آيا صوفيا آية الفتوحات الاسلامية لأوروبا:

حجم الخط
0

اشتراه محمد الفاتح ومنع الصلاة فيه كمال اتاتورك وحوله لمتحف وواصل وزراء تركيا المنعنظر العثمانيون والأتراك لهذا المسجد علي أنه رمز للفتح الاسلامي للقسطنطينية

اعده: علي عبدالعال يحكي آيا صوفيا ــ بقبابه ومآذنه العالية ــ قصة أشهر مسجد ومعلم اسلامي في تاريخ الخلافة العثمانية، ومن ورائها دولة الأتراك الحديثة. اشتراه السلطان محمد الفاتح ــ من بين أملاك الروم في مدينة اسلام بول ــ من ماله الخاص، وأوقفه مسجدا جامعا للمسلمين. ومن وقتها والمسجد يعد من أبرز معالـم مدينة الاسلام، وأحد الآثار العظيمة التي بقيت شــــاهدة علي العـــــنفوان العثــــماني في مواجهة دولة البيزنطيين، في ملحمة القسطنطينية التي سجلها التاريخ لواحد من أقوي الحصون الأوروبية.

ويحتل الجامع العريق مكانا بارزا ــ أعلي ربوة عند التقاء مضيق البسفور بمضيق القرن الذهبي في القطاع الأوروبي من مدينة اسلام بول ــ وهو عبارة عن مبني ضخم، مربع الشكل، مرتفع الحوائط والجدران، تتوسطه قبة ضخمة مركزية، محاطة بمجموعة من القباب الصغيرة المساعدة، وترتفع أربع مآذن مختلفة الأشكال في زوايا الجامع الأربع.

وكان جامع آيا صوفيا ــ قبل الفتح الاسلامي ــ يمثل الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية ــ في العالم القديم ــ في مقابل الكنيسة الغربية الفاتيكان التي ترعي المذهب الكاثوليكي.. حيث شهدت الكنيسة النصرانية انقساما، بين الكاثوليك والأرثوذكس، قبل ما يقرب من ألف عام ــ 1054م ــ بسبب الخلاف علي من يستأثر بالسلطة البابوية. وكان حوار بين الجانبين يهدف الي لم الشمل، بدأ عام 1965، عندما رفع الجانبان الشلح الذي فرضه كل منهما علي أتباع الآخر. ثم ثارت الخلافات ــ من جديد ــ بين الفاتيكان والكنيسة الأرثوذكسية، بسبب اتهامات الأرثوذكس للكاثوليك بمحاولتهم تحويل البعض الي الكاثوليكية، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وهو ما ينفيه الفاتيكان.

شرع في بناء آيا صوفيا زمن الامبراطور البيزنطي قسطنطين الأول (324 ــ 337م) بدعم مالي من هيلانا زوجة القيصر الروسي، الا أن وضعه البنائي القائم حاليا تم في عام 537م، علي عهد الامبراطور لاستينيانوس الذي جلب مواده من كل أصقاع الامبراطورية البيزنطية. وحين نجح الجيش الاسلامي بقيادة السلطان محمد الفاتح، في اقتحام أسوار القسطنطينية الشاهقة، وضم القطاع الغربي من مضيق البوسفور الي حظيرة الدولة العثمانية، وضع النهاية لدور آيا صوفيا ككنيسة شرقية وبدأ تاريخه كمسجد جامع للمسلمين، حيث تم بناء المآذن في أركانه الخارجية، ووضع الهلال أعلي قبته، وتمت صلاة أول جمعة به عام 857م.

ونظرا لحساسية الخلفية التاريخية لـ آيا صوفيا فقد عاد ــ وان لم يتوقف ــ الحديث عن أمجاد الماضي لدي النصاري، وهو ما أثارته زيارة بنيدكت السادس عشر بابا الفاتيكان الي تركيا، ودخوله آيا صوفيا 30/11/2006م، وتجوله في باحاته. حيث لقيت تلك الزيارة معارضة واسعة بين أوساط الشعب التركي، سواء بين علماء الدين أو الساسة أو المواطنين قوميين واسلاميين، علي حد سواء، بسبب اساءاته السابقة الي الاسلام والرسول صلي الله عليه وسلم، وبسبب ما وصف بحملته الصليبية الجديدة ضد الاسلام في تركيا، وبسبب مواقفه الرافضة لانضمام تركيا الي الاتحاد الأوروبي، بدعوي أن ذلك سيُضعف ما سماه الهوية المسيحية لأوروبا، مما دعا العلمانيين الي الانضمام أيضا الي الحملة الرافضة لزيارته.

وتقول المصادر التاريخية، بشأن الأثر الذي أحدثه فتح القسطنطينية علي أوروبا: ولقد استقبلت عواصم الغرب الأوروبي ــ وعلي رأسها كنيسة روما (الفاتيكان) ــ أنباء الفتح الاسلامي بانزعاج كبير وضيق شديد. مما أثر بدوره علي احتفاظ الفكر الصليبي بجذوره العميقة، في توجيه سياسات بلاد الأفرنج (الصليبيين) وحروبهم ضد العالم الاسلامي. ومن ثم كان تدمير تركيا شغل أوروبا الشاغل، وكانت الممتلكات العثمانية هي الصيد الذي ترنو اليه كل عيونهم.

واذا كانت أبصار جموع المسلمين تتجه صوب آيا صوفيا وفاء من جهة، واشفاقا عليه من جهة أخري فليس ذلك إلا لما يمثله المسجد من قيمة تاريخية وعقائدية كبيرة. ففيما يشير الي دعم أوروبي غربي ــ لا يتوقف ــ للحملات التي تستهدف النيل من الوجود الاسلامي في مدينة اسلام بول والصبغة الاسلامية لمسجد آيا صوفيا فيها: البرنامج الذي تبثه قناة تاليستي الفضائية اليونانية يوميا، حيث يتضمن فيلما مصورا، يظهر فارسا بيزنطيا بملابس عسكرية، يصحو من كبوته ــ بعد اشارة نورية من المسيح ــ فيفتح أمامه بابا ليجد آيا صوفيا أمام عينيه، ويتجه ناحيته شاهرا سيفه، يحطم الهلال الموضوع أعلي قبة المسجد، ويضع مكانه الصليب، ويهدم المآذن الأربع في أركان المسجد!.. ويعيد آيا صوفيا مقرا للكنيسة الأرثوذكسية.. وهي تقريبا صورة واضحة لما يدور في المخيلة الغربية، حيال أشهر أثر اسلامي في القارة. وقد شنت اليونان وقبرص حملات اعلامية دولية لم تهدأ، حتي اليوم، ضد تركيا لاعادة آيا صوفيا الي النصاري الأرثوذكس، وطالبت المجتمع الدولي بالتدخل لاعادة الجامع ككنيسة، وتسليمه للبطريرك الأرثوذكسي المقيم في بطريركية استانبول.

ويمثل آيا صوفيا رمز الاسلام في تركيا، منذ أن صلي فيه السلطان محمد الفاتح عام 1453م واتخذه مسجدا جامعا مع الفتح الاسلامي لـ القسطنطينية العاصمة المسيحية الشرقية لقرابة ألف عام.. ولقد شهد المسجد أحداثا ووقائع هامة في تاريخه، وتاريخ العثمانيين، والخلافة الاسلامية أيضا. محمد الفاتح يدخل مع الظهيرةوتقول المصادر التاريخية: انه وبعد اقتحام الجيوش الاسلامية أسوار القسطنطينية الشاهقة، وفتحهم المدينة العتيقة عنوة، دخلها السلطان محمد الفاتح ــ مع الظهيرة ــ بموكب جليل. ولما أخذ يتفقد أحوالها، وجد حالة من الفوضي والذعر بين سكانها، فأصدر أوامره بمنع أي اعتداء وحماية جميع الأموال والممتلكات، حتي ساد الأمن وسيطر النظام، وهدأت ثائرة النفوس.

وفي خضم هذا النصر الكبير، تشير حقائق التاريخ الناصعة: أن السلطان محمد الفاتح عامل أهل القسطنطينية معاملة رحيمة، وأمر جنوده بحسن معاملة الأسري والرفق بهم، كما افتدي عددا كبيرا من الأسري، من ماله الخاص وخاصة أمراء اليونان، ورجال الدين، وأمرهم بتنصيب بطريرك جديد فانتخبوا (أجناديوس) بطريركا، وتوجه هذا بعد انتخابه في موكب حافل من الأساقفة الي مقر السلطان، فاستقبله السلطان بحفاوة بالغة وأكرمه أيما اكرام، وتناول معه الطعام وتحدث معه في موضوعات شتي، حتي خرج البطريريك من لقاء السلطان يقول: اني أخجل مما لقيته من التبجيل والحفاوة، الأمر الذي لم يعمله ملوك النصاري.

ثم توجه الفاتح الي كاتدرائية آيا صوفيا، دخلها مترجلا عن فرسه، وصلي فيها صلاة الشكر لله تعالي علي هذا الفتح العظيم، ولما حان موعد الصلاة، أمر الســـــلطان برفع الأذان فيهــــا، وصلي ومن معه من القادة والجند صلاة العصر، ثم أمر الفاتح بتحويل آيا صوفيا الي مسجد جامع، وأمر بأن يعد لهذا الأمر حتي تقام بها أول جمعة قادمة، ومــــن ثم أخــــذ العمال يعدون لهذا الأمر، فأزالوا الصلبان والتـــماثيل، وعملوا منــــبرا للخطيب.

وعن سبب تحويل الكنيسة لمسجد، تشير مصادر التاريخ الي أن الجيش الاسلامي حين دخل القسطنطينية، وجد هذه الكنيسة الضخمة مهجورة ولم يعد يستخدمها أحد، وأنها ستتحول بمرور الوقت لمكان تبيت فيه الثعابين والحشرات والزواحف وطيور النورس البحرية، المنتشرة بمضيق البوسفور وبحر مرمرة، حيث أشارت الروايات التاريخية الي أن جموعا من الأهالي تركوا المدينة، وانتقلوا الي مناطق في اتجاه الغرب ــ اليونان وقبرص ــ وذلك علي اثر الفتح، وهو الأمر الذي جعل من الكنيسة الضخمة مرتعا للحشرات والزواحف. وفي نفس الوقت لم يكن بالقسطنطينية مكان معد لأداء الصلاة، لكل هذا العدد الضخم من أفراد الجيش العثماني. ولما عرض السلطان ورجال الدولة الأمر علي شيخ الاسلام آق شمس الدين ومن معه من علماء الاسلام، أفتوا بجواز تنظيف الكنيسة وتحويلها لمسجد يصلي فيه المسلمون، بعد ازالة الصليب الذي كان يعلو القبة الرئيسية، وبناء مئذنة في أحد أركانه، ووضع منبر بصحن الصلاة.

وتقول الوثائق التاريخية أن السلطان محمد الفاتح ــ بعد أن جعل القسطنطينية عاصمة الخلافة العثمانية، وأطلق عليها اسلام بول أي مدينة الاسلام ــ اشتري آيا صوفيا ــ من بين أملاك الروم ــ بماله الخاص، عكس ما يدعي البعض من أن المسلمين استولوا عليها بالقوة، وأوقفها مسجدا للمسلمين، بعد أن أقام له أربع مآذن.

وقد وصف الفيلسوف الفرنسي الشهير فولتي موقف المسلمين الأتراك من النصاري البيزنطيين بعد هزيمتهم، بقوله: ان الأتراك لم يسيئوا معاملة المسيحيين ــ كما نعتقد نحن ــ والذي يجب ملاحظته أن أمة من الأمم المسيحية لا تسمح أن يكون للمسلمين مسجدا في بلادها، بخلاف الأتراك، فانهم سمحوا لليونان المقهورين بأن تكون لهم كنائسهم.

وقد نظر العثمانيون والأتراك ـ فيما بعد ـ لهذا المسجد طوال تاريخهم، علي أنه رمز للفتح الاسلامي للقسطنطينية ودخول اسلام بول وما بعدها من أراض غربية لحظيرة الخلافة الاسلامية، ولذا حظي الجامع باهتمام ورعاية السلاطين والباشاوات والأمراء ورجال الدولة العثمانية.

وبالرغم من امتلاء استانبول بعشرات الجوامع التاريخية الضخمة والجميلة ــ مثل جامع السليمانية، وفاتح، ونور عثمانية، وسلطان أيوب، والسلطان أحمد، ومهرماه سلطان، ويني جامع، وشاه زاده ــ فان لجامع آيا صوفيا مكانة مهمة في نفوس المسلمين الأتراك، لذا كان المكان المفضل للصلاة وخاصة الصلوات الجماعية (الجمعة والأعياد والتراويح). فقد ظل مسجد آيا صوفيا شامخا ــ طيلة هذه القرون ــ تتردد في جنباته كلمة الله، حتي بداية القرن العشرين. ومع سقوط الخلافة العثمانية عام 1923م، وما استتبعها من قيام نظام علماني بقيادة كمال أتاتورك، اتخذ قرارات خطيرة التأثير بمسيرة الاسلام في تركيا، مثل الغاء وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، والغاء منصب شيخ الاسلام والمفتي، واستبدال الشريعة الاسلامية بالقوانين الغربية، ثم تغييره حرف كتابة التركية من العربية الي اللاتينية، وقراءة القرآن بالتركية، وتتريكه الأذان. وقف الصلاة في الجامعكانت هذه القرارات بمثابة المقدمة، التي انتهت باصدار قرار حكومي عام 1934م، يقضي بوقف الصلاة في الجامع، ونزع سجاجيده ولوحاته المكتوبة بالعربية، ومنبره، وتحويله الي متحف سياحي. وذلك تقربا لأوروبا الصليبية، وفي مخالفة علنية لشروط الواقف ــ وهو السلطان محمد الفاتح ــ الذي نص في وثيقة الوقف علي أن: من يحاول تغيير هذا الجامع، ومنع الصلاة فيه، فهو ملعون الي يوم القيامة.

وقد أصاب القرار جموع الشعب التركي المسلمة، بصدمة كبيرة، وفتح جرحا غائرا لم يندمل بعد. ولم يتمكن أحد من أهل السياسة في عصر أتاتورك من المطالبة بالعودة عنه، وان كان قِطاع من علماء الاسلام مثل: خوجه راسم أفندي أبدي اعتراضا عليه، ونال علي ذلك العقاب والتنكيل من نظام أتاتورك، حيث لم يبال أتاتورك ولا أحد من رجال الجمهورية العلمانية الجديدة، بالاعتراضات الشعبية علي القرار، واعتقلوا وسجنوا كل من قاوم تطبيقه.

وفي هذا السياق، يري الكثير من أبناء الشعب التركي أن غلق آيا صوفيا في وجه المصلين المسلمين، عبارة عن بند سري ورد في الاتفاقيات التي وقعها (أتاتورك) مع الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولي 1914ــ 1918م.

كما يري مراقبون في قيام المعهد الأمريكي البيزنطي عام 1931م، بأعمال حفر وبحث في أطراف الجامع، علي أيدي الأثري الأمريكي (تي وايت مور) وبموافقة أتاتورك، فضلا عن الاستمرار في هذا العمل حتي عام 1970م، وعدم قـــــدرة رؤساء الحكومات التركية القوية ــ مثل عدنان مندريس أو سليمان ديميريل أو تورغوت أوزال أو حتي أردوغان ــ علي اعادة الصلاة بالجامع، اشارة واضحة وقوية لدور الغرب في استمرار منع الصلاة، وتجميد الجامع علي وضعية متحف أثري تاريخي بيزنطي.

وبعد الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1980م، سمحت الحكومة التركية بفتح قسم صغير من الجامع لأداء الصلاة، ثم ما لبثت أن عادت وأغلقته. ورغم مرور حوالي 20 عاما علي بدء بعض ترميمات فيه، تستمر عمليات منع الصلاة من قبل السلطات، علي ما يبدو وكأنها مجرّد حجة مستمرة لغلق ساحة الصلاة ــ بشكل مُقنع ــ لمنع أي محاولة جماهيرية لاقامة الصلاة في الجامع، خصوصا وأنه منذ منتصف الثمانينيات ظهرت مجموعة دينية في استانبول من الشباب الاسلامي يقودها (مسلم جوندوز) تطلق علي نفسها آجمنديلار: العَجزة تقوم بحركات اعتراض ومقاومة أمام الجامع بين الحين والآخر، من أجل حث الحكومة التركية علي اعادة الصلاة فيه، الا أن قوات الأمن دأبت علي اعتقال أفراد منهم، ويصدر القضاء التركي أحكامه بسجنهم من آن لآخر.

ولم تنته قصة آيا صوفيا مع هذا السيناريو، اذ تعود قضية هذا المسجد التاريخي العريق الي الواجهة من جديد، خاصة في ظل اشتعال جذوة الصحوة الاسلامية المباركة، والتي أخذت تطوف أرجاء الأرض تحيي الاسلام في نفوس أبنائه من جديد.. ومن ثم، شرع الأتراك يطالبون ــ من وقت لآخر ــ برفع هذا الحظر الذي فرضه العلمانيون علي بيوت الله، واعادة الأمور علي ما كانت عليه قبل عام 1934م.

فقد طالب حزب الرفاه الاسلامي عام 1995م بفتح المسجد للصلاة. وكان الزعيم الاسلامي ورئيس الحكومة التركية الأسبق نجم الدين أربكان، قد تعرض للمحاكمات العديدة من وراء دعوته ومطالبته بفتح الجامع أمام المسلمين الأتراك.

وكانت المحكمة الادارية بأنقرة رفضت يوم 24 حزيران (يونيو) 2005م، السماح باعادة الصلاة في آيا صوفيا بعد دعوي تقدمت بها جمعية الحفاظ علي الآثار التاريخية والبيئة، وأيدت المحكمة استمرار قرار حكومة أتاتورك والابقاء علي الجامع كمتحف سياحي، معتبرة أن القواعد الواردة (اسقاط القرار الاداري نهائيا بعد مرور 70 سنة حتي لو كان محصنا بقرار قضائي) في قانون المحاكمات الادارية لا محل لها في هذه الدعوي.

ہ كاتب يقيم في تركيا7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية