلاحقة، شهدت وزارة الثقافة نشاطا محموما توجه بالأساس الي البحث عن المنابع الجادة والمتنوعة للثقافة العالمية وثقافة الحقبة الليبرالية علي وجه أخص، وهي المنابع التي كانت ـ ذات الدولة ـ قد قامت ـ عن عمد ـ بتجفيفها، وبدأ المشروع ما يسمي، بالمواجهة، وكأن الاعلان عن توجهه واصداراته صريحا وغير ملتبس، وكان يقصد مواجهة التيارات الأصولية الموصومة بالارهاب والخروج علي شرعية الدولة.
وقد أصدرت هذه السلطة عددا من الكتب ذات الشأن في تاريخ الثقافة المصرية التي تنامت في النصف الأول من القرن الماضي مثل كتاب مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين، وطبائع الاستبداد للكواكبي، والمرأة الجديدة لقاسم أمين، والاسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، وعدد آخر من مؤلفات التنويريين المصريين، وكانت معظم هذه الاصدارات تمثل مرجعية شديدة الأهمية في الثقافة المصرية، الا أن الأمر الذي شكك في مصداقية المشروع، هو الارتباط بالمشروع السياسي الأمني الذي يهدف الي تصفية تيارات سياسية مناهضة، وقد حاولت الدولة أن تضيف الي هذين البعدين بعدا اجتماعيا يمثل ما يشبه الاجماع علي هذه التصفية، وهو ما لم يحدث حتي الآن، وكان فرسان المواجهة يعتقدون أن الأمر سيدين لهم في نهاية الأمر عبر المشروع الثقافي غير أن المؤكد هو امتصاص سطح الأزمة عبر الحل الأمني ذي الصفة المؤقتة.
بعد ذلك توسع المشروع وتولدت فكرة مكتبة الأسرة أو القراءة للجميع، وهي فكرة تولدت من رحم مشروع المواجهة بعد أن هدأت عدة العنف نسبيا، واستطاع هذا المشــــروع أيضا أن يقدم انجــــــازا غير مسبوق في تمكين العامة من التنــــــزه عبر صفحات المرجــــــعيات التي سمعوا عنها فقط، ولم تكن فكرة توسيع المشروع الا في اطار توجه الدولة الذي أشرنا اليه، والذي كان يتبناه أولا مشروع المواجهة.
وحتي تكتمل أهداف المشروع فقد حاولت الدولة ربطه بشكل وثيق بالآلة الاعلامية لتحقيق أكبر قدر من الترويج لكتب المشروع وتعميم الفائدة عبر تلك الوسائط الجهنمية، لكن الأمر سرعان ما تحول ـ لأسباب لا نعلمها ـ الي دعاية لأصحاب الآلة الاعلامية نفسها، وليس لمطبوعات المشروع، غير أن الظاهرة توارت في العامين الأخيرين بعد امتناع الهيئة عن طبع مقالات رؤساء تحرير الصحف والصحافيين في كتب سنوية يحصلون من خلفها علي أعلي الأجور علي الاطلاق، رغم أنها عادة ما تكون لكتاب رديئين، بالاضافة الي أنصاف وأرباع الشعراء والقصاصين والروائيين من صغار الصحافيين والاذاعيين وكبار المسؤولين بوزارة الثقافة.
غير أن الملاحظ في السنوات الأخيرة هو تقلص التمويل المقدم للمشروع عبر سبع وزارات تساهم في تمويله، لذلك كثيرا ما يعمد الي اعادة طرح الأعمال الراكدة لديه من السنوات الماضية بعد تغيير غلافها ووضع أغلفة جديدة، حدث ذلك بالنسبة لعديد من كتب المشروع مثل الوجه الغائب لمصطفي ناصف، وكذلك لبعض اصدارات طه حسين وأحمد لطفي السيد وتوفيق الحكيم وآخرين.
ولا شك أن المشروع يستطيع أن يقدم ما هو أفضل من أدائه الحالي بكثير لا سيما بعد أن تراكمت به خبرات وكوادر اصبحت تمثل رصيدا مهما له، ولا زالت مشكلة قصر الأعمال المطبوعة علي الأعمال القديمة من الأشياء التي تهدد المشروع وأصبح من الضروري وضع تصور أوسع لاستيعاب الأعمال الأحدث، غير سابقة النشر عبر خطة تعكس توجهات المشروع، وتبقي كذلك مشكلة عشوائية النظر الي الابداع مسيئة للكثير من المبدعين في خارطة الابداع المصري والعربي، فعبر هذه السنين الطوال للمشروع لم ينجح في خلق سياقات ابداعية متميزة وتتصف باقامة الاعتبار للمعيار الابداعي واختلط الحابل بالنابل، ووقع المشروع بين قلة جيدة وكثرة رديئة، حتي تلك المختارات التي صدرت لكبار الكتاب العرب، صدرت مبتسرة وبطريقة لا تمثلهم، وأظن أن قطاعا حقيقيا من الشعر المصري الجديد تم استبعاده ولا زال، بسبب الموقف المتكلس من ظاهرة التجديد.