د. علي محمد فخرو
من قال بأن الذي يمارس الكذب علي الآخرين يستطيع تجنب الكذب علي نفسه؟ يجدر أن نتذكر يوم السابع من ايلول (سبتمبر) سنة 2002، عندما وقف الرئيس الامريكي وبجانبه تابعه رئيس الوزراء البريطاني ليعلنا علي الملأ بأن تقريرا قد صدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية يؤكد بأن العراق سيتوصل إلي صنع القنبلة الذرية خلال ستة أشهر، وصرح الإثنان بتشنج الفجيعـة: فهل يريد العالم تأكيدا أكثر من ذلك؟ لقد ثبت لاحقا بأن الوكالة الدولية لم تصدر مثل هذا التقرير علي الإطلاق وأن قائدي الدولتين كانا يكذبان دون حياء ودون وازع من ضمير.
اليوم، وبالرغم من تقرير بيكر ـ هاملتون وانتصار الديمقراطيين واستقصاءات الرأي التي تبيٍن رغبة أكثر من سبعين في المئة من الامريكيين بانسحاب الجيش الامريكي من العراق ومسرحيات الدموع والندم لرئيس وزراء بريطانيا فان الواقع يقول بأن الطبع سيغلب التطبع وفي هذه المرة ستكون الكذبة الكبري علي النفس التي بدأت بوادرها إبان مؤتمرات الرئيس بوش الصحافية. فالهزيمة العسكرية والسياسية الامريكية في العراق هي فقط تأخر للإنتصار الذي لا بد أن يأتي عاجلا أو آجلا. واستطلاعات الرأي وهزيمة الجمهوريين لن تدفعنا إلي خذلان أبنائنا في العراق والذين يجب أن نعزز قدراتهم في العراق بإرسال ثلاثين ألف إضافيين. أما تقرير بيكر هاملتون فيجب أن يكون واحدا من تقارير عدة سيعدها البنتاغون ووزارة الخارجية الامريكية ومجلس الأمن القومي وغيرهم. وخلال بضعة أيام سنري في خطاب الرئيس بوش المبشٍر بوضع إستراتيجية جديدة مزيدا من المواقف التي ستمزٍق تقرير بيكر إربا إربا، بيكر الذي اتهم بأنه يعيش في الماضي ولا يفهم الحاضر. منذ حوالي قرن ذكر ماركس بأنه في جميع الإيديولوجيات يبدو الرجال وظروفهم كما لوكانوا مقلوبين كما يظهرون في داخل الكاميرا. فإذا اجتمعت الإيديولوجية الدينية المهلوسة مع القدرة علي الكذب علي الناس وعلي النفس، كما هو الحال عند الرئيس الامريكي الحالي، فإننا أمام شرٍ مستطير ينتظرنا كعرب ومسلمين خلال عام 2007. وقد جاءت البشائر الأولي علي لسان وزير الدفاع الامريكي الجديد من أن القوات الامريكية باقية لسنين طويلة في منطقة الخليج، دون حيثيات ودون أسباب ودون نهاية. وزف إلينا رئيس الوزراء البريطاني ملامح الإستراتيجية الجديدة: إنها تكوين جبهة من الدول العربية المعتدلة مع إسرائيل ضد الدولة المسلمة إيران. الإنسان الذي يقبل الشر دون إبداء الاحتجاج عليه هو في الحقيقة متعاون معه هذا ماقاله المناضل الامريكي مارتن لوثر كنغ. فما هو الشر الذي سيعمُ بلدان العرب في العراق وفلسطين ولبنان والصومال والسودان، ثمُ سينتشر في البلاد العربية والإسلامية الأخري كالنـار في الهشيم؟ إنها الأفكار الشريرة للإيديولوجيتين المتحالفتين المندمجتين: إيديولوجية اليمين الأصولي المسيحي الامريكي المتطرف وإيديولوجية الصهاينة النازيٍين في فلسطين. من حقنا أن نسأل للمرة الألف ما الذي ستفعله الأنظمة العربية والشعوب العربية تجاه موجة الشرٍ القادمة؟ هل ستتصرف كالأعمي والأبكم والأصم فتصبح جزءا من هذا الشرٍ الشيطاني أم ستعيد التفكير من جديد في سياسة الخلاص الفردي الذي مارسته سنين طويلة دون نجاح وتتوجُه نحو دفء العمل العربي القومي المشترك والنضال العربي الواحد؟ وهذا التعديل في المسار السياسي العربي، هل سيواجه العدو الحقيقي المتمثل في الحلف الصهيوني ـ الأنكلو ـ امريكي أم سينحرف مرة أخري لينشغل بقضايا فرعية من مثل الإيراني، تماما كما يريد لنا الغرب حاليا؟
أيها العبقري اليوناني يوروبيدس، كم نحن بحاجة لأن تتواجد بيننا لتذكٍرنا بان الفجيعة عندما تسحق رجلا الآن فانها ستسحق الآخرين بعد ذلك. فالذين يعتقدون بأن الفجيعة ستبقي محصورة في البلدان العربية الخمسة يجب أن يتوقعوا انتشارها إليهم. عند ذلك لن تفيدهم أموالهم المكدسة في البنوك ولا أسهمهم ولا مدن الضُجيج التي يبنون.