عام صعب آخر في الأفق للسياسة الامريكية

حجم الخط
0

د. بشير موسي نافع

كان العام المنصرم عام الإخفاق الكبير للسياسة الامريكية في المشرق العربي. في فلسطين، انتهت الانتخابات التشريعية بفوز كبير لحركة حماس، وتشكيل حكومة تقودها الحركة. وكما أخفق الرهان علي فوز حلفاء السياسة الامريكية بتفويض شعبي جديد، أخفق علي الانهيار السريع للحكومة الفلسطينية الجديدة. في لبنان، لم تسر الأمور كما خطط لها بعد الانسحاب السوري العسكري. لا استطاعت الضغوط المتزايدة إقليمياً ودولياً كسر الإرادة السورية، ولا استطاع الوضع اللبناني الجديد صناعة الشروط المؤدية إلي نزع سلاح المقاومة. وبعد حرب إسرائيلية شاملة ومدمرة دامت خمسة أسابيع متصلة، تفاقم الإخفاق بهزيمة إسرائيلية عسكرية غير مسبوقة وصمود لبناني شعبي واسع النطاق. في العراق، وصل المشروع الامريكي إلي الحائط. الدولة التي ولدت من رحم الغزو والاحتلال تحولت إلي ميليشيات قاتلة وعصابات نهب لثروات العراق ونفطه، وجنة الديمقراطية التي وعد بها العراقيون أصبحت ساحة للموت والدمار. المقاومة العراقية تزداد فعالية وخبرة، وتتحول إلي أهم قوة مؤثرة في الوضع العراقي وفي تحديد ملامح المستقبل. وقد انتهي مشروع السيطرة علي العراق والمنطقة إلي تسليم الحكم لقوي لا تثق الولايات المتحدة في تحالفها معها، وإلي مواجهة خاسرة مع قوي المقاومة. وحتي فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، وبالرغم من النجاح في تمرير قرار دولي في مجلس الأمن بفرض عقوبات علي إيران، فإن الواضح ان هذا القرار لن يؤدي إلي إيقاف برنامج تخصيب اليورانيوم، وان الدول الرئيسية في مجلس الأمن لن تذهب إلي حد القبول بفرض عقوبات ثقيلة علي طهران أو توفير غطاء قانوني دولي لحرب امريكية أو إسرائيلية علي إيران. الإخفاق الشامل الذي عانت منه سياسات الولايات المتحدة وحلفائها في المشرق أغري الكثيرين بتوقع انفراج سريع في المنطقة، وبأن يكون العام المقبل، عام 2007، عام قطف الثمار. ولم يقتصر التفاؤل علي القوي والتيارات المناهضة للسياسة الامريكية، ذلك ان أغلب حلفاء واشنطن ليسوا راضين عن هذه السياسة؛ ولذا فمن غير المستغرب ان يري الحلفاء المكرهون أن تراجع سياسة القوة والدمار والعنف الامريكية سيصب في مصلحتهم أيضاً. ما عزز من هذه الرؤية التفاؤلية لمستقبل المنطقة القريب كان الانعكاس الثقيل للسياسة الخارجية علي البنية السياسية الامريكية الداخلية وعلي الجدل السياسي الداخلي في واشنطن. فقد خسر الحزب الجمهوري الحاكم سيطرته المزدوجة علي مجلسي الكونغرس الامريكي وسط أجواء انتخابية لعبت فيها الشؤون الخارجية دوراً رئيسياً للمرة الأولي منذ حرب فيتنام. وسرعان ما بدأت استقالات أعمدة سياسة الدفاع والخارجية في التوالي. ثم جاء تقرير بيكر ـ هاملتون ليرسم صورة قاتمة للوضع العراقي وللسياسة الامريكية في الشرق الأوسط عموماً، ويتقدم بتوصيات تتعلق بتغيير أسس هذه السياسة وتوجهاتها كما اعتمدت طوال الأعوام الستة الماضية. وقد تزايد الشعور بالتفاؤل عندما بدأ رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، الحليف الأبرز لإدارة الرئيس بوش، جولة شرق أوسطية استهدفت إعادة الحياة إلي عملية السلام.

مهما كان التقدير لما يمكن ان يأتي به العام القادم من تطورات فلا ينبغي التقليل من حجم الإخفاق السياسي الامريكي (والإسرائيلي بالطبع) في المشرق العربي. السياسة الأيديولوجية الصماء التي اتبعتها المجموعة المسيطرة علي الإدارة الامريكية طوال الاعوام القليلة الماضية، السياسة القائمة علي القوة والإخضاع، لم تؤد إلا إلي تصاعد الكراهية لكل ما يمثله النفوذ الامريكي في المجال العربي ـ الإسلامي، وإلي انحسار ملموس لدائرة تأثير حلفاء هذا النفوذ. وحتي في جنوب ـ شرق آسيا، لم تكن العواقب الإقليمية للفشل الامريكي في فيتنام بمثل ما نشهده اليوم من ارتباك للسياسة الامريكية في المجال القاري الهائل الممتد من إسلام آباد إلي نواكشوط. هذا كله صحيح؛ ولكن الإفراط في التفاؤل بما يمكن أن يحمله العام المقبل من وعود ليس صحيحاً بالضرورة. الحديث عن عام مضي وعام يأتي لا يرتبط بالطبع بمجرد التقويم السنوي، الذي قد لا يعني الكثير في متغيرات السياسة علي أية حال، بل بما هو معلن من عزم الرئيس الامريكي التقدم بمراجعة شاملة لسياسته في العراق. ولأن هناك اتفاقاً واسعاً في أوساط السياسة الامريكية وأوساط الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة حول ارتباط قضايا الشرق الأوسط الساخنة ببعضها البعض، فليس من المستبعد ان تكون المراجعة الامريكية المتوقعة أكثر شمولاً من العراق.

ثمة مسألتان تستدعيان الحذر في توقعات ما يمكن ان تسفر عنه المراجعة الامريكية الاستراتيجية. تتعلق المسألة الأولي بعواقب الإخفاق الامريكي في المشرق العربي وبرؤية الطبقة السياسية الامريكية لمخاطر هذا الإخفاق. ليس فقط في إدارة الرئيس بوش، ولكن أيضاً في أوساط قيادة الحزب الديمقراطي، كما بين مجموعة رجال الدولة الكبار الذين ساهموا في إعداد تقرير بيكر ـ هاملتون، ثمة شعور متعاظم بأن انهيار السياسة الامريكية في العراق والمنطقة سيترك آثاراً كبري علي الدور والموقع الامريكي علي المستوي العالمي. عالم اليوم ليس عالم مطلع التسعينات من القرن الماضي عندما أسفرت نهاية الحرب الباردة عن هيمنة امريكية متفردة علي الشأن الدولي، وبدون وجود منافس جاد في الأفق. لقد جرت مياه كثيرة في السياق العالمي الاستراتيجي خلال العقد ونصف العقد الماضيين؛ وبينما تتقدم الصين بخطي ثابتة لتصبح القوة الاقتصادية الأكبر في العالم، فإن روسيا بوتين تستعيد الكثير من الثقة بالنفس بفعل إعادة الاعتبار للدولة الروسية ومؤسساتها، من ناحية، والانتعاش الاقتصادي الروسي السريع والمترتب علي ارتفاع أسعار النفط، من ناحية أخري. ما تعنيه هذه المتغيرات في المناخ الاستراتيجي العالمي ان القوي المحلية، وليس في الشرق الأوسط فحسب، ستجد قريباً ان خيارات التحالف الاقتصادي والعلمي والتجاري (وربما حتي العسكري والاستراتيجي) أصبحت متعددة وليست مقتصرة علي الولايات المتحدة. ان إخفاقاً كبيراً في الشرق الأوسط قد يولد تراجعاً امريكياً استراتيجياً لصالح قوي عالمية أخري ولصالح قوي محلية. وللتراجع الاستراتيجي في الشرق الأوسط، كما تعلمت كل الإمبراطوريات العالمية منذ الإسكندر المقدوني، عواقب عالمية الأبعاد.

أما المسألة الثانية فتتعلق بطبيعة الإدارة الامريكية الحالية، رؤيتها للعالم ونمط تفكيرها. لقد خسرت هذه الإدارة مؤخراً عدداً ملموساً من صقورها، لاسيما من بين المجموعة الأيديولوجية التي جرت الكوارث علي السياسة الامريكية كما علي المجتمعات وبني الدولة في المنطقة العربية ـ الإسلامية. ولكن هذا لا يعني ان الإدارة الامريكية قد تخلصت تماماً من غطرسة القوة والإيمان بفعالية التوظيف الواسع للقوة، حتي وهي تواجه ضغوط قوي ودوائر نافذة في الولايات المتحدة وفي دائرة الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط. ما يستدعي الحذر في تقدير تراجع النهج الذي اتبعته الإدارة الامريكية خلال السنوات الماضية من عمرها ان هذه السياسة تجد قبولاً وتأييداً من الدولة العبرية وحلفائها في العاصمة الامريكية. وربما لم يزل من الصعب تحديد حجم تقلص النفوذ الإسرائيلي علي السياسة الخارجية الامريكية، لاسيما في الشرق الأوسط.

إن أخذنا هذين العاملين في الاعتبار فلنا ان نتوقع محاولة دفع امريكية أخيرة في الشرق الأوسط من أجل الخروج بأفضل ما يمكن من نتائج، وليس النصر الشامل بالضرورة. الذين يتوقعون تغييراً جوهرياً في السياسة الامريكية، ينتج عنه استئناف جاد لعملية السلام في المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي، عليهم ربما ان يضعوا في الحسبان احتمال ان يشهد العام المقبل مجرد محاولات جزئية للتهدئة لا أكثر، هدفها الأساسي إرضاء الحلفاء العرب والأوروبيين وتقليص أثر المسألة الفلسطينية علي الملفات الأخري المفتوحة في المنطقة. بخلاف ما يحاوله توني بلير، وما تأمله بعض الدول العربية والمجموعة المحيطة بأبي مازن، فقد لا تكون واشنطن في مزاج الضغط علي الجانب الإسرائيلي وتقديم مكاسب جوهرية للفلسطينيين. وبالرغم من الوضع السياسي الفلسطيني القلق، فإن الخيار الفلسطيني الأنجع لا يزال هو الصمود، تحقيق قدر أعلي من التوافق الداخلي، والعمل علي كسر الحصار المفروض علي الحكومة والشعب. فيما يتعلق بالوضع السوري ـ اللبناني، فإن طريق التوصل إلي توافق لبناني داخلي برعاية عربية ربما يحتاج فترة أطول مما يبدو الآن، في حين يحاول كل من طرفي السياسة اللبنانية، بتشجيع من الحلفاء الإقليميين والدوليين، تحسين شروط الحل. وفي حين تنتشر الشائعات باقتراب التوصل إلي تفاهم امريكي – سوري، فإن الضغوط الامريكية علي سورية قد تستمر، ربما إلي ان تتوفر الظروف لعقد المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، ويصبح من الممكن ان تستجيب دمشق للمطالب الامريكية، أو معظمها، بدون ان تضطر واشنطن لتقديم مقابل ملموس لسورية. ليس ثمة مرتكزات حقيقية لاندلاع حرب أهلية، ولكن الخوف ان تتصاعد الأوضاع موضوعياً، وبدون إرادة وتصميم من أي من القوي السياسية الفاعلة، نحو انفجار بهذه الدرجة أو تلك للعنف.

في العراق، لا يجب استبعاد سيناريو العودة إلي سياسة القوة والتصعيد، إلي جانب محاولة لإعادة رسم الخارطة السياسية العراقية. أحد الاحتمالات قد يتمحور حول تعزيز الوجود العسكري الامريكي بعدة عشرات من آلاف الجنود، والتحرك نحو محاولة سحق جيش المهدي والمقاومة علي السواء، بدءاً من العاصمة بغداد ومن ثم التحرك نحو المحافظات الأخري، لاسيما تلك الأقرب للعاصمة، علي ان يتم تغطية هذا المخطط بتشكيل تحالف عراقي جديد من أحزاب سنية وشيعية وكردية، توفر حماية لحكومة المالكي وتحررها من ابتزاز جماعة الصدر. وفي حال فشلت محاولة تشكيل مثل هذا التحالف، يتم إسقاط حكومة المالكي وتشكيل حكومة عسكرية أو شبه عسكرية.

إلي جانب سيناريو الانفراج لابد من توقع عام صعب آخر من الصدام بين السياسة الامريكية ومصالح دول المنطقة وشعوبها. ولكن حتي إن لجأت واشنطن إلي سياسة القوة والتصعيد فهذا لا يعني بالضرورة تحقيق أهداف هذه السياسة. ما يبدو واضحاً من أحوال منطقة المشرق العربي، ربما أكثر وضوحاً مما يراه الناظر من العاصمة الامريكية، انه لم يعد من الممكن تجاوز العواقب التي تواجهها السياسة الامريكية أو التخلص من القوي التي أدت إلي إخفاق هذه السياسة. لقد تأخر الوقت طويلاً علي تحقيق نصر ملموس للسياسة الامريكية في المشرق العربي. وفي حين ان الأفضل لشعوب المنطقة ومستقبل الدور والنفوذ الامريكي فيها علي السواء ان تلجأ واشنطن إلي سياسة التفاوض والتعامل العقلاني مع مطالب الشعوب وحقوقها، فإن سياسة القوة والتصعيد قد تؤدي إلي مزيد من الدمار وفقدان الاستقرار، من ناحية، وتفاقم الإخفاق الامريكي، من ناحية أخري. ہ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية